]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بعد الغيبوبة – قصة قصيرة

بواسطة: خالد عبدالله  |  بتاريخ: 2013-02-13 ، الوقت: 11:22:01
  • تقييم المقالة:

سبحان الله .. سبحان الله ، يحي العظام وهي رميم

استيقظ علي تلك الكلمات يرددها من حوله  ، وقد إتشح الجميع بملابس بيضاء حتي ظن أنه إنتقل إلي جنة الله .

مرت دقائق قليلة حتي إستطاعت عيناه أن تلتقت رؤية واضحة يسجل بها نظرات الذهول والحركة العشوائية المرتبكة التي أصابت كل من حوله ، وبالكاد إستطاع أن يسمع بعض الكلمات التي تناثرت لتذكره بأنه طريح الفراش إثر حادثة وقعت له عندما كان مسافراً ، حاول جاهداً أن يتشبث بملابس الطبيب الذي وقف بجواره يراجع بعض الأوراق ، ووجد صعوبة بالغة في خروج الكلمات من حلقه وكأن أحداً يمنعه ولكنه حارب هذا الإحساس حتي تمكن من ترديد بعض العبارات " أنا فين ؟ " " إيه إللي حصل ؟ " ، رد عليه الطبيب بإبتسامة إنت بخير .. حمد لله علي السلامة ، إنت معانا هنا منذ فترة طويلة بعد تعرضك لحادث علي الطريق الصحراوي وقد كنت في غيبوبة وكدنا نفقد الأمل في نجاتك لولا رحمة الله وثقة أهلك وحبهم لك .. حمد لله علي السلامة .

حاول النهوض بصعوبة وهو يقول : أنا عايز أروح ولادي وحشوني ، ولكن منعه الطبيب برفق وهو يقول له : حالاً سيأتي أهلك فقد إتصلنا بهم .

ما هي إلا دقائق وإنفلق باب الغرفة ليندفع من خلاله صَبية جميلة وسيدة وبعض الرجال ، إجتهد منتصر في محاولة تمييز أشكالهم فقد ظن أن الفتاة هي إبنته ولكنه يعتقد أن ملامحها مختلفة ، وهذه السيدة هي زوجته فقد أكدت له هذا عندما إحتضنته ، وإنخرط الجميع بما فيهم أخوته وأخوان زوجته من الرجال في بكاء لم يفهم منتصر سببه إلا بعد أن قالت له زوجته هذه إبنتك هُدي ولكنها كبرت فقد مضي سنتين منذ الحادثة وأصبحت آنسة كبيرة ، تسمرت نظرات منتصر وهو يقول " سنتين " إزاي ؟! ، لقد أبلغني الطبيب أنني قد أُصبت في حادثة ، فهل أنا نائم منذ سنتين ؟ ، أجابته زوجته والدموع تنساب من مقلتيها بإيمائة حنونة " نعم منذ سنتين وأنت في غيبوبة كاملة " .
وأين مروان إبني أريد أن أطمئن عليه ... تبادل الحاضرين النظرات ثم قال له أخيه سوف تراه عندما تخرج بالسلامة .

مرت أيام قليلة وجاء وقت الخروج ، وحضر الأقارب لإصطحاب منتصر في زفة من المستشفي وحتي منزله ، وأثناء إنتظار منتصر لأقاربه بالردهة فوجيء بتدافع الناس نحوه وهجوم بعض المجرمين ممسكين بأسلحة بيضاء ، وشاهد بعضهم يُمسك بأسلحة نارية ولكنه كَذب عينيه ، وقبل أن يسأل ماذا يحدث فوجيء بإطلاق أعيرة نارية في الهواء إضطر علي أثرها أن ينبطح بجوار الأطباء والعاملين علي الأرض ، وبعد فترة تبين له أن هناك مصاب يحاول الأطباء علاجه ولكن هناك بعض البلطجية يرفضون حدوث هذا في محاولة لقتله فجميعهم مسجلون خطر وقعت بينهم مشاجرة ويحاول أنصار المصاب الدفاع عنه وإرغام الأطباء علي علاجه بينما يرفض الآخرون .. صاح منتصر مستغيثاً بأحد أن يُبلغ الشرطة حتي تتدخل وتُنهي هذه المهزلة ، فبادر الطبيب بوضع يده علي فمه محذراً أن يسمعه أحد فيصيبه مكروه ، وتركه وسط ذهوله مما يحدث وجري مسرعاً في محاولة للهروب ، وما هي إلا لحظات حتي حضر أحد أقاربه ليصطحبه إلي الخارج وبينما يحاول منتصر شرح ما يحدث بادره قائلاً : وإحنا مالنا دول بلطجية مع بعض .. ده أنا إستأذنت منهم بالعافية علشان أدخل أجيبك .. أسكت بقي !!!!

ركب منتصر السيارة وهو في ذهول تام وسط ترحيب الأهل وقبلات الجميع ، أخذت السيارة طريقها وسط أكوام القمامة المُلقاه والمكدسة بجوار أسوار المستشفي ، وهو فارغ فاهه ولا ينطق إلا بكلمة واحدة " هو فيه إيه ؟ " " هو حصل إيه ؟ " ... وسريعاً تذكر أنه لم يربط حزام الأمان فسارع بربطه ، ولكن أخبره أخيه أنه لا يوجد مبرر لهذا فالطريق مزدحم ولا توجد شرطة أساساً ، إخترقت السيارة طريقها بصعوبة في وسط المدينة بين عربات الباعة الجائلين محاولة أن تتفادي تجاوزات مثيلاتها وجمهور المشاة ، وقد أحاطت بها الموتسيكلات الغير مُرخصة حتي أنه ضحك قائلاً " كل دول علشان يزفوني " ، وفي ظهور مفاجيء ومتكرر لهذا الإبن الغير شرعي لوسائل المواصلات والذي يدعي بالتوك توك من وقت لآخر في رحلة هي الأقرب إلي المغامرة منها إلي قيادة سيارة في الطريق العام  ... صرخ منتصر فجأة قائلاً : توقف هنا فوراً .. لن أتحرك إلا بعد أن تقولوا لي ماذا يحدث ؟ وذلك بعد أن إقترب أحد الشباب من السيارة مخاطباً أخيه ممكن منديل يا ذوق ؟
حاولت زوجته تهدئته وبالقرب من أحد الكافيتريات نزل الجميع وجلسوا مع منتصر في محاولة لتهدئته وشرح ما يحدث من متغيرات في الشارع المصري .

قالت زوجته في هدوء لقد قامت مصر بثورة ضد الفساد والحكم الظالم يوم 25 يناير 2010 بعد إصابتك في الحادث بثلاثة أيام ، وكانت من تداعيات الثورة إرغام النظام السابق وتقديمه للمحاكمة ، وحدثت مناوءات كثيرة من هنا وهناك .. قاطعها منتصر أجل مثل تلك التي قامت بتونس ؟ ، أجابته : نعم ، ثم أكملت قائلة : إختفي جهاز الشرطة تماماً في أول أيام الثورة بعد أن فشل في إحباطها ، وهرب العديد من المساجين والمسجلين ، وسادت الفوضي وأستشهد العديد من الشباب ، ولكن تصدت لكل المخالفات جموع اللجان الشعبية من رجال وشباب ونساء مصر الشرفاء ، وتولت القوات المسلحة أمور البلاد وتدريجياً بدأت في إعادة جهاز الشرطة للعمل ، وتم إنتخاب مجلسي الشعب والشوري ، ثم رئيس جديد للبلاد ، ولجان لعمل دستور جديد ، ومحاولات مستميتة لإبقاء مصر علي خريطة العالم ، ومحاولات أكثر من مستحيلة لإعادتها تسير علي قضبان الحياة وسط ضباب وعواصف وأمطار ما أنزل الله بها من سلطان .
قاطعها منتصر قائلاً : هو فين مروان ده واحشني قوي ؟!
أجهشت الزوجة في البكاء فجأة وبدون مقدمات وفي هستيرية قالت له .... لقد مات مروان
سقط منتصر راكعاً أمام زوجته في ذهول وهو يقول .. إنت بتقولي إيه ؟! إنت بتقولي إيه ؟!
لقد توفي إبننا في بورسعيد عندما كان يشاهد مباراة لفريق الأهلي وبورسعيد مع من قُتلوا من زملائه المشجعين .
تحجرت الدموع في عيون منتصر ووقف علي قدميه وخرج يمشي وسط الطريق بدون هدف ، حاول الجميع إعادته ولكن دون جدوي أو إستجابة ، وإقترح أخوه أن يتركوه لينفرد بنفسه قليلاً ، علي أن يتبعه أحدهم من بعيد .
ظل منتصر يمشي طوال اليوم وينتقل من مكان لأخر حتي إستقر به الحال علي ضفاف نهر النيل وهناك تنبه لوجود صديق عمره يتبعه عن قرب ... جري منتصر إليه وأحتضنه وهو يجهش في البكاء مردداً " إبني مات يا رمزي إبني مات ... مصر خلاص مصر راحت "

مر الليل ثقيلاً بارداً في صمت وغموض وتسلل عليه ضوء الفجر ليسمح لصوت المؤذن بأن يعلو مكبراً ومعلناً عن صلاة الفجر ، ويعلن عن ميلاد يوم جديد من الأيام التي لا تنتمي إلي شيء وليس لها أصل أو تاريخ وإنما هو يوم كغيره أكثر ما يمكن قوله عنه أنه قد حصل علي إسم حتي يمكن وضعه وسط باقي الأيام .

خالد عبدالله – في 1/11/2012


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق