]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قصة قصيرة: الدافي .. الدافي ..

بواسطة: جمال الظاهري  |  بتاريخ: 2013-02-07 ، الوقت: 17:27:17
  • تقييم المقالة:

قصة قصيرة:


الدافي .. الدافي ..

 



جمال أحمد الظاهري

وقف ذات صباح على عتبة منزله المتواضع كعادته يتأمل المارة من أبناء قريته وهم يقطعون الزقاق الضيق من أمام منزله ذهاباً وأياباً، وكأنه يرصد من دخل القرية ومن خرج منها.
ومع طول بقائه أمام أشعة الشمس يزداد وجهه احمراراً وتبدأ بشرته بفرز حبات العرق فيعاود فرك  وجهه ورأسه بحبات العرق التي افرزتها مسام بشرته دون أن يلقي بالاً لطول مكوثة تحت أشعة الشمس التي يزداد وهجها وحرارتها كلما ارتفعت في الأفق المقابل لباب منزله .
يرد السلام على من يمر به ويبتسم للجميع ويكرر سؤاله لكل من يمر به - على اين العزم اليوم - ويستمر على هذا النحو منتظراً من أحدهم أن يطلبه للعمل أو أن يكلفه بمهمه ما .. كان هو مرسال القرية الوحيد ولهذا كان اعرف الناس بتفاصيل وأسرار أهل قريته، وكان الجميع يثق به ويأمنونه في كتم اسرارهم.
كان أقرب الجميع إلى الجميع، وكانت خدماته لا تستثنى أحداً .. صغيراً أو كبيراً .. رجل وامرأة لا يرفض طلباً لأحد، لا يعرف متى كانت أخر مرة قال فيها لأحدهم (لا)، فكانت حياته مرتكزة على قول حاضر .. مرحباً من العيون.
ببساطة كانت استراتيجيته وفلسفته في الحياة كبساطة حاله، كان لا يغضب لما قد يصيبه من أذى من أيا كان ولا يشتكي لأحد من أحد، ومع هذا فقد كان يعاني من عنت البعض منهم إلا أن أبناء قريته ودون أن يشتكي كانوا يعرفونه عن ظهر قلب فإن حدث ما يعكر حاله كانوا يبادرون للسؤال عن السبب ويبادرون إلى مساندته أن تعرض إلى ضرر من أحدهم.
تمر الأيام والسنوات ويكبر الأبناء وتزداد طلباتهم ويكبر معهم همهم ومشاكلهم وحسن على هذه الحال، وكلما تقدم في العمر  كلما قل جهده وخانته قواه ويبدأ الناس بالاستعانة بآخرين أو باستخدام أبنائه في بعض المهام وكلما استغنوا عنه واستخدموا غيره ازداد عنائه وزادت مشاكله مع الأبناء وزاد فقدانه على السيطرة عليهم.
يبدأ الأولاد الذكور في مغادرة القرية تاركين أباهم وأخواتهم فيها، ووجهتم المدينة بحثاً عن حياة أفضل وفرص عمل أوفر وهرباً من أن يتكرر معهم حال أبيهم الذي رفض مغادرة قريته الصغيرة التي لم توفر له الحياة الكريمة رغم كده وتعبه الشديد الذي بالكاد كان يوفر لهم العيش الحاف.
العم حسين كان له من الأولاد ثلاثة ذكور ومن الإناث خمس اثنتان منهن كان قد زوجهن وكان أبناؤه الثلاثة قد بلغوا مبلغ الشباب أكبرهم في عمر الثلاثين وأصغرهم في الخامسة عشرة وهذا الأخير كان الوحيد الذي نال قسطاً من التعليم فيما اخواه لم يذهبا يوماً إلا مدرسة أو معهد لعدم قدرة أباهام المادية ولأنهما كان يساعدانه في العمل في حقول الميسورين من أهل القرية والقرى المجاورة باجر زهيد.
كان لمغادرة أبناء حسن أثره الإيجابي في تحسن حاله المعيشي فقد كانا يمداه بالمال ويساعداه في نفقات البيت، وفي نفقات اخوهم الذي التحق باحد المعاهد العلمية، ومن ثم بدأت الأمور تتغير فقد أصبح أبنه الأكبر ضابطاً وبدأ يبحث له عن عروس فانقطع ما كان يرسه لابوه من المساعدة وزادت فترات غيابه عن القرية لتصل إلى السنتين والثلاث السنوات دون أن يزورهم أو يسأل عنهم.
لم يكن العم حسن يدري ما يخبأ له القدر ولبقية افراد اسرته، ففي الوقت الذي كان يضن أن الأيام قد بدأت تبتسم له تدخل البلاد في معترك صراع لخبط حياة الجميع وأعاد خلط الاوراق ودخلت البلاد في ازمة طاحنة أعادتهم جميعاً الى كف الغيب بعد ان كان كل واحد منهم قد بدأ يخطط ويرسم مستقبله.
فتبددت أمال ابنه الكبير في أنشاء اسرته التي يحلم بها فترك معسكره ورفاقه في الجيش والتحق مع الطرف الاخر الذي انشق عن السلطة واعلن انظمامه مع من ايد الثورة، هكذا قاده تفكيره الى ان مستقبله مع مؤيدي الثورة ، فيما أخوه الاخر ترك عمله كحارس في أحد المدارس والتحق مع أحد المشائخ كمرافق لأن ما كان يتقاضاه لقاء عمله في المدرسة قد انقطع، والمدرسة اغلقة وفقد العائد الذي كان يجنيه من مزاولة بعض الانشطة بجانب عمله التي كانت تغطي متطلباته وما يرسله لأبوه.
مرت الاشهر الأولى لهذه المحنة وكلما طالت ايامها زادة معاناة العم حسين وزاد خوفه على مستقبل ابنائه وبناته، ولم تنتهي محنته وقلقه على ابنائه الذين غادروا القرية للعمل في المدينة فقد ترك أصغر أبنائه القرية والتحق بأخوته الى المدينة وانظم الى ساحات الاعتصام ما زاد من قلقه على سلامته، حاول كثيراً اقناع اصغر ابنائه وأحبهم الى قلبه بالعودة الى البيت وإلى مواصلة تعليمه ولكن دون فائدة.
كان العم حسين لا يهجع عن السؤال على ابنائه كل من يعود من المدينة، وكان واقعاً في حيرة هذا الواقع الجديد ولا يفهم ملابساته فأضطر الى اقتناء راديو يتتبع من خلاله ما يحدث في البلاد لأن كل من كان يسألهم عن ما يجري لا يشبعون ما لديه من فضول لمعرفة الوضع، ولأن القرية نفسها كانت قد انقسمت وتشتت بين هذا وذاك وكان كل طرف يعطيه معلومة وفقاً لأتجاهه وميوله، فيما أوضاع القرية أزدادة سوءاً وتغير الناس وما ألفوة من إنسجام وتعاون  وصبحوا منقسمين ووصلة بهم حالة الشحن والتنافر إلى ما يشبه القطيعة والفرقة منعتهم من الاجتماع لأداء الصلاة في مسجد واحد وأصبح لكل فريق مسجده الخاص، ومع هذه الحال وجد نفسه تائها بين الفريقين ونتيجة لذلك فأن حياته اصبحت في مهب الريح فإن أنضم لهذا الطرف فسيخسر مصالحه مع الطرف الاخر الذي لن يطلب منه العمل معهم.
ازدادت أوضاعه سوءاً وكاتب أبنائه بحالته فطلب منه أصغرهم الألتحاق به إلى ساحة الاعتصام مع أخوته الائي ما زلن في كنف اباهن ونجح في اقناعه بأن الحال سيكون أفضل وبأنه سيجد عملاً في ساحة الاعتصام وبعائد أجزل من الذي يحصل عليه في القرية وبجهد أقل وبأنه قد تم الترتيب لسكنه مع رفاقه والتزموا له بتوفير السكن بعائد ثابت (صرفة يومية) بمجرد تسجيل اسمه في ساحة الاعتصام.
بعد تردد قرر حسن الاتحاق بأبنه فغادر مع بناته الثلاث صوب المدينة ليستقر في أحد الخيام، وتمر الأيام، ومع كل صباح يأخذ عدة العمل التي كان قد وفرها له ابنه ويغادر الخيمة الى أحد اركان الشوارع المتصلة بالساحة ليبيع البطاط والبيض، وهو يردد (يسقط النظام - الدافي الدافي)، فيما بناته الحقن بأحد خيام النساء في الساحة.
كان العم حسن لا يرى بناته ولا يطمئن على سلامتهن إلى من أبنه الذي كان قد أنظم إلى اللجنة التنظيمة في ساحة الاعتصام، أو في حال مرورهن به أثناء خروجهن في أحدى المسيرات، ومع الأيام بدأ قلقه يزداد لأن بناته لم يعدن يمرين به ولا يراهن كما كان الحال في بداية تواجدهم في الساحة، كأنهن بدأن يتحاشاه أثناء مرورهن بمكان عمله، وصار مصدره الوحيد في معرفة أخبارهن أبنه.
وصل خبر التحاقه مع بقية بناته الى اهل القرية وصار حديث الصغير والكبير، وفي أحد الايام يفاجأ بأن زوجي بنتيه الكبيرتين أمامه وهم في حالة غضب شديد ليطلبا منه العودة الى القرية، وإن كان لا يرغب في العودة فأقلها أن تعود البنات أو يبحث لهن عن مسكن في المدينة وأن لا يبقين في الساحة على أساس أن هذا الأمر يشكل عليهما ضغط وأحراج شديد بين الناس أما ذاك أو أنهما سيطلاقانهما وعليه أن يختار.

aldahry1@hotmail.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق