]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قبس من نور النبوة:1.غثاء السيل

بواسطة: محمد ممدوح يوسف  |  بتاريخ: 2013-02-17 ، الوقت: 17:56:33
  • تقييم المقالة:

عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها " فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال:" بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن "، فقال قائل : يا رسول الله وما الوهن ؟ قال :" حب الدنيا ، وكراهية الموت "..رواه أحمد وأبو داود واللفظ له..
تعاقبت الأمم والدول منذ ألاف السنين الساحقة ، ونشبت الحروب العديدة بشتى معانيها بين تلك الحضارات والدول ، وانتصر فيها من انتصر وغلب من غلب ، وربما من بات مغلوبا بالأمس أصبح غالبا ، وعظمت بعض الدول والحضارات فحكمت العالم بأسره ، ولم تلبث طويلا إلا و تأتي أخرى فتلتهم تلك الحضارة السابقة ، وتقلب عالم البشرية عبر العصور بين أمة وأمة وحضارة وأخرى ، ومحيت أغلب معالم الحضارات القديمة على الرغم من عتوهم وجبروتهم ، وتحولت الأرض من بعد أن كانت ملكاً لله تعالى وحده إلى تركة تقسمها تلك الحضارات والأمم بينهم إما بالقوة والعنف أو باشتراك المصالح والأهداف ، ولكنهم لم يتنبهوا تماما أن كل ذلك زائل لا محالة وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين..
ورويت الأرض بدماء البشرية في شتى البقاع ، واستشرى ظلم تلك الأمم ، وازداد المستضعفون في الأرض ، وغُلبوا على أمرهم وشردوا وطرودا من أراضيهم ليتنعم بها غيرهم ، من أجل ذلك بعث الله الأنبياء والرسل لينيروا الطرق المظلمة أمام الإنسانية كلها ، ويخرجوا هؤلاء الطغاة الظالمين من الظلمات إلى النور ، وأيضاً ليساندوا هؤلاء المستضعفين ويهونوا عليهم ما يلاقوه من شتى صور العذاب والهوان ، وكان أتباع الأنبياء من الضعفاء أكثر من أتباعهم من الطغاة ، وهذا حينما أدرك هؤلاء الضعفاء أن تلك الرسالات السماوية هي الملجأ والمفر الوحيد أمامهم من ظلم وعدوان المعتدين ، ومثال ذلك قوم بني إسرائيل الذين كانوا مستضعفين مقهورين تحت سطوة حضارة وثنية متوحشة ، فبعث الله تعالى سيدنا موسى عليه السلام ليخرج الطغاة من ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد فكذبوه ، وفر الضعفاء إلى أحضان الرسالة الإلهية ليجدوا المنجى من القهر الوثني ، حينئذ أورثهم الله تعالى القيادة والخلافة قال تعالى "وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ" ، وأبدل ضعفهم قوة ومهابة وجعلهم أمة قائدة للأمم ، وأنعم عليهم بالنعم التي لا حصر لها وفضلهم سبحانه على العالمين قال تعالى "يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" ، وأخذ الله تعالى عليهم المواثيق والعهود لئن اتبعتم الرسل وأمنتم بما جاؤوكم به لأنصرنكم ولأمكنن لكم الأرض ولأنزلن عليكم الآلاء والنعم من حيث لا تعلمون ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار قال تعالى "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ" وقال تعالى "يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى" وقال تعالى "وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ" وقال تعالى "وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ" ، ولكنهم وبعد أن ذاقوا طعم القوة والنعم والرغد خانوا و نقضوا تلك العهود والمواثيق وعثوا في الأرض فسادا وخرابا ، واشتاقت قلوبهم إلى الشرك الذي ملأ عقولهم وتشربت به نفوسهم وأرواحهم العليلة قال تعالى "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ" ، وليس ذلك فحسب بل كفروا بالله تعالى وقتلوا أنبيائه ورسله ، فكتب الله عليهم الذلة والمهانة قال تعالى "ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ"..
ثم بعث الله سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ، ورسخ عليه الصلاة والسلام دعوته فكانت للعالمين ، واتبعه رجال ونساء لم نرى مثلهم في الفضل قط ممن جاء بعدهم ، وتشكلت أمة جديدة اتسمت بكل المقومات التي تجعل منها أمة قائدة ، أمة اكتمل فيها معنى الإنسانية ، فاستحقوا أن يوصفوا بأنهم خير أمة أخرجت للناس..
وتحولت قيادة الدنيا من أمة خبيثة خانت عهد الله وقتلت أنبيائه إلى أمة وفت وآمنت واتبعت أوامر ربها ونصرت رسوله بكل قطرة دم تسري في عروق أتباعه ، وأنزل الله قوله تعالى "قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ" ، والذي بمقتضاه تحولت قبلة الصلاة من بيت المقدس والذي يمثل قبلة أمة بني إسرائيل إلى قبلة بيت الله الحرام والذي هو قبلة أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويكون هذا التحول بمثابة رسالة إلهية تقضي بتسليم مفاتيح قيادة الدنيا إلى خير أمة أخرجت للناس..
إن الأمة التي تستحق قيادة العالم و خلافة الأرض هي الأمة التي بُنيت على أساس هائل من القيم والأخلاق والعقائد السماوية السليمة ، إن خليفة الله في الأرض بمثابة النائب عنه سبحانه في رعاية كونه سبحانه من الخراب والفساد والدمار ، إن قوة الأمم واستحقاقها للقيادة لا يكون أبدا بالعدد فقط فإن الكثرة كثيرا ما تكون كغثاء السيل الذي لا يشبع الظمآن ولا يروي العطشان ، وإنما ينبغي على كل فرد من أفرادها أن يكون بمثابة أمة بأسرها ، إن الأمة التي أصاب الوهن قلوب أفرادها فسينهار هيكلها ويهدم بنائها قطعاً ، ولقد تمثلت بلاغة النبوة في أبهى صورها في هذا النص النبوي العظيم حين حذرنا عليه الصلاة والسلام أننا إن سمحنا لحب الدنيا أن يسيطر على قلوبنا ، والتفتنا لعددنا دون أن نلتفت لما عددناه ، فسنجد مصيراً مهينا مريراً حين تجتمع علينا الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها..

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق