]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الإتراف العقلي والشأن الدعوي

بواسطة: عبدالحميد الهلالي  |  بتاريخ: 2013-02-10 ، الوقت: 09:59:03
  • تقييم المقالة:

 

طلب العلم شهوة عظيمة تترف العقل وتحقق هوى النفس، وقد حذر سادتنا من ذلك حتى لا ندخل في الذين يقولون مالا يفعلون، وخير دليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نسأل الله علماً نافعاً، ونتعوذ به من علم لا ينفع، فقال فيما رواه عنه جابر بن عبد الله رضي الله عنه: "سلوا الله علماً نافعاً، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع" رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهم، وكان صلى الله عليه وسلم يعلمنا الدعاء بذلك فيقول: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" رواه مسلم.


هناك فرق كبير بين تعلم العلم ونشر العلم، وبين تعلم العلم وممارسة الدعوة بهذا العلم، وفي هذا نرى أن المنهج النبوي هو أن نُعلّم الناس علي قدر ما تتحمل عقولهم، قال أبو هريرة: "حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين من العلم، فأما أحدهما فقد بثثته وأما الآخر لو بثثته لقطع هذا الحلقوم" والتحقيق أن ما يتعلق بالشريعة عام تبليغه، وما يتعلق بالمعرفة والحقيقة خاص، ولكل منهما أهله، فهو كالأمانة عند المبلغ يلزم دفعها إلى أربابها (تفسير حقي وتفسير روح البيان)، وقد بين ذلك حديث النبي صلي الله وسلم عليه وآله وصحبه عن أبي ذرّ - رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عليه وسَلَّم"أطَّتِ السَّماء وحقَّ لها أن تئطَّ ما فيها موضِع أَربَعِ أَصابع إلَّا وفيه مَلك ساجد للهِ تعالى، واللَّهِ لو تعلمونَ ما أَعلم لضحِكْتم قليلا وَلَبكيتم كثيراً وما تلذَّذْتم بالنِّساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدَاتِ تجأَرونَ إلى اللَّه تعالى» رواه التِّرمذي وقال : حديثٌ حسنٌ، فأما قوله: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولَبكَيتم كثيرا"؛ في الصَّحيحَين من حديث أَنس، وفي هذا الحديث خير دليل أننا لم نتعلم من النبي صلي الله عليه وسلم إلا بالقدر الذي أُُمر بتبليغه وأن هناك من العلم مالا نطيقه ولا نقدر على حمله، وقول أبوهريرة السابق يدل علي أن هناك من العلم ما تعلّمه خواص الصحابة الذين كان لديهم استشرافا للفهم ونقله عنهم تابعيهم، وقال البخارى: قال علي رضى الله عنه: حَدَّثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يُكذّب الله ورسوله؟ ونقل السفارينى فى كتابه "غذاء الألباب عن كتاب الآداب الكبرى" أن شعبة قال: أتاني الأعمش وأنا أحدث قوماً، فقال: ويحك، تعلق اللؤلؤ فى أعناق الخنازير؟ قيل للإمام أحمد رضى الله عنه: ما معنى قوله؟ قال: لا ينبغي أن يحدث من لا يستأهل، وقد قال عيسى ابن مريم عليه السلام: للحكمة أهل، فإن وضعتها في غير أهلها ضيعت، وإن منعتها من أهلها ضيعت. وقال عليه السلام: لا تطرح اللؤلؤ إلى الخنزير، فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئا، ولا تعط الحكمة من لا يريدها، فإن الحكمة خير من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شر من الخنزير. وقال مالك: ذُلُّ وإهانة للعلم أن تتكلم به عند من يضيعه، ومن كلام الإمام الشافعى رضى الله عنه:

أأنثر درا بين سارحة النـَّــعم * أأنـظــم منـثور الراعـية الغنم

إلى أن قال:

فمن منح الجهال علما أضـاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظـلم


فالعلم كالسيف إن أعطيته لتقيٍّ، قاتل به فى سبيل الله، وإن ألقيته لشقي قطع به الطريق وأضل عباد الله، وهذا مستثنى من عموم قوله صلى الله عليه و سلم "من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" رواه أصحاب السنن إلا النسائى ورواه ابن حبان فى صحيحه والبيهقى، وقد كان مشايخنا رضي الله عنهم يحذرون تلاميذهم من قراءة كتب القوم مثل الفتوحات المكية لابن عربي والمخاطبات للنفري والإحياء للغزالي وغيرها، حتى لا يصابوا بالإحباط لما يجدونه من علو هممهم وعدم استطاعتهم اللحاق بهم، وفي الصحيحين أنّ ابن عباس رضي الله عنهما قال لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: إن الموسم يجمع الرعاع والغوغاء، فأمهل حتى تقدم المدينة فتخلص بأهل الفقه، فقدمنا المدينة، فقبل عمر مشورة ابن عباس فلم يتكلم بذلك حتى قدم المدينة. قال الإمام ابن الجوزى: وفى هذا تنبيه على ألا يودع العلم عند غير أهله، ولا يحدث به قليل الفهم وما لا يحتمله فهمه، والرعاع السفلة والغوغاء ونحو ذلك، وأصل الغوغاء صغار الجراد،
وسأل ابن المبارك سفيان الثوري بمكة عن الغوغاء فقال: الذين يكتبون الأحاديث يريدون أن يتأكلوا أموال الناس،وسأله عن السفلة فقال: الظلمة.

ونخلص من هذا كله إلي الآتي:

1.  تعلم العلم شئ ونشره بين الناس شئ آخر، وأن ذلك يحدث فتنة بين الناس. 2.تراث الإسلام من العلم أكبر من أن يحيط به فرد أو جماعة وأن متانة الدين قررها رسول الله صلي الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: "ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"، ولم يجتمع لأحد خلق النبي، ولكن الصحابة رضوان الله عليم أخذوا من النبي، صلي الله عليه وسلم، كل على قدر طاقته. 3.كل إنسان حر في أن يتعلم ما يشاء فهو المسئول عن العمل به أمام الله، ولكن عليه أن يحذر حال نشره حتى لا يكلف الناس مالا يطيقون 4.لم يكلف المولى عز وجل الإنسانَ مالا يُطيق، وجعل الدين يسر لا عسر، وأي تشديد أو تحبيط ليس من الدين في شئ. 5.ما نراه اليوم في كثير من الفضائيات من لجوء بعض الدعاة من الشباب ممن يقرأون في كتب سادتنا من كبار الأولياء ويحدثون به علي الملأ أمر غير مقبول لما يحدثه من فتن، سواء باعتراض البعض عليه أو إحباط البعض الآخر منه.

نرجو الله سبحانه وتعالي أن يوفقنا أولا للعمل بما نعلم وأن نضع العلم في أهله وأن يخرج من أفواهنا مايرضيه ويرضي رسوله صلي الله عليه وسلم عنا، واللهولي التوفيق.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق