]]>
خواطر :
خيبة أمل ، عندما يكتشف الإنسان أنه في محيط تحت خط الصفر ، لا يستطيع الغوص أو السباحة فيه...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . فلا تكتُمُنَّ اللهَ ما في نُفوسكم ليَخفَى ومهما يُكتَمِ اللهُ يَعلَمِ يُؤخَّرْ فيُوضَعْ في كتابٍ فيدَّخَرْ ليوم الحسابِ أو يُعَجَّلْ فيُنقَمِ (زهير بن أبي سلمى   (طيف امرأه) . 

قصة الحيزبون* من مجموعة بدل تالف

بواسطة: د صديق الحكيم  |  بتاريخ: 2013-02-17 ، الوقت: 07:33:31
  • تقييم المقالة:
قصة الحيزبون* من مجموعة بدل تالف بقلم صديق الحكيم  

أعجوبة بل أعجـب
كل اللغز بل هي أصعب
هي عقرب هي ثعلب
هي لبوة هي أرنـب
أو حية ملساء ناعمة
الأديم وتـعـطـب
أو من كلام الليـل
يمحوه النهار فيذهب

خالد الفرج**

كانت أم شلبى  تسكن في حارة عطارد المتفرعة من شارع السبع بنات المتجه من الجنوب الغربى لمدينة الأسكندرية حيث كوبرى التاريخ الى الشمال الشرقى  حيث ميدان المنشية

وقد اشترى محمود عريس ابنتها سلوى شبكة ذهب عيار واحد وعشرين  بمبلغ عشرين ألف جنيه  ، وبديهي أن شبكة بهذا السعر لم تعد اليوم شبكة جديرة بالحديث عنها، مع ذلك فقد أصرت أم شلبى على أن تقيم وليمة  تدعو إليها بعض  أقاربها وصديقاتها بمناسبة شراء الشبكة.

لم تكن وليمة بمعناها الحقيقي ولكنها دعت المقربين  فقط من أفراد العائلة  والصديقات لتناول زجاجة بيبسى وقطعة جاتوه، وكما تخمنون فقد كنت إحدي المدعوات ، ولأن الضيافة كانت بمناسبة شراء شبكة العروس  فقد كان أغلب الحديث يدور حول الزواج ونصائح من السيدات ذوات الخبرة للعروس التى جلست وسط صديقاتها فى ركن من الغرفة الكبرى بالبيت  وجلس  الجميع على الأرض المفروشة بالسجاد المحلى القديم

وكانت أم شلبى وزوجها حامد وابنها شلبى يطوفون على ضيوفهم

واحداً واحداً في الغرفة الكبيرة ويوضحون  لهم و يكررون نفس العبارات:

- لقد اضطررنا لشراء هذه الشبكة ،ولم ننتظر لأن العريس كان متعجلا يريد أن يلبس الشبكة قبل موعد السفر للسعودية لأنه حجزتذاكر الطيران

والا كنا انتظرنا طقم الدهب اللازوردى كنا متفقين عليه مع الصايغ فى شارع فرنسا

وعندما ذهبنا لشراء الشبكة لم نجد الطقم أبو خمسين ألف جنيه  ، لأنه للأسف الشديد تم بيعه فى اليوم السابق لذهابنا .

 في ذات الوقت الذي كان تتحدث فيه أم شلبى أمام الحاضرين  عن ثروتهم وأرضهم وعزوتهم فى البلد علي ضفاف النيل الخالد بما لا يتناسب مع  شراء شبكة بعشرين ألف جنيه  فجأة دخلت العروس مستعجلة وهمست في أذن أمها.

بهدوء نقلت أم شلبى ما سمعته من ابنتها لزوجها وابنها  فاصفرت وجوههم و بعد دقيقة، أو دقيقتين خرج ثلاثتهم مهرولين للخارج ،

فشعرت أن شيئا هاما قد حدث، ولأن شلبى كان جالسا بجواري وتربطني به علاقة طيبة فهوفي عمرابني ورفيقه في الدراسة فملت إليه واستفسرت منه عما حدث لأم شلبي وزوجها وابنتهما، قرب رأسه مني وقال:لا أشعر بالكلفة تجاهك ياعمتي ولا أراعي المجاملات، لقد قال أبي وأمي للجميع أننا اشترينا شبكة أختى سلوى بعشرين ألف جنيه  في حين أننا اشترينها بأرخص من هذا الثمن بكثير، وكانت جدتى سعدية حاضرة معنا ونحن نشترى الشبكة

و قد عرفت بالسعر الحقيقي وسوف تفضحهم بكل تأكيد، والآن علم الجميع أنها على قمة الحارة وسوف تصل إلى هنا بعد لحظات، وهذا هو سبب استياء والدي ووالدتي وهرولة الجميع ليكونوا في شرف استقبالها

سألت شلبى .

 ـ أليس من الممكن أن يرجوها من أجل حفيدتها بأن....... ولم يمهلنى شلبى حتى أنهى جملتى فرد على .

ـ أنتي  لا تعرفين أخلاق الجدة سعدية ،إنها لا تعير أدنى اهتمام لهذا الكلام المسمي خواطر وعواطف، و ما أن عرفت أننا أخفينا السعر الحقيقي للشبكة  فجاءت لتعلنه على روؤس الأشهاد...

في هذه الأثناء فتح الباب ودخلت الجدة سعدية ،  عمرها  حوالي سبعين و سنة ونيف، تمسك عصا خشبية بكلتا يديها ،احدودب ظهرها لكنها مازالت نشيطة وتترك انطباعا بالذكاء، وفمها يبدو بلا أسنان، وكانت تضع خماراً أبيض على رأسها، و بعد أن ألقت السلام والتحيات الحارة على الجميع و تقبيل أكثر الحضور من السيدات والفتيات جلست مباشرة علي المائدة وبدأت في الأكل و بفم مملوء عاتبت أم شلبي على عدم توجيه الدعوة لها مما اضطرها للحضور من تلقاء نفسها، و قد بهت وجه أم شلبى وصار أصفرا كالكركم.

قالت الجدة سعدية:

كان عليكم أن تدعوني قبل أي شخص آخر لأنني جدة العروس وكنت معاكم  أثناء شراء الشبكة وأعرف البير وغطاه .

قبل أن تكمل عبارتها قاطعتها أم شلبى وسلوى، قالتا معا: لماذا لا تتفضلي بتناول الحلويات؟

كانت أم شلبى وابنتهاسلوى قلقتان بل ومرعوبتين من كشف المستورلذا فقد وجهتا كل الاهتمام والعناية للجدة سعدية الثرثارة التي كانت تلوي عنق كل حديث ليتحول إلى حديث حول الشبكة . حتى أنها قالت دون مناسبة بفم مملوء بالأكل:

 -إن شبكة بهذا السعر...

 ارتبكت ام شلبى إلى حد أنها لم تجد الفرصة لمقاطعتها فراحت تصفق وتزغرد:

ألف مبروك إن شاء الله، ألف مبروك.

فسألت الجدة سعدية بتعجب :علام التهليل؟تبادلت أم شلبى وزوجها النظرات للحظة ثم قالت أم شلبى:

ألم تعلمي ياجدتى  العزيزة أنه عن قريب سيكون حفل خطوبة  سلوى؟!
انصرفت الجدة سعدية عن طرح قضية ثمن الشبكة مؤقتا ولكن اهتمام أم شلبى وزوجها لم يعد منصبا علي الضيوف وإنما على الجدة سعدية  فقط وخوفهم من أن تتفوه بالسعر الحقيقي للشبكة ، خصوصا وأنها تعود لهذا الموضوع بين عبارة وأخرى،

بعد لحظات خطرت فكرة في رأس أم شلبى  التي همست بها في أذن زوجها ثم قالت للجدة سعدية:

-بالمناسبة يا جدتى أعتقد أنك لم تشاهدي جهاز سلوى ..

لقد اشترينا النجف والسجاد وجميع المفروشات .

- ولحسن حظك ياجدة سعدية

سلوى صنعت طبق مهلبية بالمكسرات من اللى بتحبيها

-نعم يا جدتى ، إنها باردة  الآن أيضا واذا أحببت أن تأخذى معك طبق آخر فلا مانع من ذلك.

وبعد جهد جهيد أقنعوا الجدة  بالذهاب إلى الدور الثانى  ومشاهدة جهازسلوى والاستمتاع بأكل المهلبية

حينما خرجت  الجدة من الغرفة تنفس المضيفون الصعداء، وعادت أجواء الضيافة إلى حالتها الطبيعية،

وغرقت في بحر من التفكير.

إن هذا المرض الاجتماعى لا يقتصرفقط على أم شلبى وعائلتها،فمرض التجمل والتفاخر الفارغ أو كمايقال بالعامية (الفشخرة الكدابة ) ينبعان من مكان آخر، فهو مرتبط بعار الفقر الذي لا مثيل له في كل مكان في العالم بالمقارنة عما هو عليه هنا بين الناس الطيبين  فى حوارى بحرى . لما تتميز به من طابع فلكلوري خاص، حيث المباني التراثية التي كانت السبب في إطلاق اسم «المدينة التركية» على هذا الجزء من الإسكندرية، وما تحتويه من مساجد تعطي النفحة السكندرية، وأشهرها: المرسي أبو العباس، والبوصيري، وياقوت العرش، والفاسي.

 إن بعض  الناس يعتبرون الفقر عارا بحيث أنهم مستعدون لتحمل ألف نوع من الشقاء من أجل التستر على فقرهم لئلا يطلع عليه أحد، أما الذين يملكون الثروة والمال، فإنهم يتباهون ويتفاخرون بهما  إلى أكبر حد وكأنهم اكتشفوا الفيمتو ثانية مع أحمد زويل

لقد حدث عدة مرات أن كنت مع صديقات لي و فرّغت محتويات جيبي أمام شخص ثالث كي أبين أنه خاو من النقود، فيحمر وجه صديقتي خجلا بدلا مني وتلومني بشدة على ما تراه من وجهة نظرها فضيحة،

 كما للمرة الألف أرى شخصا يشتري سلعة ما ويجمع جميع أفراد عائلته موصيا إياهم أن يذكروا ثمنا مضاعفا للسلعة أثناء حديثهم مع الآخرين

لقد توسطت قبل أيام لصبي تعرض للضرب من قبل والدته. لأنه قال وبحضور الآخرين أنه تناول طعاما كان عبارة عن رز بلبن.

قالت لي صديقة آخري وخوفا من ابنها لسان الثرثار أنها قد علّمت ابنها ابن الثلاثة سنوات أسماء غير صحيحة لأنواع الطعام، فأطلق على  أكلات الفقراء مثل العدس  والبصارة  أسماء الدجاج المشوى والكفتة  ، فان سأله أحد ما ماذا تناولت اليوم يجيب عليه الطفل  فورا أكلنا اليوم الدجاج المشوي ويكونوا فى الحقيقة أكلهم العدس .

وقد تعرض هذا الصبي المسكين هو الآخر للضرب من قبل أمه  لأنه قال ذات مرة أثناء حديثه مع اطفال آخرين أنه  شرب الدجاج المشوي بالمعلقة 

قطع صوت الجدة سعدية المزعج المنبعث من الدور الثانى سلسلة أفكاري، كانت تطلب سلوى  أن تساعدها في حمل  طبق المهلبية بالمكسرات الذى أخذته نظير سكوتها المؤقت (رشوة الصمت) ،

 بعد نصف ساعة من استئناف أم شلبى وزوجها  التباهي والتفاخر بالشبكة  الذهبية ، نزلت الجدة سعدية من الدور الثانى وقد بدا على وجها السرور وارتسمت على شفتيها ابتسامة مصطنعة  قد أخذت للتو من كل ما لذ وطاب نظير السكوت في هذه الليلة، فأقنعوها رغما عنها بأنها تريد العودة إلى البيت، قفز أبوشلبى  من مكانه ليهيأ لها سيارة أجرة،

أما أم شلبى وابنتها  فلم يتركا موضوعا تافها إلا وتطرقتا إليه كي لا يعطيا الجدة سعدية فرصة للحديث اذ أن ذلك سيعني التطرق لثمن الشبكة ، تحدثا لها عن الأخبار القديمة في الصحف وحوادث تصادم السيارات و الانتحار وما شابه من مواضيع لم تكن هناك أي مناسبة للتطرق إليها، حينما حضرت سيارة الأجرة ودعوا الجدة بالتحية والسلام ،تنفس المضيفون الصعداء، ومسح أبو شلبى قطرات العرق الغزير التي رشحت من جبينه.

لكن فجأة ومن خارج البيت  نادت الجدة سعدية : أم شلبى ، فتحت أم شلبى نافذة الغرفة المطلة علي الحارة.

صرخت الجدة بصوت عال، عزيزتي أم شلبى لا تبحثوا عن علبة الجاتوه التى كانت  في  الثلاجة فقد أخذتها ،

ردت عليها أم شلبى بصوت عالى يسمعها الجميع بالهنا والشفا

وأردفت بهمس: بالسم الهارى

-اشتروا واحدة تانية من أجل الضيوف

- نعم يا جدتى سوف أرسل شلبى الان  ليشتري أخري مع السلامة

- نعم يا عزيزتي، إن علبة الجاتوه لا تكلف سوى عشرين جنيها ، اعتبروا هذا المبلغ مضافا الى المائة جنيه المبلغ الذي دفعتموه لشراء طقم الدهب الصينى  وانطلق بها التاكسي وهي تقهقه وأم شلبي تكاد تموت من الغيظ

 

3 مايو2011

على شاطىء الخليج العربى كورنيش الخبر

 

*الحيزبون :امرأة عجوز داهية أو امرأة عجوز سيئة الخلق

 


قصة الحيزبون* من مجموعة بدل تالف


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق