]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أمسية في برية زوارة

بواسطة: Hussein Ghirri  |  بتاريخ: 2011-09-06 ، الوقت: 18:14:18
  • تقييم المقالة:
ترجلنا أنا وبعض من أبناء عمومتي وآخرين من سياراتنا بعد أن وصلنا إلى برية )العقيلة(، مزارع أجدادنا البعلية، التي تبعد عشرين كيلومتر غرب مدينة زواره، وكان الوقت عند الأصيل، طامحين في فسحة مشيا على الأقدام بين أشجار الزيتون واللوز والكروم والنخيل، نختتمها بأمسية سمر وعشاء تحت قبة سمائها ليلا، فسرحنا جماعة وفرادى ونحن في فرح ومرح، وهرج ومرج، وكأننا صبية لا يحملون من هموم الدنيا شيئا، نأكل ما طاب لنا من غلالها وفاكهتها الطيبة المذاق، ولم نشعر بالوقت وهو يمر بسرعة من السعادة التي كانت تغمرنا حتى أيقظنا من غفلتنا هذه امتداد ظلال الأشجار والهضاب حتى عم الظل كل ما حولنا، وبفطرتنا نظرنا إلى الأفق غربا فرأينا الشمس تعلوها صفرة الغروب وهي تتوارى خلف الأفق تنفث فيه من كل لون أحمر وأصفر على صفحة سمائه الزرقاء الموشاة ببعض السحب السمحاقية العالية، تخط بريشة فنان تجريدي حاذق، قصة الصراع بين النور والظلمة، منشأة لوحة فنية رائعة الجمال، ولكن الليل كعادته، أبى أن يمهلنا أمدا حتى نقرأ قصة ذلك الصراع، أفول الشمس وسقوطها، فنكتشف سره، فبدأ يتسلل خلسة رويدا رويدا، يريد طمسها ومباغتتنا، ولم يدر إننا جعلنا له كوكب الزهرة حرسا، ففضحه، بعد أن دلنا عليه زهوه، الذي يزداد تألقا كلما أزداد هو زحفا مقتربا من قبة السماء، فتسابقنا إلى حيثما كنا مزمعين قضاء أمسيتنا، فسبقناه هناك قبل أن يغطشها عند سقط "ظهره سمومدن"، بالقرب من بئر سطحية نغترف منها ماء باردا سائغا للشراب كلما جم مائه، مياه طبيعية استسغناها بعد أن سئمنا شرب المياه المعالجة التي تباع في قنينات البلاستك برقابة وهمية، وما كدنا نصلي وقت المغرب ونجلب حاجتنا من السيارات ونوقد النار من حطب وقش بعض النباتات البرية المحيطة بنا، حتى أرخى الليل ستائره السوداء حولنا، وأطبق علينا سواده، فتداعينا حول موقد الشاي المتوهجة ناره تثير دخن يضوع منه عطرا له عبق كعبق تاريخ هذه البقاع العتيقة، لنشرب الشاي الأحمر والأخضر المنعنع ونحن نفترش الرمال الناعمة، نتحسسها وكأننا مستلقون على فراش وثير من الحرير، تداعبنا بين الحين والآخر نسمات شمالية رقيقة منعشة نقول عنها "نسمات إتجي من قراجيم الحوت، في صحبة أنس لا يجمعنا فيها ألا الحب في الله، نتجاذب أطراف الحديث في منوعة رائعة بل هي تظاهرة ثقافية عفوية، حوار ينسيك كل الهموم وتتسامى فيها العقول، تدعو إلى حلو السمر، ملئه الغيبيات والخرافات والقصص الغريبة، التي كانت تتواثب بيننا كطرائد مفترس، فلا ننتهي من إحداها حتى تقفز الأخرى بيننا، لنسمعها بنفس الشغف، ومما زاد في الجلسة روعة هي تلك النكهة التي تتصاعد مع بخار مرق لحم الجدي "المفضل أكله في هذا الفصل" (مادام يأكل في العود) التي تثير الشهية وتطلب مكرونة السبيقة التونسية، واعدة بعشاء ذكي، فقام "سيد القوم خادمهم" بوضع المكرونة في القدر وتركها تنضج ليكمل الاستماع إلى قصصنا المثيرة هذه، وعندما يسكت الكلام، ينتاب الوجود من حولك هدوء عجيبا، يسرح فيه خيالك حيثما هو جميل، وفي ما لا معقول، ، وتأخذ شهيقا من ذلك الأكسجين النقي، الغني بالأزون، فتشعر كأن طاقة أبدية قد شحنتك، فتلقي بكل ثقل جسدك مستلقيا على ظهرك فوق الرمال، باسطا ذراعيك كطائر يتهيأ للطيران، ثم تزفر زفرة طويلة، فتشعر وكأن قنطار من الحديد كان جاثما على صدرك قد أزيح، وتنظر أمامك وما هي إلا لحظات حتى يسمو خيالك في الفضاء، فيتجلى ذلك المنظر الإلهي قبل، قبة السماء الشديدة الظلمة، تزينها النجوم المتلألئة بعد أن غاب قمرها تتمدد في وسطها مجرة التبانة (خناب التبن) مستلقية كحسناء منعمة، يحرسها الدب الأكبر من الشمال ومن الجنوب برج العقرب بما فيه من حرس يمنعون كل من تسول له نفسه أن يسترق السمع، ومن لا يمتثل يجد له كوكبة فرسان ذات الكرسي بالمرصاد ترجمه بشهب كالمنجنيق فيسقط هباء منثور، فتزهو السماء نورا يحسبها الغافل أنه يشاهد حفل العاب نارية، إلا المؤمنون منهم يعودون بالله من الشيطان الرجيم، وإذا أنت تنصت إلى ما حولك، عند ما يسكت الكلام، ستسمع حفيف أوراق النخيل والأشجار وهي توشوش لك كلاما كله تبتيلا وتسبيح، ولكننا لا نفقه معانيه، وغناء الكروان وهو يشكو لياليه، ونعيق البوم وهو ينعي غواليه، وخشاش الأرض وحشراتها وهي تزغرد وتشقشق تناديك من قريب وبعيد، وبين الفينة والأخرى تسمع عواء الذئاب الجائعة التي تستفز كلاب الرعاة من حولنا فتستجيب لها بجلبة من النباح في فزعا وهرجا، في تناغما جميلا وكأنك  تستمع إلى جوقة موسيقية تعزف الحان البرية، وقيانا تغني أشعار سحرية، فكل ما حولك كأنه إنما هو هنا ليسامرك ويسليك حتى لا تسأم الوجود من حولك، ولا يريدك أن تنقطع عن الكلام شغفا بما نقول، ثم فجأة  يعود فيه الهدوء مرة أخرى حتى تكاد أن تسمع نبضات قلبك، فلا تخرج من هذا السكون، إلا بعد أن يستطرد أحد السامرين سرد ما جاشت به قريحته فتعود إلى ما كنت عليه من سمر وهكذا دواليك، مما أضفى على الوجود بدائية وبساطة وسحر خلاب.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق