]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فقه القول

بواسطة: عبدالحميد الهلالي  |  بتاريخ: 2013-02-12 ، الوقت: 17:28:27
  • تقييم المقالة:

 

لم يعد خافيًا على أهل العلم والمعرفة أن اللغة هي الحياة، وأن المجتمع الذي يتكلم لغة صحيحة مجتمع حي، والذي لا يجيدها ميت، وأن قوة المجتمع - بمفهومها الشامل - تحددها قوة اللغة؛ ومعناها الاستخدام الصحيح المبني على صحة القواعد النحوية وصحة التراكيب اللفظيه.

إن الوقوف علي المدلولات والمعاني الدقيقة والصحيحة للألفاظ والمصطلحات فيما يعرف بفقه الكلمة - وليس المعني السطحي أو الدارج الذي يشوه الأفكار ويجعل البناء عليها بناء فاسدًا، ولا المعنى الاصطلاحي الذي يُستخدم فيما هو مستحدث وفي مجالات بعينها – صار أمرًا ضروري لسهولة التواصل بين الناس خاصة أصحاب الرسالات من المعلمين والدعاة والإعلاميين ممن يتولون عمليه تعليم الناس وتثقيفهم، ويُبرز ذلك أهمية اللغة في حياة المجتمعات، وكلما كان استخدام المجتمع للغته استخدامًا صحيحًا كانت لغته قوية، وقويت كل مقوماته؛ ومن المعروف إن إجادة أي نشاط إنساني مرهون بإجادة صاحبه للغته حتي قيل أنك لن تجيد لغة أخري ما لم تُجد لغتك الأصلية. ويتجلى هذا الفهم واضحا في ممارسات الإعلام لسعة المساحة التي يلتقي فيه الإعلاميون بالجماهير من أجهزة الإعلام المختلفة - مسموعة ومقروءة ومرئية - وأول شئ يلفت النظر هو اختيار رؤس الموضوعات وعناوين المقالات لأنها تعبرعن صحة الربط بين محتوى الموضوع أو الرسالة المطلوب توصيلها وبين العنوان، بحيث لا يكون العنوان منفصلا عن المحتوى في دلالته؛ وفي ذلك أروي واقعتين حدثتا يظهران صحة هذا الرأي. أولها حدثت لفضيلة المرحوم الشيخ الشعراوي رضي الله عنه عندما دُعي لإلقاء محاضرة في جامعة القاهره بعنوان "تربية الشباب" وذلك في عهد الدكتور صوفي أبو طالب، وأول ما بدأ به الشيخ وضح لهم أن العنوان خاطئ لأن الشباب لا يُربى، إنما يُعلّم لأنه تخطى مرحلة التربية، وهي سابقة على طور الشباب، وأن الشباب يُعلّم ولا يُربي. أما الواقعة الأخرى حدثت في أحد الفضائيات لأحد المذيعين "رئيس القناة حاليا" في اللقاءات التي كان يجمع فيها بين الشباب وبعض الزوار من الأساتذة والمتخصصين، واختار عنوان اللقاء "أيهما أولي التفكير التدبيري أم التفكير التفويضي"، ولم يكن ذلك العنوان دقيقًا لأن التفكير والتدبير مترادفان، فالتفكير عام والتدبير خاص، وكلاهما عمل العقل أما التفويض ذلك عمل القلب  - ولا علاقة له بالعقل - يحكمه المكوِّن العقدي للإنسان.

 لقد أصبح استخدام بعض من يعرفون بالمثقفين والنخب للغة ركيكة أمراً مقززاً، ويبدو أن هذا مقصود لتسويق بضاعتهم الفاسدة من الأفكار ومن الألفاظ والمصطلحات التي استطاع الغرب بآلته الإعلامية الضخمة أن يحسن تسويقها في مجتمعنا مستعينا بمجموعة تربت في تربته وتشبعت بثقافته واستضاءت بناره، وأن يملأ الساحة الثقافيه بمجموعة من المصطلحات التي هزت كيان ثقافتنا الأصيلة ذات القيم السامية والعقيدة الطاهرة ( مثل مصطلح المرأة والإرهاب والتنوير ... إلخ).

إننا نعيش كما قال أحد كبار المفكرين ما يعرف بحرب المصطلحات، وهو استخدام المصطلح بمعنى غير معناه الأصلي، وفي غير مكانه، وإلباسه معنى غير معناه وناهيك عن البناء عليه الذي يعطي فكرا فاسدا مغلوطا كما فعل الغرب معنا بمصطلح "الإرهاب" الذي جعله سيفا مسلطا علي رقابنا يستحلّ به كل ثرواتنا وأرضنا وقيمنا.

إن هذا كله مرهون بقضية التعليم لأنه لا وجود للغة صحيحة إلا بتعليم صحيح، فلقد رأيت أحد العلماء المصريين والمعدودين عالميا والذي لا نعلم عنه شيئا في الداخل واسمه الدكتور رشدي راشد، مدير معهد العلوم النظرية بباريس يقول: "لن يُصلح التعليم إلا بتوطين اللغة"؛ أي يكون التعليم باللغة الوطنيه في جميع المجالات ووقف التعليم باللغات الأجنبية حرصا علي قوة اللغة وسيادتها، فلا توجد دولة متقدمة تُعلِّم بلغة غير لغتها.

 نختم بالقصة القرآنية الرائعة قصة ذو القرنين، عندما اختتم مسيرته مع القوم الذين يعيشون بين السدين عندما خاطبوه أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدا؟ تُرى بماذا أجابهم؟ أجابهم أن ما طلبوه "ردما وليس سدا"، ولذلك وُصِفوا بأنهم لا يكادون يفقهون قولًا. تُري من يكون هؤلاء القوم؟ سوف أترك للقاريء استنباط ذلك.

والله ولي التوفيق

عبد الحميد الهلالي


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق