]]>
خواطر :
مولاي ، لا مولى سواك في الأعلى ... إني ببابك منتظر نسمات رحمة...تُنجيني من أوحال الدنيا وحسن الرحيل ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

وتستمر المطاردة ؟!

بواسطة: جمال الظاهري  |  بتاريخ: 2013-02-07 ، الوقت: 17:25:30
  • تقييم المقالة:

وتستمر المطاردة ؟!

جمال أحمد الظاهري

يحفل الادب العالمي بالكثير من الحكمة والتشويق والجدية في تصوير الحال العام للشعوب والحالة الفردية التي لا تبتعد كثيراً عن حالة المجتمعات .. بل وتتلاقى معها في اوقات كثيرة وكأنها نسخة (كوبي) طبق الأصل لحالة المجتمع، فهاهو القاص الايطالي «إيتالو كالفينو»  في قصته القصيرة جداً «تضامن»، التي يتجلى فيها ذوبان الاعراق والاجناس ليظهر لنا عالمية الأدب، ولأهمية المدلول التي حوتها القصة آثرت اشراكك أخي القارئ في مدلولاتها ومقارنته بواقع الحال الذي نعيشه.
هذه القصة تقدّم لنا حكاية شخص متّسم بالغرابة والطرافة معاً، فقد جمع بين السخرية العميقة ومزجها مع الواقع لينتج لنا صورة محزنة ومضحكة في قالب بديع، وسرد ممتع لتفاصيلها التي اضفى عليها الطابع الجدي بقالب ساخر، وبإختزال كبير حوى مضموناً وافياً لا يمكن لمن يقرؤها إلا أن يضحك ومن ثم يعود للغوص في تفاصيلها من جديد مطلقاً لعقله المقارنة بين أحداثها ومسقطاً له على واقعنا العربي الذي نعيشه.
تقول احداث هذه القصة القصيرة جداً أنه في ليلة ما، يخرج هذا الشخص الذي لا نعرف اسمه ولا ملامحه ولا عمره، ليتسكّع في أحد شوارع المدينة، واضعاً يديه في جيبَي بنطلونه، ومنطلقاً في حال سبيله بلا دافع أو غاية.
يرى في أثناء تسكّعه رجالاً يحاولون كسر باب محلّ تجاري بعتلة حديدية، فيتوقف ويراقبهم بعض الوقت، وحين يتأكّد من أنهم لم يفلحوا في كسر الباب يمضي، بكل أريحية، لمساعدتهم في ذلك... ثمّ لا يتردد- بعد أن يتمّ كسر الباب- عن إمساك الكيس لهم كي يضعوا فيه المسروقات.
وعندما يخيّل إليهم أنّهم سمعوا وقع أقدام في الخارج، يكلّفونه بالذهاب إلى آخر الشارع للتأكد ممّا إذا كان هناك رجال شرطة قادمين نحوهم.
 وبانضباط والتزام ينفّذ التكليف، وهناك يلمح أفراد من الشرطة مختبئين في ظِلّ أحد الأبواب، فينضمّ إليهم، ويعلم أنهم يراقبون أولئك اللصوص في المحلّ الذي جاء منه، فلا يلبث أن ينطلق معهم لمحاصرة المحلّ، ويدخل مع بعضهم للمساعدة في القبض على اللصوص!
لكنّ اللصوص ينجحون في الهرب، فيهرب معهم، وحين يتمكن أحد رجال الشرطة الذين يطاردون اللصوص من محاذاته، فإنّ صاحبنا يواصل الركض إلى جوار الشرطي، مستكملاً وإيّاه، هذه المرّة، مطاردة اللصوص!
وبعد مدّة من الجري الحثيث، يكون رجال الشرطة قد تفرقوا في جميع الاتجاهات، راكضين في أثر اللصوص الذين ذهب كل واحد منهم في ناحية، ثم لا يلبث صاحبنا أن يجد نفسه يجري لوحده فيتوقف وهو يتصبّب عرقاً، ثم يضع يديه في جيبَي بنطلونه، ويواصل تسكعه منفرداً، بلا دافع أو هدف!
هذه الاقصوصة الصغيرة  لابد ولمن يقرأها من أبناء هذه الأمة الإسلامية أن يتوقف أمامها ليراجع واقعه الذي اختلط فيه الأمر عليه أو أنه ركن إلى رمي حمل البحث عن حقيقة ما يراد له ولسان حاله يقول لماذا تتعب نفسك بالتفكير وبالاختيار والمقارنة ما دام كله محصل بعضه، واقبل بما يجود عليك به القدر الذي صنع وأعد في مقلاة الآخرين، وما عليك إلا أن تستسيغه وتبلعه أعجبك مذاقه أو لم يعجبك.
لتستمر الحكاية، وتتوطد القناعة بممارس التسكع وتقديم الخدمات للجميع دون تمييز على أساس أننا حينها نفوز ببال خالٍ من أثقال الهوية والموقف والتفكير والتخطيط وهموم الغاية، لنصل في الآخير إلى لحظة دفع الفاتورة عن كل عملية مطاردة بين حراس النظام ومن يحاول الاستيلاء على المسروقات المكدسة في مخازنه.

aldahry1@hotmail.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق