]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قصة جسر الذكريات من مجموعة بدل تالف

بواسطة: د صديق الحكيم  |  بتاريخ: 2013-02-16 ، الوقت: 16:52:11
  • تقييم المقالة:

 

قصة جسر الذكريات من مجموعة بدل تالف بقلم د/صديق الحكيم  

(كثيرا ما ننتظر الحظ ولكنه يعاندنا وأسوأالحظوظ في دنيا البشر ألا يزورنا الحب أو يأتي في الزمن الخطأ أو يجيء بعد فواتالأوان..

و إن الحب لا يعرف الزمن أنه زائر عزيز يدق أبواب قلوبنا بلا ميعاد ولا نملك غير أن نكون في شرف استقباله..)

                                                     الشاعر الكبير فاروق جويدة

 

انتهي بها المطاف بعد مشوارها الطويلالذي قطعته علي قدميها وحيدة إلي هنا حيث هذا المكان المفضل لديها علي هذا الجسر الحديدي العتيق الذي يربط بين مدينتي سان فرنسيسكو وأوكلاند علي الساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية المطل علي المحيط المسمي الهادي علي الرغم أمواجه العاتية ومايصحبها من عواصف مدمرة

 

جاءت أماني يعقوب من أقصي مدينة بيركلي بولاية كاليفورنيا لتغسل أحزانها علي هذا الجسر وهي تنظر إلي جزيرة الكنز المفقود الساكنة أسفل الجسر والتي تحيط بها  مياه خليج سان فرانسيسكوالهادئة دوما والهادرة أحياناً تماما مثل الأحزان التي تحيط  بقلب أماني من كل مكان

 

ماأروع ما كتب فاروق جويدة (لا يستطيع الإنسان أن يستعيد لحظة حب فرت من بين يديه.. نستطيع أن نسترجع أحزاننا.. ونستطيع أن نعيش لحظات الذكري ولكن لحظة الحب شيء يختلف.. يمكن أن تعيش الذكري مع نفسك وأن يزورك الحزن وحيدا.. ولكن لحظة الحب يرسمها قلبان وليس قلبا واحدا وإذا ضاعت منك أخذتك إلي ساحة الذكري وهي حق مشروع لك وحدك نحن نملك ذكرياتنا ولكننا لا نملك أن نعيش وحدنا لحظة حب..)

جاءت إلي الجسروفي جعبتها ذكريات أربعة عقود من الزمان  قضت نصفها الأول أو مايزيد في مدينتها الأسكندرية بمصر ونصفها الثاني أو أقل بقليل  في أمريكا

وفي الجعبة وجدت نوعين من الذكريات ما هو سارومفرح تريد أن تستبقيه في جعبتها طول العمرحتي يجلب لها الحظ السعيد ويزيح عنها الحزن ومنها ماهو مؤلم ومحزن تريد التخلص منه وطرحه في مياه الخليج النائمة علي ساحل جزيرة الكنزالمفقود لتعود بعد ذلك إلي مسكنها الأنيق علي أطراف مدينة بيركلي وقد تخلصت إلي الأبد من الأحزان التي تشغل جزء كبير من جعبتها

 

ويمر شريط الذكريات أمام عيني أماني منذ أن ولدت في بيت جدها لأمها المطل علي منطقة ميدان المساجد في الميناء الشرقي بمنطقة بحري، فهي منطقة روحانية بامتياز، وفيها يقبع أكبر مساجد الإسكندرية وأشهرها على الإطلاق مسجد أبو العباس المرسي، وأيضاً مسجد الإمام البوصيري، ومسجد ياقوت العرش، والمساجد الثلاثة تقع على مقربة من شاطئ البحر،في هذا المكان قضت طفولتها المبكرة  تحت رعاية جدها وجدتها لأمها لتملء الفراغ الذي تركه خالها الذي سافر إلي أمريكا وهو الذي بذر في عقلها الصغير بذرة السفر ونمت هذه البذرة وأورقت عندما كانت تشاهد صور الخال المسافروتسمع حديث عن أمريكا من خلال خطاباته التي يقرأها الجد علي الجدة

ثم انتقلت الطفلة أماني ذات الأعوام الستة من ميدان المساجد إلي بيت أبويها بحي باكوس الشعبي استعدادا لدخول مدرسة الرمل الثانوية للبنات بأول شارع ابن مرزوق بحي سابا باشا  الراقي لتتخرج فيها وهي فتاة غضة ذات السبعة عشر ربيعاً

مرور بأجمل أربع سنوات في عمرها بكلية الزراعة  حتي جاءت إلي أمريكا لأول مرة مع زوجها وصارت باحثة يشار لها بالبنان في واحد من أكبر مراكز الأبحاث بولاية كاليفورنيا ليس ببعيد عن مركز كالتك الشهير الذي يعمل به العالم المصري أحمد زويل صاحب نوبل في الكمياء

 

فتحت أماني جعبتها المكتظة بالتجارب الحياتية التي عايشتها علي مدار عمرها الأربعيني وأخرجت منها أكبر تجربتين في حياتها ملفوفتين في غطاء أحمر داكن يُشبه إلي حدما هدايا بابانويل في ليلة عيد الميلاد وكلا اللفافتين من النوع الذي ستلقي به أماني في مياه الخليج

 

 اللُفافة الأُولي  وبها ذكريات عن  قلب أحب ولم يبلغ منتهاه

 ذكريات مشاعر جياشة وعاطفة نبيلة وكلمات هيام وغرام وفورة أحاسيس وثورة رومانسية وردية حالمة بدأت مع سنوات المراهقة الأولي وامتدت حتي مابعد التخرج في كلية الزراعة جمعتها مع فتي أحلامها الأول والأخير جمال أسعد أحلي أيام العمر وأجمل الليالي المرصعة بالأحلام الوردية

 

كان حلمها الأول منذ الطفولة هو السفر لأمريكا حيث الحرية والانطلاق بعيدا عن التقاليد والأعراف المحافظة وهو ماكان يحلم به جمال أيضا واستمرت الأحلام الوردية تداعب خيال الحالمين أماني وجمال طيلة سبع سنوات حتي أشرقت شمس الحقيقة المؤلمة وسطع نور النهار المزعج للحالمين

 

حاولا أن يُتوجا أحلامهما بالزواج ليكملا المشوار معا في بلاد الأحلام ولكن هيهات فمع بزوغ أشعة الشمس بعد الليل الحالم ظهرت العوائق والموانع والحواجز نعم في صورة  التقاليد والأعراف والاعتقاد

أهل أماني يرفضون تماما أن ترتبط ابنتهم بشاب مسيحي وكيف يصير ذلك وهي الفتاة المسلمة  التي نشأت في أسرة محافظة يحرم دينها هذا الارتباط ويمنعه وإن كان يجيز جواز المسلم من مسيحية

 

 لم يستسلم جمال للموانع الدينية ولا للأعراف والتقاليد البالية  من وجهة نظره بل حاول بكل ماأوتي من قوة وجهد فحاول أن يتحايل علي تلك العوائق بشتي السبل  فذهب يطلب المساعدة من القسيس حنا بطرس في كنيسة القديسين بسيدي بشروكان كثيرا ما يقصده ويتردد عليه ليبث إليه أحزانه ويشاركه همومه فوعده القسيس بالمساعدة  في أن يتم زواجهما بسرعة وسرية تامة برعايته الشخصية وفوق ذلك وعده أن يوفر لهما تأشيرة الدخول إلي أرض الحرية حيث تتحقق لهما كل الأحلام الوردية ويتركا حياة الموانع والعوائق والحواجز

تلك الحياة التي تسيطر عليها تقاليد وأعراف تجهض الأحلام وتكبت الحرية وتقتل الحب

 

لكن أماني بعد تفكير عميق وصراع طويل بين قلبها الصغير الذي يحلم بالحب والحرية وعقلها الذي تحيط به الأفكار المحافظة توصلت إلي القرار الذي رأته أنه الصواب فهي في نهاية الأمر لاتستطيع أن تقتلع جذورها من أرض الأسرة المحافظة لتهرب من أجل حلمها الوردي الذي يتحقق علي حساب عقيدتها نعم هي ترنو وتشتاق ويهفو فؤادها لتحقيق حلم السفر إلي أمريكا لكن التضحية من أجل رؤية هذا الحلم حقيقة  ستكون فادحة فقطعت عن اختيار منها كل وشائج الوصال مع فتي أحلامها الأول جمال وقدر لها أن تبتعد عنه للأبد

 

وتنتهي قصة الحب الأولي في حياتها بلازوج من فتي أحلامها الأول وبلا سفر كما حلمت من قبل وما أتبع ذلك  من أعراض انسحاب لهذا الحب تماما مثل تلك الأعراض التي تعقب الإقلاع عن الإدمان مثل القلق والاكتئاب والكرب والإعراض عن مباهج الدنيا وملذات الحياة

ولكن سرعان مازالت الأعراض ودارت عجلة الحياة التي نظن أنها ستتوقف عن تعرضنا لحادث جلل من فقد حبيب أو موت عزيز

فتحت أماني اللفافة وأخرجت هذه الذكري الحزينة وجعلتها في قبضتها اليمني وطوحتها في الهواء ثلاث مرات ثم رمت بها علي طول ذراعها في مياه الخليج فأحدثت  عند ارتطامها بسطح الماء صوتا يشبه صوت كرة النار التي تغمس في الماء لكن سرعان ما عادت مياه الخليج للسكون وأتبع ذلك هدوء داخلي وراحة نفسية شعرت بهما أماني لأول مرة منذ خاضت تلك التجربة المثيرة التي واجهتها في مقتبل عمرها فخرجت منها بتصميم أكثر علي تحقيق حلم السفر إلي بلد الأحلام سواء كان السفر بحب أو بلاحب

اللفافة الثانية ذكريات جسد بلا قلب

راقها كثيراً ذلك الشعور اللذيذ والمثيرالذي انتابها والسعادة التي ألمت بها والبهجة التي ملأت نفسها عندما نجحت في التخلص من اللفافة الأولي وماتحويه من ذكريات حب أجهضته العوائق ووخنقته الموانع فانتهي بلازواج

وها هي الآن تستعد لتكرار اللعبة مع اللفافة الثانية والتي هي أكبر حجما من اللفافة الأولي لأنه بمعيار الزمن فقد تكونت اللفافة الأولي في سبع سنوات سمان بالأحلام الوردية أما اللفافة الثانية فقد كونتها سبع سنوات عجاف من الحب أنجبت خلالها صبياً ثم تلاها سبع  سنوات سمان بالحرمان حتي انتهت بسنة بلاحب وزواج خرج علي المعاش مبكراً لأن الزوج بلغ سن اليأس وأي حياة تلك التي يمكن أن تُعاش بلا مشاعر بلا عواطف بلا تفاعل بلا أحاسيس ماذا يمكن أن تسمي هذه الحياة إنها حياة بلاطعم ولالون ولا رائحة .

 

بعد تلك السنة الفاصلة رحل الزوج ماديا وإن كان قد رحل معنويا قبل ذلك بسنوات وبقيت أماني تتذكر ذلك الحلم الوردي الذي تحقق علي يد زوجها-العريس اللقطة من وجهة نظر الجميع- الذي أنهي كل أمور الزواج في شهر واحد أثناء أجازته الذي عاد فيها من أمريكا ليحقق هدف وحيد وهو أن يكمل نصف دينه بالزواج من فتاة أي فتاة شريطة أن تكون من أسرة محافظة دون اعتداد بعاطفة يسمح لها أن تنمو علي مهل

هو يريد زواجاً علي عجل يزهرويثمر علي أرضه الود والتفاهم فيما بعد فالأمربالنسبة له أولوية ملحة  فقد مضي عهده وولي زمانه فالحب كما يظن لعبة المراهقين وقد فات أوان اللعب  فقطار العمر يتحرك نحو محطة الخمسين.

أماهي فقد قبلت الصفقة- تبادل المنافع - لتحقق حلمها القديم ولتخرج من تجربتها الأولي التي تركت آثار سيئة في نفسها وقلبها صحيح أن العريس متقدم عليها في العلم والمال والسن أيضا لكنه بلا شك يفي بالغرض الأول من الزواج (الصفقة) بالنسبة لها ألا وهو السفر إلي أمريكا.

تذكرت أماني تلك الليالي الطويلة الباردة التي قضتها هنا في هذه المدينة و عند جسر الخليج وقبالة جزيرة الكنزالمفقود تحاول أن تستنبت الحب في قلب زوجها عوضا عن حبيبها المفقود لكن لم تجد من قلب الزوج سوي أرض قاحلة لاينمو فيها الحب ولايزهر بها الودا فلم يكن لها من بد إلا التذرع بالصبر الجميل وإفراغ طاقتها في العمل حتي تستكمل حلمها وإن كان حلمها القديم قد تغير لونه من اللون الوردي إلي ألوان أخري متدرجة من الفاتح إلي الداكن حتي وصل أخيرا إلي اللون الرمادي.

 وتسألت ماذا بقي من الحلم الوردي الذي حلمت به منذ طفولتها وسعت لتحقيقه عن طريق الحب فلم يفلح الأمرسوي عن طريق المقايضة بين بين حلمها وجسدها وإن كانت المقايضة قدتمت تحت غطاء الزواج ؟

 لم يبقي إلا الابن اليافع الذي يشبه أبيه الراحل وذكريات كثيرة وضعتها بين قبضتيها وأسقطتها بهدوء حزين وهي تسند ساعديها علي السور الحديدي لجسر خليج سان فرانسيسكو وتنظر لعنان السماء تدعو وتتضرع لعل الله يغفر لها ماكان من حب ضل الطريق وحلم ثمنه الجسد

وتستجيب السماء لها فيتوالي في الأفق ضوء البرق و صوت الرعد ثم تنزل حبات المطر علي وجهها الحزين فترتسم علي قسماته البسمة والبشري بقبول الدعاء والتضرع وعلامة ذلك سقوط المطر الذي غسل عذابات عمرها المنصرم وأعاد إليها السكينة وصلاح البال والإصرار علي الحلم والحب معا فلا حياة بلا حب ولا حياة بلاحلم فهما بحق الكنز المفقود في حياتنا


قصة جسر الذكريات من مجموعة بدل تالف


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق