]]>
خواطر :
اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

زينَةُ الحياةِ . ( قصة قصيرة )

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-02-18 ، الوقت: 11:45:53
  • تقييم المقالة:

 

 

جلست (دنانيرُ) فوق عرْشِها ، وقد اكْتستْ بأجملِ الثِّيابِ ، وتحلَّت بأغْلى الجواهرِ ، وتشاغلتْ بالنظر في أوْراقٍ بين يديْها ، تُبْدي مُلاحظاتٍ حولَ ألْوانِها ، وخُطوطِها ، وأرْقامِها ، وصورَتِها خاصَّةً ، تلك التي احْتلَّت جنْبَ كلِّ ورقةٍ صغيرةٍ وكبيرةٍ .

وكانت (نرجسُ) مُسْتشارتُها الأولى ، وصديقتُها الأثيرةُ ، تتَطَلَّعُ إليها ، بعينين تُرقْرقان بماءِ الحياة والشَّبابِ ، وترْسُم على شفتيها القُرْمُزيتَيْن ابتسامةً عريضةً ، كلما حانتْ من (دنانير) لفتةٌ إليها .

بينما كان (الحرامُ) ، رئيسُ الوزراء ، يقف غير بعيدٍ عنهما ، وقفةً تدلُّ على الكبرياء ، والشُّموخ ، والثِّقة الكبيرةِ في النفس ، الَّتي اكْتَسَبَها على مَرِّ السِّنينَ .

فقالت (دنانير) بصوتٍ بَدا فيه الرِّضا والارْتياحُ :

ـ لا بأسَ ، هي أوراقٌ جميلة ، وقد رضيتُ عنها ، فامْلئوا بها خزائني ، ووزِّعوها على الناسِ بحذرٍ وحسابٍ ، وراعوا أحْوالَ عَبيدي ، وخُذوا بعين الاعْتبار مقاماتِهم وأعْمالَهم ، وانْظروا أيَّهم أشدَّ تعلُّقاً بنا ، وأكثرَ خِدْمةً لنا ، وحِرْصاً على مودَّتنا ، فأَغْدقوا عليهم منها .

فاستأذنتْ منها (نرجس) الكلامَ ، وقالت :

ـ يا مولاتي ، كلُّ أبناءِ رعيتك يُحبونك ، ويقدِّمون بين يديك فُروضَ الطاعة والوَلاء ، ولا يسْعونَ إلاَّ لرضاكِ عنهم ، والتَّنعُّمَ بفضْلك وكَرَمِك ، وهم يَدْأَبونَ على ذلك ليلَ نهار . وقد سمعتُ كثيرين يُسبِّحون بحمْدك ويُقدِّسون لك .

فضحكت (دنانير) ، وقالت :

ـ لا تُبالغي يا مُستشارتنا الحبيبةَ ، فليس كلُّ الرعية كما تزْعمين ؛ فقد أنبأَني (الحرامُ) في ليْلَةٍ أنَّ هناك أفراداً لا يَهابون سلْطاني كثيراً ، ولا يخْشونَ أن أحْرِمَهم من بعْض فُيوضي ؛ فهم يتعفَّفون ولا يسألون إِلْحافاً .

ونظرتْ إلى (الحرام) ، فوجدتْه قد أطرقَ برأسه نحو الأرض ، ينتظرُ أن تُشيرَ له بالكلام ، فسألته لكي يتحدَّثَ بما لديْه :

ـ أليس كذلك يا وزيرنا الهُمامَ ؟!

فأجاب :

ـ إنهم مجرد أغبياءٍ يا مولاتي ، ولا بُدَّ أن يتْعبوا في لحظةٍ ما ، ويتخلَّوا عن عِنادِهم وعِصْيانِهم ؛ فقد أحْكمْتُ عليهم أكثرَ من طوْقٍ ، وحاصرْتُهم ، وأبناءَهم وأَزْواجَهم ، بِعُقدٍ ومَشاكلَ مُختلفةٍ ، لا يستطيعون حلَّها والفكاكَ منها إلاَّ إذا التجئوا إليَّ ، وتوَسَّلوا أن أُنْجِدَهم ، وأُخلِّصهم ممَّا همْ فيه من بُؤْسٍ وشَقاءٍ .

وهَبْ أنَّهم قاوموا فترةً من الزَّمن فإنَّ بعْضَ الحاجياتِ تكونُ ضروريَّةً ، تَضْغط عليهم ضَغطاً شديداً ، فتضْطرُّهم إلى أنْ يَحْصُلوا عليها بأيِّ طريقةٍ ووسيلةٍ ، حينئذٍ أكونُ لهم بالمرصاد ، وآمرُهم أن يدْخلوا في ديني أفواجاً أفواجاً .

قهقهتْ (دنانير) ، وشاركتْها الضَّحكَ صديقتُها (نرجس) ، ثم قالت تمْدحُ وزيرَها الأوَّلَ :

ـ يا لك من داهيةٍ ، وماكرٍ ، يا (حرام) ؛ لا تيْأسْ من عبادي أبداً ، وتَقْعدُ لهم كلَّ مقْعدٍ ، وتتربَّصُ بهم كل تَربُّصٍ ، فينقادُ لك أغلبُهم ، ويطلبونَ زينَتي دائماً عن طريقك ، وآهٍ لو عرفوا طريقك إلى أين يُفْضي في النهاية ؟!

فانْحَنى (الحرام) انحناءةً خفيفةً ، وقال بهُدوءٍ مُصْطنعٍ :

ـ ما أنا يا مولاتي إلاَّ خادمك المطيع ، وصنيعةٌ من صَنيع يديْك الكريمتين . وكلُّ ما أرجوه رِضاكَ وسَعادتك .

وحين سمعتْ (دنانير) كلمةَ (السعادة) ، خَبا منْ عينيها ذلك البريقُ المُتوهِّجُ ، وتراجعت الابتسامةُ عن شفتيها ، وزفرتْ من صدْرِها تنهيدَةً حارَّةً ، وقالت بنبْرةٍ حزينةٍ :

ـ (السعادة) .. هي الوحيدةُ التي تُجافيني كثيراً ، وتخْذُلُني في أغلَبِ الفتراتِ ، وتغيبُ عن قصْري كلما طلبْتُها ، ولا ترْضى أن تخْدُمني كما أريدُ . حاولتُ أنْ أفْهَمها ، وأكْتشف أسْرارَها ، وأعْرفَ أصْدِقاءَها وأعْوانَها ، فلمْ أُفلحْ . بل حاولتُ أن أُغْريها بالمالِ ، والجاهِ ، والنُّفوذ ، وأَجْعلَها شريكةً لي في مَمْلكتي ، فأبتْ ، وآثرَتْ أن تُصاحِبَ في الدنيا صديقتَها (الحرية) ، لا حُدود لهما ولا قيودَ .

ثم تنهَّدت تنهيدةً أخرى أطْولَ من الأولى ، وأضافت :

ـ (الحرية) .. تلكَ البائسةُ ، اللَّعينةُ ، هي التي بلْبلَت فِكْرَها ، وشوَّشت حياتَها كلَّها ، وجعلتها تتمرَّدُ عليَّ ، وتخْرُجُ عن طاعتي ومُلْكي .

وهنا تدخلت (نرجس) ، وقالت لموْلاتِها (دنانير) :

ـ لماذا لا نُرْسلْ يا مولاتي أحدَ عَبيدِنا المُطيعين ، ويقْضي عليْها غيلةً ؟!

فقالت (دنانير) :

ـ يسْتحيلُ ذلك يا (نرجس) .. يستحيلُ ...

فسألت (نرجس) :

ـ كيف يستحيلُ ذلك يا مولاتي ؟!

فأجابت (دنانير) باستسلامٍ :

ـ لأنها روحٌ يا عزيزتي ، وتَمْلكُ سلاحاً نافذاً ، وهو لا يُباعُ ولا يُشْرى .. !!

فبدت الدهشةُ على وجْهِ (نرجس) ، وكذلك وَجْهِ (الحرام) ، وسألَ هذا الأخيرُ :

ـ وما هو هذا السِّلاحُ الذي لا يباعُ ولا يشرى يا مولاتي ؟!

فقالت بغيْظٍ مكْتومٍ :

ـ (الإرادة) .. (الإرادة) ... !!

ونَكَّسَ الجَميعُ رؤوسَهم في شِبْهِ انْكسارٍ وخِذْلانٍ .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق