]]>
خواطر :
(مقولة لجد والدي، رحمه الله ) : إذا كان لابد من أن تنهشني الكلاب ( أكرمكم الله)...الأجدر أن اسلم نفسي فريسة للأسود ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

شجرة الأيك

بواسطة: Hussein Ghirri  |  بتاريخ: 2011-09-06 ، الوقت: 18:21:07
  • تقييم المقالة:

  كأنني اعتلي جبلا شاهقا ، أصم لا زرع فيه ولا شجر، مقبلا من  ظلام دامس، لا نجم فيه ولا قمر، ولما  شارفت على الوصول إلى قمته،  بهرني نور ينساب  فيضا من السماء حتى أنحصر، على أرض، هي رحم الحضارات، مهد السلام والرسالات والرسل، قبلة الأديان السماوية ونزل، منبع الأعراف والأخلاق والقيم، منبر الشعر والخطابة والنثر، وموطن العلم والعلماء والفكر، فلما استويت على قمته، لمحت لوحة طالعتني في الأفق البعيد قبل، رائعة الجمال ناطقة الصور، من صنع مبدع خلاق مقتدر، جنان وصحاري وقفر، جبال وهضاب وسهولخضر، أنهار وجداول وعيون ماء تنفجر، محيطات وبحيرات وبحور وجزر،  تتصدرها أيكة لم أرى لها في حياتي مثل، تشابك أغصانها تشابك أصول البشر، صفحات أوراقها كأنه كتاب قد نشر، في متونه الأخبار والعظات والعبر.

      شجرة كنت أحسبها في بادئ الأمر وحيدة الجدع، أو هكذا تراء ت لي من بعد،  ولكعندما اقتربت منها، وجدت أن جذعها هذا مكونا من عدة جذوع، قد تراصت  ظهير بعضها البعض، ملتحمة، في تآلف وتعاون وانسجام، لخص كل معاني التكامل والاتحاد، ما بالكم اليوم تنسلخون؟  جذعها هذا فارعا في الطول، يتسامى عزة وأنفة، وفخرا واقتدار بين تلك الأشجار المتواجدة على امتداد تلك الهضاب والسهول، بما يحمله بين يديه من خيرات، مما جعلها دائما مطمعا للغزاة والمعتدون، وتراها تلوح في عيون المسالمين عند الأفق البعيد لكل زائر أو عابر سبيل، كامرأة تحمل في إحدى يديها إناء مزدانا بفاكهة شهية للآكلين، وباليد الأخرى إبريقا تسكب منه ماء للشاربين، ومرة ثانية كأنها وحش كاسر في عيون المعتدين أستفز، فأستنفر من توه واقفا متحفزا لدفاع عن نفسه، مكشرا عن أنيابه، رافعا خفه، مسمعا صوت حفيف أوراقها زئيرا يرهب الطامعين.

   أن هذا الجذع رغم متانته وشدته لم ينجو من التعرض للاعتداء والأذى ، فلم يخلو من الفجوات ، والثقوب ، والخدوش ، والجروح ، قصا وتقطيعا ، اقتلاعا وتكسيرا ، تقليما وتلقيما،  نحتا  وكتابة، رسما وزخرفة، لأي جزء منه،  طالته أيدي، وأسنان ، ومخالب ، ومناقير المعتدين من زواحف الأرض وخشاشها، طيورها وحيواناتها، كوارث الزمان ومصائبه،  عبث الإنسان وصنعه، عدوانا وطمعا، عبادة وتقديسا، تدنيسا وتطهيرا، دون تمييز، سواء كان جذعا أو فرعا، غصنا أو حتى برعما، ويبقى الشاهد على ذلك كله، ندب على جسد ه حتى لا ننسى، فلماذا أنتم اليوم  تنسون ؟ أم أنتم تتناسون !!!، أما قشرة لحائه المجعدة الغليظة والمفتولة الألياف، تدل على نضج عوده وصلابته، قوته واكتمال نموه، أصالته وعمق جذوره، وتظهر على هذا الجذع الصامد مسحة من الهيبة والوقار، بما اعتلاه من ألوان تداخلت في بعضها البعض ثم تباينت ثم تداخلت، كلوحة فنية رسمت بريشة مبدع فنان، أسمه التاريخ  الذي لم ولن يغفل لحظة واحدة عن تدوين أي شيء صغيره وكبيرة، بسيطة وعظيمة وقعت أحداثه بين فكيه في صفحات ذاكرة الأمم، فالأسود لون لواء الإسلام ديننا، والأبيض نقاء سرائرنا، والأزرق زرقة سمائنا وشواطئنا، والأحمر لون مواقعنا، والأصفر لون صحارينا، مبعث القيم والأخلاق فينا، والأخضر، خضرة سهولنا ومراعينا ، وخصب فكرنا وسمو مبادئنا.

   قد يظهر على هذا الشجرة عند الجاهلأنها قد بلغت من العمر عتيا، وأنها بين الأشجار العظام أصبحت نسيا منسيا، ولكنها اليوم هي أكثر نشاطا  وحيوية، فيها روح الشباب المتجدد وتجربة الشيب ملؤها الروية والتعقل، فلم تقف عن التطلع إلى المجد عالياً، وإلى الأمام تقدما، فتجدها كلها حيوية ونشاط، براعم بزغت اليوم، وأخرى بالأمس، وفروع استطالت حديثا وأخرى قديما، فالفروع المتفرعة من هذا الجذع كثيرة من كل طيف ولون، لا غرو إن تباينت  في  أشكالها وأحجامها، لكن جميعها من أصل جذر واحد  موغل في العمق والقدم ، بذرة من سلالة نوح عليه السلام، أو ممن نجا معه على ذات الدسر، منها الأصيل، ومنها الملقم، ولكن جذر هذه الشجرة الطيبة لا يجد غضاضة في أن يغدق عليهما جميعا من عصارة هذه الأرض، حبا وحنانا لا ينضب، لتصطبغ بها وتشب في أحضانها وتصبح كأنها منها، وهي ليست لها، ويتفرع من تلك الفروع  فروع وأغصان أخرى، تتشعب زاحفة في كل الاتجاهات، لتلتقي  بفروع تشعبت من جذوع فسائلها قد ناءت بعيدا في يوم من الأيام عن جذع شجرتنا هذه، لنائبة من نوائب الزمان، وتجدهما قد تشابكا وتلاحما مع بعضها البعض، لداعية النشأة الأولى، مكونة نسجا كرداء متين، نعم، فروع منها الطوع ومنها المشاغب، منها الصالح ومنها الطالح، منها المسالم ومنها المعتدي، منها اللين ومنها القاسي، منها الداني ومنها القاص، منها المتطرف ومنها المعتدل، منها المسيحي والملحد، ومنها اليهودي والمسلم، وما ازدادت الشجرة إلا  قوة وتضافر، وما أن تتشابك وتلتحم هذه الفروع حتى تتفرع مرة أخرى، سنة الله في خلقه، وهكذا دواليك، حتى استطالت، وأصبحت تطال السحاب علوا، وتلامس الأفق امتدادا رغم أنف الحاقدين، تهديها الشمس قبلة عند شروقها، وقبلة عند الغروب، ثم تغوص في ماء المحيط من فرط تعبها لتسترد نشاطها، وتبزغ في اليوم التالي من عند بحر الخليج أكثر إشراقا، والشجرة أكثر اخضرارا وأزهارا، عامرة بثمارها الذي لا ينتهي، كحديقة غناء، ذات ظل ظليل لا ينقطع طوال اليوم وعلى مدار السنة، تضللننا في الصيف من حرارة الشمس المحرقة ومن الأمطار في أيام الشتاء الممطرة ، أنها شجرة مباركة عتيقة جدا، لا يكاد ولا يستطيع أن يتذكر، أو يذكر أحدا من شيب سكان القرية  متى ؟ ومــن الذي زرعها ؟ لا تلح في السؤال  .. لا تثير الأحجار تقليبا فتلدغك السوام .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق