]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

إلى أين يقودنا الربيع العربي

بواسطة: توفيق الزرقي  |  بتاريخ: 2013-02-17 ، الوقت: 08:42:34
  • تقييم المقالة:
     لنكن صادقين مع أنفسنا وأن لا تجرفنا العاطفة والأهواء ، وإن كانت جزءا من الفعل وردة الفعل، وأن نحتكم إلى العقل حتى نقترب من الموضوعية في تشخيص الواقع التونسي ما بعد الثورة وتحليل أبعاده وانعكاساته على الوضع العام بالبلاد وعلى السلم الاجتماعي على وجه الخصوص.     فقبيل ثورة 14 جانفي 2011 التي قادتنا إلى الربيع العربي، كانت حالة الوضع العام بالبلاد ، حسب امكانياتي المتواضعة في الاستقراء، تتسم بالاستقرار واستتباب الأمن والأمان رغم هاجس الإرهاب ،حيث كان إخوتنا الجزائريين الوافدين على بلادنا يغبطوننا على نعمتها ، كما تميزت بسلم اجتماعي ، رغم ارتفاع نسب البطالة خاصة في صفوف حاملي الشهادات العليا وحراك يطغى عليه جانب المطلبية ، حيث كانت الدولة تتحكم في الأسعار ، خاصة على مستوى المواد الأساسية باعتماد  صندوق الدعم تارة وتعديل الأجور من خلال المفاوضات الاجتماعية مع الإتحاد العام التونسي للشغل تارة أخرى وذلك للمحافظة على المقدرة الشرائية للمواطن التي كانت والحق يقال غير مستقرة ولم تبلغ المستوى المأمول.   كما كان نسق النمو الاقتصادي مستقرا ويتطور بنسب وإن كانت متواضعة لارتباطه الوثيق بالقطاع السياحي الذي ، رغم تداعيات الأوضاع الإقليمية والدولية ، كان يحافظ على إشعاعه ، خاصة على مستوى سياحة المؤتمرات ولعل التحسن الملحوظ على مستوى البنى التحتية خاصة بالمدن الكبرى خير  دليل على عافية الإقتصاد التونسي علاوة على قدرة الدولة على تسديد ديونها الخارجية ومحافظتها على رصيدها الإحتياطي من العملة الصعبة.                  هذا كما كان يبدو ظاهريا ، أما ما كان مجظور الحديث عنه ، فيمكن تلخيصه في النقاط التالية: حزب حاكم ابتلع الدولة ووظف امكانياتها البشرية والمادية لخدمة مصلحته الضيقة للإنفراد بالسلطة، وسعي متواصل للحد من الحريات وهرسلة النشاط السياسي المعارض، وتغــــــول العائلة الحاكمة واستشراء الفساد المالي والاداري ليشمل جميع القطاعات والميادين(إهدار للمال العام،محسوبية،رشوة،انتهازية) زادت في الغليان الشعبي المكبوت، الذي فجرته حادثة فردية جدت بمدينة سيدي بوزيد يوم 17 ديسمبر 2010 لتتحول إلى بركان طالت حممه الدم والحجر، ولقي مساندة الإتحاد العام التونسيين للشغل وعدد من المحامين ، ليركبها المتربصون بالنظام وفي طليعتهم عديد الأطراف السياسيةالمعارضة خاصة المحظورة منها على غرار حركة النهضة وحزب العمال الشيوعي التونسي والوطنيين الديمقراطيين    هذا وفي خطابه الأخير مساء يوم 13 جانفي ، ترنح بن علي على الركح وفقد السيطرة على هدوئه وبعث بذلك رسالة واضحة لخصومه التي تم تفسيرها برقصة الديك المذبوح وتولوا الإجهاز عليه في اليوم الموالي الموافق لـ14 جانفي في غياب التعبئةالعامة التي كان ينتهجها التجمع الدستوري الديمقراطي لتأييده ، باستثناء الإطلالة المحتشمة على إثر الخطاب ، وكأنه هو الآخر قد تخلى عنه على أمل الخلاص منه.   لقد كانت ثورة عفوية خرجت من رحم الشعب دون قيادة أو هيكلية أو برنامج بديل، شعارها الوحيد الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.   تتالت الأحداث برحيل الوزير الأول محمد الغنوشي في القصبة 1 ليحل محله السيد الباجي قائدالسبسي وتواصلت القصبة 2 ،وحسب اعتقادي، فإن الفضل بعد الله في ترسيخ الثورة يعود إلى السيد الوزير الأول حيث رغم المناخ السائد والمشحون ، تمكن من الإيفاء بوعده في انجاح الإمتحانات الوطنية ثم إجراء انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، لتتسلم على ضوء نتائجها الترويكا بقيادة حركة النهضة السلطة في طبق فضي لطالما كانت تسعى بكل الطرق للوصول إليها.   فماذا قدمت لنا الثورة بعد عامين وحسب رأيي الشخصي باعتباري أعايش تطورات الأحداث ببلادي، ويبقى رأيي صواب يحتمل الخطأ ، فإن الثورة تمخضت وأنجبت لنا حرية متهورة وحمقاء وباسمها عمت الفوضى وتلاشت هيبة الدولة وبات كل فعل مباح:  انتهاك صارخ للمقدسات بروز التيارات المتشددة على واجهة الأحداث، تعطيل المصالح الحيوية للبلاد بالاعتصام والاحتجاجات، ارتفاع منسوب المطلبية وارتفاع لهيب الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية ،اكتساح التجارة الموازية للأسواق، تطور نشاط التهريب بكافة أنواعه ليشمل إضافة للبضائغ ، الإنسان والسلاح والذخيرة ، تفاقم الجرائم بمختلف أنواعها وتفشي ظاهرة المخدرات في مختلف الأوساط ، اقتصاد يتدهور بنسق كارثي( تراجع النشاط السياحي ، عزوف الاستثمار الخارجي ، وتكبيل الاستثمار الداخلي بتحجير السفر  على عدد هام من رجال الأعمال في انتظار العدالة الانتقالية، تصنيف عالمي خطير) وارتفاع نسب البطالة أضعافا مضعفة على ما كانت عليه قبل لثورة ، احتقان سياسي واجتماعي وثقافي لم تشهد له البلد مثيلا، غياب الأمن والأمان والطمأنينة ليحل محله هاجس الرعب من الحاضر والخوف من المستقبل... بروز ظاهرة غريبة عن مجتمعنا وهي العنف السياسي الذي طال بادئ الأمر النشاط النقابي والسياسي المعارض  ليتطور من عنف مادي إلى حد الإغتيال السياسي والذي ذهب ضحيته الوجه السياسي والقيادي المعارض الشهيد شكري بلعيد .      خلال الثورة رفعت شعارات كثيرة منها على وجه الخصوص ، لا للإقصاء ، لا للتهميش، فصل الحزب عن الدولة ، لا للإستبداد، حرية عدالة كرامة وطنية ، وخلنا أن الثورة ستقطع مع هذه الشعارات بالعمل على القضاء على أسبابها، غير أن الواقع أظهر لنا خلاف ذلك وكلها ينطبق عليها " كبر مقتا عند الله أن تنهوا عن فعل وتأتوا بمثله"، وهذا رأيي في ذلك أتولى بيانه كما يلي:   لن أتطرق إلى الوعود الانتخابية للترويكا الحاكمة فهذا يستدعي المعرفة الدقيقة وهي غير متوفرة لي ، غير أني سأستعرض ما تراءى لي من شواهد ، دون تحيز لجهة على حساب أخرى، ومن هذه الشواهد :  تغول حركة النهضة على حليفيها في الترويكا ( المؤتمر والتكتل) وسعيها الدءوب إلى بسط نفوذها على مفاصل الدولة، سواء على مستوى الحقائب الوزارية وخاصة السيادية منها أو على مستوى التعيينات بمختلف المؤسسات الإدارية والإقتصادية ، وبذلك أصبحت حركة النهضة هي الحاكمة بأمرها وما الحكومة إلا أداة تنفيذ لقرارات رئيس الحركة ، والغريب هنا أنها تجاوزت أساليب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل باعتبار أن رئيسه كان هو رئيس الدولة ويمارس صلاحياته وفق ذلك في حين  أصبح رئيس حركة النهضة هو الحاكم بأمره وهو خارج إطار الدولة ؟؟؟  هذا من الجانب السياسي للمشهد ، أما من الجانب العملي والميداني فقد بسطت حركة النهضة على مستوى الشارع ذراعها تحت مسمى " رابطات حماية الثورة" التي وصفها السيد راشد الغنوشي بكونها " ضمير الثورة"لإرهاب النشاط السياسي والنقابي المعارض لتوجهاتها ، وأحسبها تنتهج الأنموذج الإيراني في تركيزه لهيكل الحرس الثوري ، غير أنه فات قيادة حركة النهضة أن الثورة الإيرانية كانت لها قيادتها وهياكلها ولجانها الثورية وبرنامجها البديل الواضح للمعالم والتوجه في إقامة الدولة الإسلامية ومن الطبيعي أن توكل مهمة حماية الثورة إلى المؤسسة المذكورة باعتبارها من مؤسسات الدولة ، في حين نصبت حركة النهضة نفسها وصيا على الثورة وأحدثت ميليشيا تحت المسمى المذكور تحت غطاء العمل الجمعياتي لترهب بها منافسيها السياسيين ومن يخالفها من مكونات المجتمع المدني ، ولتجعل منها أمنا موازيا لمؤسسة الدولة المؤهلة لذلك ، وإن حجتها بكون هذه الرابطات تتشكل من مختلف فئات الشعب الاجتماعية والسياسية ، فهذا مردود عليها باعتبار أن جل مكونات المجتمع المدني والسياسي يعارضها ويطالب بحلها مما يعني أن تركيبتها نهضوية بحتة، بل عززته بتوظيف مجموعة من الأئمة الخطباء ليخرجوا على الناس بخطاب تحريضي لفائدتها بحجة أنه من حقهم ممارسة العمل السياسي ، نعم لهم الحق في ذلك، لكن ليس بعباءة الدين للتأثير على العامة من " أصحاب إيمان العجائز"، ولعل إغتيال الشهيد شكري بلعيد كان نتيجة تحريض بعض الأئمة الذين أفتوا بإهدار دمه والدعوة إلى قتله أليس هذا بغريب؟ أقول " كلمة حق يراد بها باطل"   كما أطلت علينا النهضة من خلال كتلتها بالمجلس التأسيسي بمشروع قانون إقصائي تحت مسمى " قانون تحصين الثورة" لإقصاء منافسيها من الحياة السياسية، وهي بذلك تسعى لتسليط عقاب جماعي منافي للأخلاق والمواثيق الدولية  وللنص القرآني لقوله تعالى " ولا تزر وازرة وزر أخرى"،واعتداء  صارخ على السلطة القضائية،  هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فهي تريد مصادرة سيادة الشعب من خلال صندوق الاقتراع بحرمانه من حقه في عقاب من يستحق العقاب ، وذلك بحجة ما ورد على ألسنة بعض نوابها ومن والاهم ، من كونهم يخشون عودة أزلام النظام السابق إلى المناصب القيادية بالبلاد ويعني هذا أنهم يستبلهون الشعب ولا يثقون في مدى وعيه السياسي وأقول " رب عذر أقبح من ذنب" ، إن ثورتنا كانت عفوية وحولتها حركة النهضة إلى ثورة ملعونة.  لقد فشلت حكومة الترويكا فشلا ذريعا ، ليس في تحقيق أهداف الثورة فحسب ، بل فشلت حتى في المحافظة على الحد الأدنى مما كنا عليه قبل الثورة وإنجازها الوحيد الذي يحسب لها أنها نجحت في تشويه صورة تونس في الخارج وجعلت منها مصدرا للإرهاب الدولي وأضرت بسيادة البلاد بتبعيتها لدولة قطر كما خيبت آمال التونسيين في  ثورتهم التي أصبحت ثورة الإعصار   العربي الذي لا يبقي ولا يذر......

                                                                                                                     توفيق الزرقي 

 

 


https://www.facebook.com/SocieteCivileVirtuelle


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • الامير الشهابي | 2013-02-17

    الاخ الغالي توفيق

    أتابع الأحداث في تونس  والحقيقه اقول

    لوعاد البوعزيزي للحياه لأحرق نفسه مرة أخرى من القرف الذي  تشهده نونس بعد أن نصبت النهضه نفسها ولية أمر الشعب

    فهنيئا للغنوشى أنه تتلمذ في بريطانيا  دولة العهر الأستعماري  ليصبح زعميا وطنيا  وتخرج بمرتبة  الشرف في العماله  كما تتلمذ مرسي

    في أمريكا والخميني في باريس والجلبي وأمثاله في واشنطن ..وكلهن خانو الأمه وتبردعوا بالدين ولبسو لبوس الواعظين ..لكن الشعوب

    ستسحلهم هذه المره وتدوسهم بأقدامها بإذن الله وبشر القاتل بالقتل ..

    • توفيق الزرقي | 2013-02-18
      أخي العزيز الأمير  الشهابي
      ما كان لله دام واتصل وما كان لغير  الله انقطع وانفصل
      أدعياء الدين من نصبوا أنفسهم أوصياء على الدين وجعلوا منه تجارة للمناصب والمنفعة الشخصية ، والدين منهم براء
      أغرقوا البلاد في دوامة من الاحتقان والعنف
      قسموا الشعب وقطعوا أوصال المجتمع
      اغتالوا المحبة وطاردوا التسامح والإخاء   
      حسبنا الله ونعم الوكيل
      شكرا أخي على الإطلالة      

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق