]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الرجل القرآني ...فناء الجسد وبقاء الفكرة

بواسطة: د صديق الحكيم  |  بتاريخ: 2013-02-12 ، الوقت: 13:45:55
  • تقييم المقالة:

 

 الرجل القرآني ...فناء الجسد وبقاء الفكرة

بقلم د/صديق الحكيم

في ذكري اغتيال الأستاذ حسن البنا أجد أنه من الوفاء لهذا الرجل العظيم أن نسوق هنا شهادات عن الرجل ولعل أروع شهادة قرأتها عن الرجل هي شهادة الصحفي الأمريكي روبير جاكسون وتكمن أهمية هذه الشهادة في عدة أمور أهمها أن الرجل غربي وصحفي يبحث عن الحقيقة وغير متأثر سلبا أوإيجابا بالرجل لذا فشهادته غير مجروحة وهنا سأذكر بعض الفقرات من شهادة جاكسون التي كتبها في كتابه (حسن البنا ... الرجل القرآني)

يقول جاكسون لقد لفت هذا الرجل نظري بصورته الفذة عندما كنت أزورالقاهرة بعد أن التقيت بطائفة من الزعماء المصريين ورؤساء الأحزاب . خلاب المظهر. دقيق العبارة . بالرغم من أنه لا يعرف لغة أجنبية . لقد حاول أتباعه الذين كانوايترجمون بيني وبينه أن يصوروا لي أهداف هذه الدعوة وأفاضوا في الحديث علي صورة لمتقنعني ، وظل الرجل صامتا . حتى إذا بدت له الحيرة في وجهي قال لهم قولوا له : هلقرأت عن محمد ؟ قلت : نعم . قال : هل عرفت ما دعا إليه وصنعه ؟ قلت : نعم . قال هذاهو ما نريده . وكان في هذه الكلمات القليلة ما أغناني عن الكثير . لفت نظري إلي هذاالرجل سمته البسيط ، ومظهر العادي وثقته التي لا حد لها بنفسه ، وإيمانه العجيببفكرته. كنت أتوقع أن يجيءاليوم الذي يسيطر فيه هذا الرجل علي الزعامة الشعبية لا في مصر وحدها ، بل في الشرقكله.

ثم يردف جاكسون سافرت من مصر بعد أن حصلت علي تقارير وافية عن الرجلوتاريخه ، وأهدافه وحياته ، وقارنت بينه وبين محمد عبده وجمال الأفغاني ، والمهديوالسنوسي ، ومحمد بن عبد الوهاب . فوصل بي البحث إلي أنه قد أفاد من تجارب هؤلاءجميعا وتفادي ما وقعوا فيه من أخطاء . ومن أمثلة ذلك أنه جمع بين وسيلتين متعارضتينجري علي إحداهما الأفغاني وارتضي الأخرى محمد عبده . كان الأفغاني يري الإصلاح عنطريق الحكم ، ويراه محمد عبده عن طريق التربية .. وقد استطاع حسن البنا أن يدمجالوسيلتين ، ووصل إلي ما لم يصلا إليه ، لقد جمع صفوة المثقفين من الطبقاتوالثقافات المختلفة إلي مذهب موحد وهدف موحد.


وويلخص جاكسون نظرته للرجل القرآني بقوله : يري البنا  أن قاعدة الإسلام الأساسية هي ( لا ضرر ولا ضرار ) ويؤمن بسدالذرائع وإعطاء الوسائل أحكام المقاصد والغايات .. وجملة القول في الرجل القرآني: إنه يفهم الإسلام فهما واضحا سهلا يسيرا كما جاء في حديثه معي ، علي الطريقة التيفهم بها محمد صلي الله عليه وسلم الإسلام ، إنه قريب في نظري من أبي حنيفة الذي أصرعلي رفض القضاء ، ومالك الذي أفتى في البيعة وابن حنبل الذي أريد علي هوى فلم يرد. وأجد حسن البنا قد حرر نفسه من مغريات المجد الناقص ومفاتن النجاح المبتور ومثل هذاالتحرر في نظر إمرسون هو غاية البطولة ؛ ولذلك فلم يكن عجيبا أن يقضي الرجل علي هذهالصورة العجيبة فكان فيها كشأنه دائما ، غير مسبوق . كان الناس يرونه غريبا في محيطالزعماء ، بطابعه وطبيعته

وأخيرا يصف جاكسون المشهد الأخير من حياة الرجل القرآني بقوله

فلما مات كان غريبا غاية الغرابة في موتهودفنه ، فلم يصل عليه في المسجد غير والده وحملت جثمانه النساء ، ولم يمش خلف موكبهأحد من هؤلاء الأتباع الذين كانوا يملئون الدنيا لسبب بسيط هو أنهم كانوا وراءالأسوار . لقد نقل الرجل بعد أن أسلم الروح إلي بيته في جوف الليل ومنع أهل البيتمن إعلان الفاجعة ، وغسله والده ، وخيم علي القاهرة تلك الليلة كابوس مزعج كئيب ،ولقد كان خليقا بمن سلك مسلك أبي حنيفة ومالك وابن حنبل وابن تيمية مواجهة للظلمومعارضة للباطل .. أن تختتم حياته علي هذه الصورة الفريدة المروعة ، التي من أيجانب ذهبت تستعرضها ، وجدتها عجيبة مدهشة إنه كان يدهش الأجيال بختام حياته ، إنالألوف المؤلفة قد سارت في ركب الذين صنع لهم الشرق بطولات زائفة ، أفلا يكون حسنالبنا قد رفض هذا التقليد الذي لا يتم علي غير النفاق  إن هناك فارقا أزليا بين الذين خدعوا التاريخ والذيننصحوا لله ولرسوله .. إن هذا الختام العجيب سيظل مدي الأجيال يوقد في نفوس رجالالفكر النور والضياء ، ويبعث في قلوب الذين آمنوا معه ما بعثه الحق في نفوس أهلهحتى يمكنوا له.


إن مقتله شبيه بمقتل الحسين ، إنهاالعوامل المختلفة التي تجمعت لوضع حد للفكرة الحية التي كانت تندفع إلي الأمام.. كالإعصار . وحين حلّ ( القضاء ) أنفذ ( القدر ) حكمه . إن الأمر الذي أسأل عنه فلاأجد له جوابا:

هل هناك علاقة ما بين الإسلام كما كان يفهمه حسن البناويدعو إليه وبين نهايته ؟ إن كثيرين يدعون إلي الإسلام ويحملون اسمه ، فهل هناكخلاف جوهري بين ما كان يدعو إليه حسن البنا وما يدعو إليه هؤلاء ؟ لأني لا أعرفالإجابة الصحيحة أدع ذلك للتاريخ.

كانت هذه شهادة الصحفي الأمريكي عن الرجل القرآني ولقد مات الرجل منذ مايربوا علي ستة عقود ولكن بقية الفكرة متألقة متوجهة رغم كل ما قابلت في طريقها الطويل ورغم أن محن الاستضعاف قد ولت إلا أن محنة الحكم أشد من محنة الاستضعاف ... رحم الله البنا


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق