]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الناس بين العلم والجهل

بواسطة: عبدالحميد الهلالي  |  بتاريخ: 2013-02-12 ، الوقت: 16:53:50
  • تقييم المقالة:

 

هل كنت تحاور أحدًا ذات مرة واكتشفت جهله بما يدور الحوار حوله، فواجهته بقولك: "أنت جاهل بهذا الأمر". طبعًا سيقيم الدنيا ولا يقعدها، وقد يصل به الأمر إلى سبك، أو من الجائز ضربك، وذلك دون محاولة منه لتبين صدق مقولتك من عدمه، وسوف تسد مسارات العقل لديه، وينقلب الحوار إلي جدل عقيم، لا طائل من ورائه.

لماذا يحدث كل هذا؟ هل لأن الكلمة - أعني كلمة "الجاهل" - كلمة فظة غليظة خشنة جارحة، يجب استبدالها بما هو أخف على النفس؛ نحو: لقد غاب عنك كذا، أو هناك معلومات أخرى حول الموضوع، وهكذا عملا بالحكمة القائلة: "إن الحقائق مُرّة، فالتمسوا لها خفة البيان"، وكذلك "إن النصح ثقيل، فلا ترسله جبلا، ولا تجعله جدلا"؛
أم أن هناك أمر آخر - يتعلق بعدم معرفة الإنسان بحقائق الأشياء - وهو أن الجهل في الإنسان أمر طبيعي إذا قيس علمه بعلم غيره الذي هو أعلم منه، حتى نصل في نهاية الأمر إلى قمم التخصص في كل علمٍ أو فن، وبين هذه القمم من يفوقهم جميعًا والذي يعتبر مرجعية في هذا الأمر، ويعتبر الإنسان في كل هذا جاهل بالنسبة لمن هو فوقه في المرتبة، ونصل في النهاية إلي النسبة الكبرى: وهو جهل البشرية جميعها منسوبة إلي علم الله، ولننظر إلي قوله عز من قائل: " وفوق كل ذي علم عليم" وقوله تبارك وتعالى "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا".

 

إذن فالبشرية جميعها - من لدن آدم حتي قيام الساعة - جهلها محقق منسوبة إلى علم الله، ورضي الله عنه الإمام النفري حين قال: "مالم يصل بك علمك إلى الجهل فإنه مهلكك"؛ أي: إذا افتتنت أو أُعجبت بما تحمل من علم فلتنظر إلى علم الله، علماً بأن أن الجهل ليس هو عدم العلم.

ينبغي لنا أن نُعرِّف العلم حتى نستطيع أن نفرق بينه وبين الجهل، فما يقال له علم هو: "النسبة الواقعة المجزوم بصحتها وعليها دليل"، فإذا كانت غير واقعة فذلك الجهل، وإذا كانت راجحة فذلك ظن، وإذا كانت مرجوحة فذلك وهم، وإذا كانت في الوسط كانت شكًا، فهذه نسب المعرفة الخمسة.


والعلم مقابله الأمية، فالأمية هي ألا تعلم، أما الجهل هو أن تعلم شئ غير حقيقي وغير واقع، ومقابله المعرفة وهي التحقق من الشئ وانفعال الملكات والحواس به، وقد سئل الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه: "من العالم؟ قال من يضع الشيء مواضعه. قيل له: فمن الجاهل؟ قال قد أجبت". أي هو الذي لا يضع الشيء مواضعه؛ ولذا فالتعامل مع الجهل أو الجاهل أمر صعب لأنه من المستحيل أن تقنعه بشئ ومعه مقابله، فأنت محتاج أولًا أن تُخرج منه الخطأ، ثم تُدخل مكانه الصواب، كما قال بذلك الراحل فضيلة الشيخ الشعراوي رضي الله عنه؛ وها هو الإمام الشافعي يقول: "لو جادلني ألف عالم لغلبتهم، ولو جادلني جاهل لغلبني"؛ والجاحظ حين يقول: "لا يأمننك شر الجاهل قرابة ولا جوار"؛ فصحبة الجاهل محفوفة بالمخاطر دائما حيث يريد أن ينفعك فيضرك.

وفي هذا المقام لابد أن نذكر حديث الأحنف بن قيس وما رواه عن الخليل بن أحمد فهو الأكثر بيانًا والأوضح في تقسيم البشر بين العلم والجهل حيث قال: "الناس أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري وذلك عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري وذلك نائم فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لايدري وذلك متعلم فعلموه، ورجل لايدري ولا يدري أنه لايدري وذلك جاهل فأنبذوه". ففي تواصلنا اليومي داخل المجتمع نقابل هذه النوعيات الأربع، وعلينا أن نتعلم كيف نتعامل مع كل نوعية، ونعطيها حقها في التعامل، فنعطي للعالم قدره من التقدير والاحترام، وللمتعلم من الرحمة والمحبة، وللغافل من النصيحة، وللجاهل من الحذر والحرص علي تجنب الوقوع معه في الجدل الغير مثمر والذي يوصل إلي طريق مسدود، وقد حذّر الحكماء والعلماء من الجاهل، وهذا هو الحديث النبوي الذي رواه الديلمي من حديث أنس قوله صلي الله عليه وسلم " ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم"، وقول الإمام علي - رضي الله عنه - في التحذير من النصيحة للجاهل بقوله: "إياكم والنصيحة للعامة"، وقال أبو طفيل عامر بن واثلة: كان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على المنبر فقال: لا تسألوني عن آية من كتاب الله أو سنة ماضية إلا قلت، فقام إليه ابن الكواء فسأله عن هذه، فقال: ما الذاريات؟ قال؟ الرياح، والحاملات؟ قال: السحاب، والجاريات؟ قال: السفن، والمقسمات؟ قال: الملائكة، ثم قال له سل سؤال تعلّم ولا تسأل سؤال تعنّت. (والتعنت في الأصل هو التشديد وهو التعجيز وهو إدخال المشقة والأذى والضيق علي الغير). وقالوا: "صحبة العاقل في لجج البحار وأهوال القفار ألذ من صحبة الجاهل بين جنات وأنهار وألوان أطعمة وثمار" واحذر من صحبة الجاهل، فهو لا يقودك لأمر هو خير لك؛ صحبة الجاهل شؤم.

اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا واجعل علمنا وعاية ورعاية لا علم رواية، فرواة العلم كثير ورعاته قليل.

والله ولي التوفيق


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق