]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الإسلام بين الجوهر والمظهر

بواسطة: محمد ممدوح يوسف  |  بتاريخ: 2013-02-06 ، الوقت: 19:34:38
  • تقييم المقالة:

إن كثيرا من المسلمين اليوم قد اختلط عليهم الفارق بين مظهر الاسلام -والذي نحن مطالبون به إما بغرض الحشمة أو لغرض حفظ الهيبة والتي هي من أهم سمات المسلم أو المسلمة- وجوهر الإسلام ، فتجد أناسا قد شغلتهم وسيطرت عليهم قضية المظهر الإسلامي وجعلوه ركنا من أركان الدين وبالغ بعضهم وأفرط فجعله هو المعيار الوحيد لقياس درجة التدين عند غيره من الناس ، وهذا المشرب ليس وليد ذلك الجيل فحسب ، بل إنه إرث أليمٌ  قد ورثته أجيالٌ عن أجيالٍ عبر العصور وإن اختلف أسلافهم في الشكل أو التطبيق..

والناظر المتأمل لحال جيل الصدر الأول من السلف يجده مختلفاً اختلافاً واضحاً جلياً عما نراه أو نسمعه اليوم من كثير من الناس ، فلقد وضعوا رضوان الله عليهم هدفا سامياً ثمينا نصب أعينهم وبذلوا كل الجهد كي يصلوا إلى هذا الهدف النبيل السامي ، لقد علموا تماماً أن السبيل للوصول إلى هذا الهدف إنما يكون "ببناء الإنسان قبل بناء البنيان ، وبناء الساجد قبل المساجد" ، ولكنّ هذا الصرح الضخم لم يشغلهم أن يهتموا أو يفطنوا أيضا للاهتمام بمظهر إسلامي يليق بذلك الإنسان والذي جعله الله خليفته في الأرض وسخر له الكون في خدمته ، لقد نزل الإسلام وسط بيئة اجتماعية بالغت في التفرقة بين الناس على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الشرف ، لم يكن أصحاب تلك البيئة البدوية الجافة يقيمون الناس وفق معايير مطلقة ثابتة ، وإنما وضعوا لأنفسهم معايير خاصة بهم دون غيرهم ، فكانوا يفرقون بين الفقير والغني حتى أنهم كانوا يسمون الغني بالشريف وبالمقابلة فإن الفقير يكون وضيعا في مجتمعهم ، قال صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أصحابه كيف ينزعون تلك الرزائل من قلوبهم "إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أنهم كانوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقاموا عليه الحد" والشريف هو من له نسب وشرف بين الناس ولا يكون ذلك عند العرب إلا بين الأغنياء ولقد استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم نفس مصطلحاتهم المعلومة لديهم ليصل المراد إليهم بسهولة ثم بعد ذلك يبتر تلك العادات من جذورها، ولذلك زجرهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك زجرا شديداً بل وأسس أيضاً قاعدة جليلة بأن الشرف والضعف ليسوا معياراً أبدا في إقامة حدود الله ، ومن أشرف من رسول الله وآل بيته الطاهرين فقال عليه الصلاة والسلام "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" فتأمل..، وكان العرب يفرقون بين الناس في اللون فكانوا يسمون الأسود عبداً وإن جاء من نسل شريف كما يزعمون ، فها هو عنترة بن شداد الشاعر الفارس الشجاع كانت أمه حبشية واسمها زبيبة وبسبب ذلك لاقى أشد العذاب والهوان والذل وعلى يد من؟؟ سيده وليس ذلك فحسب بل كان أبوه أيضاً ، قال صلى الله عليه وسلم "يا أيها الناس ! إن ربكم واحد و إن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على عجمي و لاعجمي على عربي و لا أحمر على أسود و لا أسود على أحمر إلا بالتقوى ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم"..

إن كل تلك الصور من العادات الاجتماعية السيئة والتي رفضها الإسلام برمتها لهي صورة من تلك الصور التي نراها في واقعنا المعايش ولكن في هيئة أخرى ، فحين يجعل أحد الناس الزي الذي ترتديه هو معيار التدين أم لا فإن ذلك لا محالة هو صورة من تلك الصور المنبوذه من الإسلام والعقل والعرف ، وحين يترسخ في العقول عند بعضهم أن كل امرأة غير محجبة فهي عاهرة فإن ذلك أيضا نتاج تلك الاعتقادات الباطلة ، وهنا لابد علينا توضيح أننا لا نقول بعدم وجوب الحجاب على المرأة المسلمة البالغة بالشروط الفقهية المعروفة عند أهل الفن من الفقهاء  مما هو مقرر في كتبهم ومعلوم من الدين بالضرورة ، ولكننا أيضا نقر إن تلك المرأة غير المحجبة ليست عاهرة لمجرد كونها غير محجبة ، ولا ينبغي علينا أن ننظر إليها نظرة احتقار أو تقليل من إنسايتها بل يجب علينا دعوتها باللين والرفق اللذين نحن مأمورن بهما في الدعوة ، قال تعالى وهو أصدق القائلين "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" ، ومن هو المدعو الى سبيل الله إنه واحد من الناس قد يكون على غير دين الإسلام أصلاً أو قد يكون مسلماً معلوم الفسق ومجاهراً به ولكننا على الرغم من ذلك مأمورن بالرفق واللين في دعوته ، فما بالك بفتاة مسلمة ولكن لسبب ما -لسنا نحن بصدده- لم ترتدي الحجاب عددناها على ذلك من العاهرات!!

ولا نستطيع أن نعمم أو أن نطلق فهذا من سمات السطحيين ، ولكننا هنا ندعوا بالرفق واللين أناساً اتسموا فعلا بتلك الصفات المذمومة في دعوتهم ، لقد تصور كثير من الغرب أن هذا المثال من المسلمين هو المثال الحقيقي للإسلام وهذه "دعوة باطلة يراد بها باطل" ، فهل يؤاخذ مليارات البشر بفعل مئات أو حتى ألآف قد انحرفوا عن الطريق المستقيم ، هب أن شابا طائشا قتل رجلا في الطريق بسيارته دون أي مبالاة أنزعم أن أباه هو القاتل؟! ، نعم الأب محاسب على تقصيره في تربية ولده بطريقة لم تجعله شاعراً بالمسئولية "فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته"ولكنه ليس القاتل قطعا ولا يشترط أن يكون أباه أيضا غير شاعر بالمسئولية ، ونحن أيضا كأمة مسئولون جميعا على تقصيرنا في تصحيح فكر هذه الفئة من المسلمين وعدم إرشادهم على الطريق السوي والزيغ عنه ، إننا إن كنا مطالبون بدعوة غير المسلم إلى دين الإسلام فإننا من باب أولى مأمورون بدعوة المسليمن وردهم إلى الطريق الصحيح الذي سار عليه آباؤنا من سلف وخلف لنلقى الله بقلب سليم ووجه كريم..

إن قانون تلك الحياة يتطلب منا التعايش والاختلاط بالناس بشتى ألوانهم وأجناسهم بل ودينهم ، يتطلب منا أن نكون معبرين تعبيرا حقيقيا عن جوهر الإسلام المتمثل في الحكمة والموعظة الحسنة ، إن هذا الأداء الراقي هو الذي جعل الناس يدخلون في دين الله أفواجا حين رأو المسلمون الأوائل في أخلاقهم ومعاملتهم الراقية ولم يكن السبب لحية أو ثوب قصير فقط ، إن هذا اللون من التصالح والتعايش لهو أسمى صور الانسان المسلم الراقي في دعوته لدينه السمح الحنيف ، ثم يأتي المظهر أثرا وناتجاً عن هذه التركيبة الإنسانية الراقية ، ونكون حينئذ جمعنا بين الحسنيين "الجوهر و المظهر"..        


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق