]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

طير أبابيل

بواسطة: Hussein Ghirri  |  بتاريخ: 2011-09-06 ، الوقت: 18:17:25
  • تقييم المقالة:

لم يبق على نهاية الهزيع الأخير من الليل إلا القليل، عند ما ساد الهدوء التام بطن ذلك الوادي الأخضر، بعد أن  توقف سمار ليله وندماؤه ، مغنوه وقيانه ، أتقياؤه وفسّاقه ، معتدوه وحماته ، من خشاش الأرض وزواحفها وطيورها ومواشيها، عن العزوف والغناء ، والتسبيح والدعاء ، والنحيب والبكاء ، والصراخ والنداء ، والضحك والهراء ، وأنقطع حتى طنين البعوض  ونقيق الضفادع التي تملئ تلك البحيرة التي لا تجف وتنبض روافدها حبا وعطاء لكل أهل الوادي وضيوفهم ، لم يعد يسمع شئ ، سكون رهيب ، بالكاد بعض همسات تنطلق بين الفينة والأخرى لنسمات الفجر الباردة ، لتطفئ نار الشفق الأحمر المتأججة التي تفجرت بعد صراعا دام طويلا ، دام نصف الدهر سجالا، بين النور والظلمة بين الخير والشر وبين الحرب والسلم ، ونسمات  تهفهف توشوش  إلى وريقات تلك الشجيرات القائمة هناك على حافة  تلك البحيرة، فتشاطرها حديثا فيه أنينا وآهات وزفرات ، يسري إلى النفوس كأنه آتيا من أعماق القدر، تروي قصة طير السلام بحسرة وألم ، تنفطر من مآسيها القلوب ويتشقق الحجر، أين دعاة السلام ؟ أين حماته ؟ لماذا اليوم يغضون البصر؟ أين الأخوة ؟ أين الجوار ؟ أين هيئة الأمم ؟ وتنهمر دموعها وتنحدر، وتنساب كدموع أطفال ونساء وشيوخ الأقصى من يمن ومضر، بأرض فلسطين حزنا على الماضي وخوفا من المنتظر، ليتكون على صفحات أوراقها الخضراء ندى نقيا كحبات لؤلؤة منثور ، ويسقط شعاع الشمس فيها ويذوب منحلا كضفائر من ألوانا خادعة للبصر، يخيل إلى الناظر إليها أنه يرى عقد فريدا على جيد قمر، ولكن، ولكن سرعان ما تستحيل القطرات إلى بخار منقشع، وتظهر الحقيقة للأنظار الشاخصة قبل، وتسقط أوراق الأشجار، تسقط الأوراق جميعها وأنكشف ما كان في الخفاء وظهر، إنه ليس عن الجهاد للحرية من بدل، مهما طال الأمد وكثرت العلل، فأسالوا الشمس الحقيقة ، ولكم في التاريخ العبر.

     أنسل الغريب إلى المكان من حيث لا يدري أحد، ولا ندري كيف حتى أصبح له جسد ، أشتات أجتمع لتوه من كل لعنة تفرقت على الأرض منذ الأزل، زاحفا هدفه  طير السلام وعشه الكائن على الأغصان في أعلى الشجر، شجر الزيتون والأرز والنخل، ينعم سكانه برغد العيش والدفيء والهدوء والأمن، إلى أن قدر الله لهم في تلك الليلة ما قدر، وتناهى إلى مسامعهم صوت خشخشة ورنين جرس يندر بالخطر، يقترب ببطيء شديد حتى راعهم مخلوق غريب بدنه من كل لون مكفهر، له عينان تتقدان نارا ولهبا، ولسانا طويلا، وأنيابا مدببة، يكشر عنها إرهابا ، ويخفيها غدر، ملطخة بدماء الأبرياء من الخلق، عليه سخط الله والغضب.

   لم يكن ذلك الشئ ليخيف طير السلام ولا فراخه في بادئي الأمر، لأنهم اعتادوا أن يزورهم العديد من الخلق بمختلف الأشكال والهيئات والصور، أن أرضهم مهبط الأديان ومعبر خاتم الأنبياء والرسل ، فلا يصدون الحجيج ولا التجار ولا الزوار ولا عابرا ضاقت به السبل، كلهم يقضون حوائجهم ويذهبون لا ضرار ولا ضرر حبا وسلاما وكرم.

    لم تكن الفراخ هذه المرة كعادتها بالرغم من طمأنة والديها لها إذ كانوا يتسابقون على خدمة الضيوف ويرحبون بهم ويمدون يد العون ويراعون أحوالهم وشؤونهم من أكل وشرب ومنام، ولكن مع هذا الغريب كان الأمر مختلفا ، انكماش وخيفة منه وحذرا ، كانوا كأنهم قد أطلعوا على الغيب بحدس البراءة ووحيا من الخالق المقتدر، فلم تستأنس ولم تأمن قلوبهم له،  وتراصوا وانضووا تحت أجنحة أبويهم يطلبون السلامة والسلم، ولكن كان السلام اليوم هو الضحية وصدق حدس الطيور في خيفتهم، وأنقض الوحش عليهم في غفلة وفتك بمن فتك وألتهم ، وعات في العش عبثا لطمس معالمه وليسعد به كسكن، عنجهية بني صهيون ، وغفل عن الحقيقة، أن الفجر في عيون الأحرار صادقا ، وفي عزيمتهم يكمن النصر، مهما طال الزمان أو قصر، فلابد للحق أن ينتصر ولابد للظلم أن يندحر.

  وطار من نجى من الفراخ سنينا حول عشه منتظرا  ..، حتى آن الأوان وعاد كل طائر حرا أشم، طيورا أبابيل من كل صوب لتنتصر، محملة بأحجار ترميها على الوحش الظالم كأنها الحمم،.. وبعد أن ظن أنه لا ينكسر، كان الجنوب دليلا، خيب ظنه وأندحر، ولكنه أبى أن  يعتبر، غرورا نشوة الظالم المنتصر،  وكان جسده المرقع هذا هو سر ضعفه، وهو ما كان يخفيه دوما بكل الوسائل والسبل، وهو أضعف حتى من دمغ الحجارة له، وليس كما ينفخ خديعة أوداجه كحرباء حاق بها الخطر.

   وعند ما بدأت ضربات الحجارة تؤلمه طلب السلام من أهل السلام خديعة ، ووقع في الفخ  من صدق أنه وفيا بعهده  بالرغم من كل الشواهد والأدلة والأثر، وأحاط به مكره ، وجاء الرد سريعا مقذوف من حجارة الوادي الصلد الأصم ، بأيدي الأطفال الرافضون لحلولكم وحلوله ، مهما كلف ذلك من ثمن، يكون رخيصا من أجل طهارة القدس زهرة المدن.

    لا يعرف قيادة الخيل من لم يعتل صهواتها

                          ولا يعرف النار من لم يكتو بشواظها.

 

بقلم الدكتور حسين سعيد قري

كلية طب الأسنان/ جامعة الفاتح

1999 إفرنجي


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق