]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كلام في الازدواج اللغوي

بواسطة: abdelali  |  بتاريخ: 2013-02-14 ، الوقت: 21:30:35
  • تقييم المقالة:

 

كــلام في الازدواج اللغوي

 

                                                            عبد العالي احمامو

 

          يمزج الإنسان الحروف ببعضها ليُكَون كلمات يبغي عبرها التواصل مع غيره، وغالبا ما يلجأ المتكلم إلى أسهل العبارات والمفردات والجمل، فيقدم الفاعل تارة والمفعول تارة أخرى، أو يكتفي بالفعل فقط أو بالإيماء والإشارة في أحايين كثيرة.

         ولا يخفى عنا اليوم ما أصبح يثار عن العربية الفصحى  في علاقتها باللهجات والدوارج والنوعيات اللغوية المتشعبة عنها، وإن كان الموضوع قديما قدم اللغة نفسها، إلا أن العناية همت الفصحى لعدة دوافع يحتل الجانب الديني فيها الريادة لغرض الاهتمام بالنص المقدس عند المسلمين العرب، وحفظ العربية الفصحى من الدخيل والمعرب واللحن والخطأ، معتمدين في ذلك على ما جادت به قريحة شعراء الجاهلية وفصاحة لسانهم، فكان الشعر الجاهلي ديوان العرب ودليلا على سلامة اللسان، بالرغم من أن ما وصلنا يؤكد أن الكثير من هذا الشعر تم تجاهله وعدم الاهتمام به ودراسته لحضور اللحن فيه، أو لاعتماد الشعراء لهجاتهم في الكثير من القصائد.

         وكما يعلم الجميع فالقرآن الكريم يحظى باهتمام واسع خاصة من لدن المسلمين، ويقدسونه  ويحافظون عليه، الشيء الذي ساهم في أن تستمد اللغة العربية قداستها من النص القرآني، وكما نعلم فللعربية مستويات تنقسم بين الفصيح، والبين بين، والعامي أو الدارج. وقد وصلتنا دراسات تثبت حضور اللهجات العربية في القرآن الكريم، دون أن ننسى الدور الذي لعبه اختلاط لغة قريش بلهجات القبائل المجاورة لها، والموقع الاقتصادي والديني لقريش، في التأثر بغير العرب والتأثير فيهم، فأخذوا منهم وأعطوهم، مثل ما نعيش في عصرنا، وإن تفاوتت درجة التأثير والتأثر، والدليل على ذلك نسبة الألفاظ العربية الأصل التي نجدها في اللغة الفرنسية، ومع ذلك لم يُعْتَبر الدخيل بالنسبة للفرنسي خطرا يهدد لغته القومية.

         ولعل الحديث عن الفصحى واللهجات يستدعي منا الوقوف بعض الشيء عند الإعلام، باعتباره صورة للواقع اللغوي التي تعيشه العربية، على اعتبار الجهود المبذولة للحفاظ على استعمال الفصحى في أغلب البرامج والخطابات، خاصة في القنوات التلفزيونية، وإن طغى على لغة الإعلام مستوى البين بين، الذي يرقى عن العامية ويقترب من الفصحى، حيث تبدو خاصية فقدان الإعراب حاضرة ولو في النصوص المكتوبة.

         وكما نلاحظ، فغالبا ما ينزاح المذيع أو منشط / مقدم البرنامج عن الفصحى ويستعمل لهجته بمجرد الخروج عن النص المكتوب المعد سالفا لقراءته، أو أثناء الدخول في حوار مع أحد الضيوف.

         وقد نحتاج إلى طرح سؤال يفيدنا في معرفة أهمية الحديث بالفصحى عوض اللهجات في الإعلام، حيث الإجابات تتعدد وتختلف، وأهم ما أثارني هو ما تطرقت إليه بعض البرامج الإذاعية عن علاقة اللغة العربية  بالإعلام، فأكد المتدخلون علاقة الحفاظ على الذوق السليم والرقي به  للمستمع والمشاهد باستعمال العربية الفصحى، خاصة فئة الشباب التي تحتاج إلى الحفاظ على قوميتها العربية اللغوية، وإن كانت فئة الشباب ترغب أكثر في التطرق إلى مواضيع تهمها وتمس حياتها اليومية ومشاكلها، ولو اقتضى الحال استعمال العربية المحلية أو النوعيات اللغوية المتفرعة عنها، مادام النقاش يعالج صلب مشاكل الشباب، لأن في الأخير يبقى الهدف طريقة إثارة الموضوع وكيفية مناقشته وطرق معالجته. أما في الاتجاه الآخر، فقد أصبحنا في الآونة الأخيرة نلقى محطات إذاعية غزت بيوتنا، وغزت معها ضحكات المذيعين والمقدمين، إذ متى أردت الاستماع إلى هذه المحطات تقابلك ضحكاتهم، وإن كان ذلك بدون سبب، وقد نفهم من ذلك رغبتهم إماطة اللثام على صورة المذيع النمطية التي رُسِمت في ذهن المستمع، حيث منشط البرنامج ببذلته وربطة العنق مقيدا إلى أوراق يتلوها ولا يُسْمح له بالخروج عن النص مطلقا. إلا أن ما يحتاجه الشباب ليس لضحكات المذيع ولكن لما يقدمه وما يعالجه. إذ ذاك يمكن لنا أن نقول بأن ما يقدمه الإعلام موجه للشباب، ولا حاجة لنا بمن يتحكم في أذواقنا، مادام كلٌ مسئول عن كيفية الرقي والحفاظ على ذوقه.

         ولكي نهرب قليلا من ضحكات المذيعين، أعاود طرح تساؤل شغل بال اللغويين العرب حول الفصحى واللهجات؛ متى استعمل العرب الفصحى في معاملاتهم وحياتهم اليومية؟ ومتى توقفوا عن ذلك؟ ومتى عوضت اللهجاتُ الفصحى في الأسواق والمحلات والبيوت؟...وإن كانت الإجابة تبدو صعبة صعوبة الإجابة عن من الأسبق: الفصحى أم اللهجات؟.

كما أنه لا بأس من الحديث عن الجانب الديني وكيفية معالجته إعلاميا وتربويا، حيث نجد علاقة الفصحى بالمواضيع الدينية وطيدة، وكأنه لا يجوز أن نتكلم في أمور الدين إلا بالفصحى، وهنا يمكن أن نتكلم عن دور اللهجات في تقريب التعاليم الدينية، وكيفية أداء تلك الشعائر، خاصة إذ ما وقفنا عند مدى صحة قيامنا بالتعاليم الدينية والعقائد والعبادات، أو مدى إدراكنا أمورنا الدينيةبما في ذلك الصلاة والصوم والزواج والطلاق... وإن كنا أصبحنا نرى بعض المشايخ والدعاة من الدول الشقيقة سارعت لتبني اللهجات المحلية في البرامج التلفزيونية والإذاعية، فإننا في المغرب، مازلنا نرى تباين المواقف بين مؤيد لاستعمال العربية المغربية في المجال الديني، وبين متمسك بالفصحى في التفسير والشرح، ولعل مبررهم في ذلك يكمن في قدسية الدين الذي يحتاج إلى لغة مقدسة وراقية للتطرق إليه. وارتباطا بنسبة الأمية في مغربنا وكذا الخلط الذي يسقط فيه البعض في تطبيق بعض تعاليم الدين الإسلامي ولو داخل فئة المثقفين والمتعلمين، فلا حرج في الاستعانة بالعربية المغربية في تبسيط تعاليم ديننا الحنيف، وسيكون الأجر أجران، أجر التعليم والتفسير وأجر من عمل وصحح ما يقوم به.

ونجد أيضا مجال التعليم والتدريس متأثرا بعلاقة الفصحى والعربية المغربية، ما دام أن للغة علاقات متشعبة في مختلف المجالات، ورب باحث وغيور على الشعب المغربي يُنسب فَشَل التعليم والمنظومة التعليمية إلى استعمال اللهجة وعدم الاعتماد على الفصحى داخل مؤسساتنا وفصولها، وبين التلاميذ وأساتذتهم، ولأن ضوء الشمس لا يحجبه الغربال، فالمنظومة التعليمية بالمغرب فاشلة ببرامجها وبطرق تدريسها، ناهيك عن البنية التحتية التي لا تساعد على الامتلاء المعرفي أو اللغوي، وإن كان التلميذ، في كثير من اللحظات، يسعى إلى تفجير طاقاته وليس إلا الامتلاء فقط.

     ومما لاشك فيه أن العربية بمستوياتها تشكل تناغما وتناسقا وتكاملا في الأدوار، ولن تشكل اللهجات أي خطر على الفصحى ما دامت هذه الأخيرة تم توثيقها وصيانتها، وأكثر من ذلك، قُدسَت على اعتبار لغة القرآن التي جاءت بلسان عربي، وما دام فعل الكتابة والتوثيق وغيره لا يقوم إلا بعربية سليمة وفصيحة، فلا خوف على مكانة الفصحى عند العرب، فالدين والدنيا حافظان لها. إلا أننا في الجهة المقابلة لا يجب أن نبخس اللهجات حقها،  ولا يمكن لنا أن ننسى أن الإبداع الشفهي يركز على اللهجيات العربية، فكم من مثل وحكاية ولغز وشعر شفهي وصل إلينا وتوارثته الأجيال، وصور لنا تاريخ الأمم بآلامها وآمالها، وهذا حال العربية المغربية التي تزخر بالكثير من الأشكال الشفهية، إضافة إلى بعض المجموعات الغنائية التي ساهمت في إثراء العربية المغربية، والحديث هنا عن "ناس الغيوان" و "جيل جيلالة" و "لمشاهب" و"لرصاد"، دون أن ننسى الملحون والغرناطي، أو غيرهما من أشكال الشعر الشعبي الذي  يعتبر مجالا خصبا للدراسات اللسانية واللغوية بالمغرب، خاصة ما أصبح يمنحه هذا المجال من الدراسة والتوثيق بالاعتماد على مناهج وتقنيات حديثة للوصول إلى نتائج تفيد العربية المغربية في علاقتها بالنوعيات اللغوية في المغرب، وفي علاقتها باللهجات العربية، وبالفصحى.

       وإن نجد منا من يعيب على اللهجة قابليتها على استيعاب الألفاظ والكلمات والمصطلحات الدخيلة بشكل بسيط ومرن، فهناك من يرى في الأمر تكاملا في الأدوار بين الفصحى واللهجة، فالأولى تحتفظ لنفسها بالمستوى الراقي، في حين تقوم الثانية بحفظ هذا المستوى للأولى بتبنيها للدخيل ولِلُغيات حسب الأصناف والفئات.

       ويبدو ما اتجه أليه مؤخرا صاحبي فكرة ( سَالْ الطّبِيبْ قْبْلْ لمْجَربْ) لتبسيط المفاهيم الصحية للمغاربة، والتطرق للأمراض وكيفية التعامل معها وطرق علاجها، مستعينان في تقديم ذلك بالعربية المغربية، دليلا واضحا على أهمية هذا المستوى اللغوي في حياتنا اليومية، ومثالا حيا على ما يحتاجه المغاربة في التواصل بينهم داخل الإدارات أو المصحات الخاصة أو في الأسواق والشوارع...، خاصة إذ ما علمنا أنه في كثير من الأحيان تلعب اللغة دورا مهما في اختيار أشكال التطبيب والعلاج في المغرب التي تتنوع بين طب حديث / أكاديمي، وطب شعبي يعتمد محترفوه على العربية المغربية التي تعتبر من بين أهم ركائزه.

       وإذ ما أردنا الحديث عن المناهج المعتمدة في دراسة اللهجات، فقد تعددت حسب رغبة الباحثين  وتوجهاتهم، وقد أدى ظهور علم اللهجات إلى تناول الظواهر اللغوية التي تحدث في لغة من اللغات بسبب اختلاف اللهجات، أو التي يكون اختلاف اللهجات سببا رئيسا فيها، وذلك كالإبدال في اللغة العربية، والفك والإدغام، والهمز، والتسهيل، وقضايا المشترك والمتضاد والمترادف. 

       ويمكن الوقوف عند أبرز المناهج المعتمدة في دراسة الظاهرة اللغوية، حيث ركزت الأعمال الحديثة على المنهج التاريخي والمنهج الإحصائي والمنهج المقارن والوصفي، لما تقدمه من نتائج بعيدا عن العواطف والحماسة والانتقاص من اللهجات مقارنة بالفصحى، دون أن ننسى ما تقدمه هذه المناهج من إجابات عن علاقة اللهجات بالفصحى، أو ما يعرف بالازدواجية اللغوية، وما يترتب عنها في مجال التعليم والإعلام والترجمة والتعريب.

       ويبقى أن أشير في الختام أني ما أبغي من ورقتي هاته إعادة فتح النقاش حول الوضعية اللغوية في المغرب، لأن في ذلك حديث كثير ودراسات عديدة سبق إليها أهل الدراية والاختصاص، ولكن لأجدد الدعوة إلى الاهتمام باللهجات العربية، ودراسة العربية المغربية في تنوعاتها، اعتماد على ما تقدمه لنا المناهج الحديثة، خدمة للغة العربية وتوثيق ما يمكن تدوينه مخافة أن يضيع منا أكثر مما ضاع.

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق