]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رحلة عمر رشدي سعيد

بواسطة: د صديق الحكيم  |  بتاريخ: 2013-02-09 ، الوقت: 10:06:30
  • تقييم المقالة:

رحلة عمر رشدي سعيد قراءة د/صديق الحكيم تلقيت بمزيد من الحزن والأسي خبر وفاة العالم والسياسي المصري المخضرم رشدي سعيد وقد تذكرت هذا الرجل المحب بل العاشق لتراب هذا الوطن بحكم تخصصه في الجيولوجيا وبحكم الفطرة السليمة لهذا الرجل وأجد أنه لزاما علي كمصري وكمثقف أن أرد جزء من الجميل الكبير لهذا الرجل العظيم وأن يعرف عنه جيل الشباب فهو بحق قدوة ونموذج للوطني المصري وأري أن أفضل تعريف به هو تقديم قراءة لمذكراته الشائقة  ********* اختار الجيولوجي والسياسي المصري الدكتور رشدي سعيد، بلوغه الثمانين عاماً مناسبة لكتابة مذكراته، التي جاءت تحت عنوان: «رحلة عمر»، واتخذت لنفسها عنواناً فرعياً على قدر من الغموض هو: «ثروات مصر بين عبدالناصر والسادات». وفي مثل هذا النوع من الكتب يسهل أن تخمن التقسيم الذي اتخذ هنا شكل: النشأة / التكوين / ذكريات علمية بين الجامعة ومؤسسة التعدين / ذكريات سياسية / سنوات الأمل والاحباط 68 ـ 1981، سنوات الغربة 81 ـ 2000، غير أن ما يصعب اكتشافه ببساطة حقاً هو التفاعل الداخلي بين مكونات الكتاب وبعضها، وبين الكتاب نفسه، والواقع المصري الراهن بكل تعقيداته.  ***************** بدأ الدكتور سعيد باعلان انه يكتب في الثمانين ودون مواربة، فهي السن التي لايطمح الانسان فيها إلا الى «الستر والصحة»، ولايستطيع عندها ان يخفي شيئاً ولو كان قد سكت عنه من قبل، ويدلل على صدقه منذ اللحظة الأولى، فيقول مثلا: «ان نظم الحكم في مصر ما زالت تحتفظ بالكثير من سمات نظم الحكم في العصر الوسيط.. وهي لا تسمح عملياً بالمشاركة كما لا تسمح باخضاع السلطة للمساءلة الجادة.  يرى رشدي سعيد ان مصر كانت أغنى دولة في العالم قبل الثورة الصناعية، ويعتبر ان قيام اسرائيل عام 1948، وعنصر البطالة هما أهم رافدان لبعث التطرف الديني في مصر وبصفة خاصة في الجامعة، ويشير في المذكرات الى ان التسامح الذي أرسته ثورة 1919 الليبرالية.. ثورة النهضة الكبرى، قد تلقى أولى الطعنات حين مالأ اسماعيل صدقي قوى اليمين الديني لضرب خصومه من الليبراليين واليساريين.  *********** ويأس رشدي سعيد لأن ضباط يوليو كانوا قليلي المعرفة بالآخر الديني الى حد ان فتحي رضوان هو الذي ذكرهم بفريد انطون ليكون الوزير الوحيد ـ القبطي ـ في أول وزارة بعد الثورة (وزير تموين!). وعلى الرغم من إيمان الدكتور سعيد وأسرته بالليبرالية وبالزعامة التاريخية لسعد زغلول ودور حزب الوفد، إلا ان الدكتور رشدي يتحدث بصراحة عن أوضاع مصر قبل 1952، حين كان شعبها «مقهوراً ومحصوراً في واديه الضيق». ويتوقف المؤلف طويلا عند التعليم الذي بدأ يتدهور، ومعه البحث العلمي، ولايزالا في مصر، منذ 1952 حتى الآن، لينتهي الى القول بانه حين ترك الجامعة عام 1977 كان على يقين بأن كل الانجازات الثقافية والعلمية ذات القيمة، تمت إما بعيداً عن الجامعة، أو بعد الابتعاد عنها.  ويرى الدكتور رشدي سعيد ان أحد أهم جوانب مآساة البحث العلمي في مصر، هو عدم القدرة على اقامة علاقات علمية متكافئة مع الأجانب، والجهل بأولويات البلاد والخضوع للاغراءات والاكتفاء بالشكلية، عند اقامة مثل هذا النوع من العلاقات بين غير الأنداد.  ولأن الدكتور رشدي هو الذي تولى قيادة مؤسسة التعدين بعد كارثة يونيو 1967، فقد أفرد لها زاوية خاصة قص فيها كل ما قام به ادارياً وتنظيمياً وكشفياً وبحثياً الى ان ازيح عنها بفعل الفتن السياسية، غير ان سنوات العمل في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب في الحقبة الساداتية، قد عوضته عن العجز عن العمل بالداخل، من ناحية، وفتحت أمامه الباب للتأثير الدولي الواسع، حتى كاد ان يصبح رئيساً للاتحاد البرلماني الدولي لولا عدم حماس بعض الاطراف، من ناحية أخرى.  ********** يمتلأ الكتاب بما يدل على عمق الانتماء المصري والعربي لدى الكاتب، وتمكنه اللغوي والثقافي، وتنوع خبراته، وقوة مواقفه، إذ هو القائل مثلا: كامب ديفيد هي طريق الشرق أوسطية والأخيرة لن تقوم إلا على دعامتين هما التفكك العربي واضعاف الاقتصاد، ومن وجهة نظر الكاتب فإن السادات قد بدل الخيارات المصرية مما سهل على دعاة الشرق أوسطية مهمتهم.  وينتهي الكتاب بنبرة أسى حين يلمح الكاتب الى ان اعظم تكريم لقيه هو تكريم الجمعية الأهلية الفقيرة التي يرأسها د.احمد عبد الله رزة، وقد جاء التكريم بعد أن لاحظ قياديون في الجمعية انه لم ينل ما يستحق من الدولة، وان على المجتمع المدني ان يعوضه عن ذلك.  وقد اكتشف ان جيل العلم للعلم، قد ولى، ربما في العالم كله، وان نيل الجوائز يتطلب «التربيط» مع مؤسسات وأدوار واسعة للعلاقات العامة وتبادل المصالح، لايستطيع هو أن يقوم بها، فضلا عن أن يقرها. كانت هذه قراءة في رحلة عمر رشدي سعيد قرأتها في يوم وفاته وفاء لدين هذا الرجل في رقبة كل مصري وكل مثقف 


  المصدر :جريدة الشرق الأوسط العدد 8157 بتاريخ 29 مارس 2001


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق