]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فتاوى من الجحيم

بواسطة: محمد ممدوح يوسف  |  بتاريخ: 2013-02-10 ، الوقت: 08:57:49
  • تقييم المقالة:

شعرت بالحنق والاستياء الشديد حين أطلعني أحد زملائي بالعمل على مقالة منسوبة لأحد المشايخ من البلاد العربية ذكر فيها وابلا من الفتاوى والتي نزلت علي كالصاعقة ، و فزعت بشدة وأنا أقرأ تلك الفتاوى والتي أشعرتني أن صاحبها لا يعيش معنا على هذا الكوكب أو أنه يحيا في زمن غير زماننا هذا أو أنه يعتنق إسلاماً غير إسلامنا..

قال هذا الشيخ -هداه الله- أن البنت حين تبلغ سنتين من عمرها فلابد على ولي أمرها أن يأمرها بالنقاب إن خاف عليها من فتنة الرجال ، وقال أيضاً -هداه الله- أن المرأة إذا خلعت كل ملابسها أمام زوجها فإن عقد الزواج يعتبر باطلا ولابد عليهما من تجديد العقد بينهما ، حينئذ اعتصرني الألم بشدة وتوقفت عن القراءة ولا حول ولا قوة إلا بالله..

ولم يمضي سوى يوم أو أقل وخرج علينا شيخاً آخر من مصر حين أفتى بجواز قتل أعضاء جبهة الإنقاذ الوطني المعارضة لحكم الإخوان المسلمين الحالي بمصر..

وإني أتساءل كيف يقضي أحدنا جل عمره ليتعلم أحد الفنون أو العلوم وبعد قضاء أكثر عمره في التعلم نكتشف أنه لم يتعلم شيئا قط  ، بل نكتشف للأسف أنه من الجهلاء حين يقلبون الحقائق ويزيفون النصوص بفهم قاصر يخلو من العمق تماماً ، كيف يتجرأ هؤلاء الناس على الله إلى هذا الحد حين يفتون بتلك الفتاوى والتي خرجت من عقول امتلأت بالجحيم ، عقول مشوهة لا تستطيع أن ترى الجمال ولا أن تفهم معناه ، لقد ذمّ الله سبحانه وتعالى اليهود حين حرفوا كتاب الله المنزل عليهم وذلك ليخدم مصالحهم في الدنيا قال عزّ من قائل "مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ"وقال سبحانه "فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّاذُكِّرُوا بِهِ. ".، والمعنى أنهم لما خالفوا أمر الله ونقضوا عهدهم معه سبحانه نزع الله التقوى والإيمان من قلوبهم فمُلِئت قلوبهم بالقسوة  فتجرئوا على تحريف كلام الله ، روى الإمام الطبري في تفسيره عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال " يحرفون الكلم عن مواضعه يعني حدود الله في التوراة.."، وهل تلك القلوب التي توصلت إلى ذلك النوع من الفتاوى المنحرفة  بأقل قسوة من قلوب هؤلاء الذين حرّفوا كلام الله ، و انظر إلى قول ترجمان القرآن رضي الله عنه حين فسر التحريف بأنه تحريف الحدود عن أصلها التي نزلت به ويحرفون معاني النصوص لتخدم فهماً في عقولهم المشوهة الخالية من الجمال مطلقاً..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا- وأشار إلى وجهه وكفيه.. " ، وقد تكلم بعض أهل العلم في هذا الحديث ولكنهم اتفقوا قاطبة على موضع فيه وهو وقت وجوب الحجاب وهو سن البلوغ في قوله "إذا بلغت المحيض" وهذا المعنى يتسق مع كل أحكام الشريعة والتي أجمع علماء المسلمون أنها تجب بسن البلوغ وقبل ذلك فلا يجب -بمعنى الوجوب الشرعي- على العبد شيئاً منها ، فمن أين جاء هذا الشيخ أن البنت إذا بلغت السنتين يجب عليها النقاب بانياً فتواه السقيمة على شفا جرف هارٍ حين قال "إن خاف ولي أمرها عليها من الفتنة" ، أي فتنة هذه التي يتكلم عنها الشيخ -هداه الله- تصيب فتاة عمرها سنتين ، من قال إن الشرع جاء بنصوصه المقدسة ليمنع أو يحرم رؤية الجمال لفتاة في عمر السنتين ، إن هذا الشخص المريض الذي يفتتن بطفلة في عمر سنتين ليس مقياسا لوضع الأحكام وتحريفها عن أصولها المتفق عليها عند كل علماء الأمة ، إن أحد مقاصد الشريعة العليا هو حفظ العقل وإن هذا النوع من الفتاوى ليهتك عذرية العقل الذي قدسته الشريعة في كل نصوصها ، و إن المجتمع الذي يحتوي على مثل هؤلاء المرضى الذين يقتنون بفتيات في عمر السنتين لابد على كل أفراده أن يتكاتفوا ليعالجون هؤلاء السقيمة عقولهم وقلوبهم ، ولكن دعوا الشرع بنصوصه المقدسة بعيداً عن تلك الترهات السخيفة..

ولم يتوقف عقله -هداه الله- عند هذا الحد ، بل خرج بفتوى أخرى من الجحيم أشد غرابة من أختها ، قال أن المرأة إذا خلعت كل ثيابها أمام زوجها فإن العقد بينهما باطل ولابد عليهما أن يجددا عقد الزواج ، ولا يسعني إلا أن أقول أنه جاء بهذه الفتوى من قلب الجحيم ومحال أن يأتي بها من كتاب الله تعالى أو من أي نص نبوي شريف ، وأحاول هنا على قدر علمي أن أبسط  بعض الأدلة المبطلة لتلك الفتوى المنحرفة  فأقول وبالله التوفيق :

1-روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت"كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَاحِدٍ ، فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ دَعْ لِي ، دَعْ لِي ، قَالَتْ: وَهُمَا جُنُبَانِ"..

2- وعند الترمذي من حديث معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال :قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ ...قَالَ صلى الله عليه وسلم : ( احْفَظْ عَوْرَتَكَ ، إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) ..

3-قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله -وهو من أعلام الحنابلة- في كتابه الماتع المغني ما نصه "ويباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ، ولمسه ، حتى الفرج".اھ.

4- قال سيدنا محمد عرفة الدسوقي في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير -من كتب المالكية المعتمدة- ما نصه " وحلٌ لكلا الزوجين النظر إلى كل جزء من جسد صاحبه حتى الفرج ، وما ورد من أن النظر إلى فرج الزوجة  يورث العمى منكر لا أصل له"..اھ..

5-أنه لم يقل أحدٌ من أئمة الفقه -إن اعتبرنا صحة كلام هذا الشيخ- أن النظر يبطل العقد ولم يقل أحدٌ من العالمين أن من مبطلات عقد الزواج النظر إلى جسد الزوجة عارياً ، والبطلان يحصل بالخلل في الأركان أو شروط الزواج مثل (شروط الصحة ، شروط الانعقاد ، شروط النفاذ ، شروط اللزوم..) وهذا مبسوط في موضعه من كتب الفقه المعتمدة ، بل وقد وسع السادة الأحناف في تلك المسألة ففرقوا بين النكاح الباطل و النكاح الفاسد بناءاً على تفريقهم في تصنيف الشروط وما يترتب على ذلك التصنيف من الآثار ، وهذا معلوم عند دارسي فن الفقه الإسلامي..

وغير ذلك من الأدلة التي لا يمكن حصرها في مقالة صغيرة فحسب ولكن نسأل الآن صاحب هذه الفتوى من أين جئت بهذه الفتوى التي لا أصل لها عند علماء الأمة كلها؟..والجواب عندي"من الجحيم"..

وهذا الذي أحلّ دماء الناس زاعما أن الدليل حديثٌ صحيح رواه الإمام مسلم ، ونقول له -هداه الله- إن الخوارج لعنهم الله قد كفروا علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأدلة جاءوا بها من كتاب الله فقد قالوا أن علياً رضي الله عنه حكّم الناس في موقعة صفين والله يقول "إن الحكم إلا لله" فهل هذا يعتبر دليلٌ على تكفير ابن عم رسول الله وخليفة المسلمين الراشد والذي بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ، روى ابن عساكر وابن عبد البر وغيرهما من أئمة الحديث أن ابن عباس رضي الله عنهما ذهب إلى الخوارج وحاجّهم وأدحض حججهم الواهية فقال لهم في مسألة التحكيم مثلا "ما تقولون في قول الله تعالى "يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُم"ْثم قال أتحكيم الرجال في حقن دماء المسلمين أولى من تحكيمهم في أرنب ثمنها درهم؟..

إن المتأمل لحال الخوارج يجدهم قد كفروا الإمام علي مستندين إلى دليل من كتاب الله ولكن هيهات أن يكون عليٌ رضي الله عنه أحد الذين يقع عليهم هذا الحكم بهذا الفهم المنحرف ، إن الخلل لم يكن في النص القرآني المقدس إنما كان الخلل في فهم الخوارج للنص ، إن عقولهم المشوهة لم ترى الجمال الذي يملأ النص الشريف ، وللعلم أن ابن عباس رضي الله عنهما حين رأى عبادة الخوارج قال " ما رأيت أحد أشد على نفسه في العبادة منهم" وهذا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وصف الخوارج "يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"، وفي رواية " يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ،يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ وَلاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّين ِكَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"..، فلا يغرنك مقدار عبادة ظاهرة إنما المعيار الحقيقي هو الفهم والفقه ، وتأمل قوله عليه الصلاة والسلام "يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم" وهذا ما نراه في أصحاب تلك الفتاوى المنحرفة عن سبيل الدين المستقيم ، يقرؤون الدليل ويفهمون فهما يؤيد عندهم غرضاً دنيويا لا أخروي ، ألم يعلم ذلك الشيخ أن قتل نفسٍ بغير حق هو من أكبر الكبائر ، ألم يعلم أن قتل نفسٍ بغير حق عند الله أشد من هدم الكعبة ، قال تعالى "ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق"، إن هذا الدين العظيم لا يمكن أبدا أن يفهمه ويعي معانيه السامية إلا من صفيت نفوسهم من الغل وحب الدنيا ، إن التشدد والتنطع من سمات الجهلاء وليس العلماء ، وإن العلماء لهم أولى الناس بخشية الله ، و لا أدري هل الذين يأتون بتلك الفتاوى و التي هي من الجحيم الخالص يخافون الله بحق أم لا؟؟..اللهم ارزقنا الفهم والعلم واصرف عنا الجهل..

 

    

 

     

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق