]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التحولات

بواسطة: ALIM  |  بتاريخ: 2013-02-06 ، الوقت: 17:49:11
  • تقييم المقالة:

جدتي من فمها نسمع الحكايا وقد لف الليل قريتنا بلحافه الأسود ، فنجلس في المطبخ مفترشين حصيرا منسوجا من نبات القرية ، و جلود الأبقار والأغنام على أرض ترابية تكنس كل يوم بعد رشها ماء مطلقة رائحة مميزة ، لا نشمها اليوم إلا عند شقوط الأمطار على التربة العطشى بعد غياب القطر ، أمي تعد كسكس العشاء ، أو تحلي رغائفه بالزيت والسكر على أضواء قنديل يضاء بالبنزين أو الكحول ، عند نفاذهما ، تكتفي بشمعة نصف مضيئة تلعب نسمات الشتاء بشعلتها كلما فتح باب المطبخ ، أبي في ركن آخر ينتظر آذان العشاء ليشد الرحال إلى المسجد ، جدي يفضل سلهامه الصوفي و كثيرا ما لفني بطرفه إلى يمين جدتي ، المذياع يرسل نغمات شعبية تداعب حكايا جدتي وتضيف إليها ألحانا ، وكثيرا ما تدخل جدي ليشرح لنا كلماتها الرمزية و ظروف نظمها ، الموقد لا تنطفئ نيران أخشابه إلا إذا أتينا على نهاية السمر الذي غالبا ما تفوتنا نهاياته نحن الأطفال . 

تمر الأعوام و الأعوام فتضاء مصابيح الكهرباء طاردة سكون الليالى ، و صغرت الغرف و بلطت جدرانها و أرضياتها فغابت رائحة التراب ، واحتلت المكيفات مكان الموقد فغابت أدخنة الخشب التي كانت تغسل عيوننا بكاء ، فتسمر الأب منزويا أمام شاشته ، والأطفال في غرفتهم بلاعبون كتبهم و أجهزتهم الإليكترونية ، والأم تتابع المسلسلات و الجدات تائهات ينتقلن بين الغرف ، واحتلت الوجبات الخفبفة مكان موروث الطبخ . انهارت الجلسات العائلية و تقاسم الأدوار بين منصت ونشط ، وترك الكلام للأجهزة ، تتكاثرت المجاملات السطحية التي تبعد القلوب عن بعضها ، وتتحاشى العيون التلاقي عرفانا من الجميع بقصور من نوع ما ، فلا الكلام يسترسل منسابا بين الأفراد فقد غالبه الصمت فأصبح خجولا لا يظهر إلا ساعة الأوامر والنواهي عند الانفعال ، و لا العيون استطاعت نقل كنوز القلوب بل تملكتها الحشمة و تفتح على استحياء في الرؤوس المطأطة عند كل لقاء . 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2013-02-07
    اخي البديع ..
    لقد نقلتني بتلك الصور ,,الى عهد كان ,,يا الله !
    كنت بغاية الروعة في وصف الحال الماضي والحال الحديث
    وما ميزات كل فترة , ابداعا جعلني اتذكر كل ما كنا عليه ,,تكاد اوطان المسلمين والعرب قاطبة ان تتشابه
    بما لها من موروث صفات وخاصية عادات وتقاليد
    ليس العيب بالحضارة ,ولا بما جد من جديد علمي وابتكارات حديثة زادتنا قُربا او زادتنا بُعدا
    بل بنا نحن ,,
    لقد ابتعدنا  لسبب عندي مهم جدا وبصراحة لاننا لا ناخذ الامر باعتدال ابدا , حينما نحب الشيء , يمتلكنا هو  لا نمتلكه نحن
    اذن علينا بتغير تلك العادة المتنحية فينا , لما لا ننظم أوقاتنا  فنجمع بين  القديم  الجيد , والحداثة الحسنة ؟؟!
    نقوم مثلا باختيار وقت للجلوس مع الكبار العقلاء (كما كانوا يقولوا المجالس مدارس ) ويجب ان يتعلم الاطفال منذ صغرهم , الجلوس تلك الجلسات , كي تصبح لديهم اعتياد , فيفقهوا ويتعلموا ليس من خلال شاشة الدراسة بل من خلال التقاء نبض ودفء قلب.
    على الوالدين ان يوفروا قليلا من أوقاتهم بطريقة محتلفة منوعة من وقت لاخر ,كي لا يصاحب الواحد منا الملل او الكآبة,
    لو اتبعنا برنامجا شهريا مختلفا ومتنوعا يجمع العائلة بطريقة راقية معا وحسب الفصول , صدقا لعادت لقلوبنا اخلجات التي فقدناها
    ولا تنسى ان مشكلتنا ,بقلة التدبير , والتسويف وابطاء الخطط ثم الابتعاد عنها شيئا فشيئا
    يعني تثبيط الهمم والنفس (وثير ناس شاطرين بها )
    ليتنا جميعا نحسن  التدبير والتخطيط ونتعلم ولا  ننسى  أن تلك الجلسات كانت سببا في استقرار نفسياتنا وجلاء قلوبنا وعقولا وراحة بالنا بعض الاحيان !!
    شكرا لك اخي الراقي واعتذر لطول الرد فقد اصبت بكل حروفك, وما أردتُ الا اطلالة حديثة وجمع بين الماضي والحاضر كي لا نفقد تاريخنا الحبيب
    سلمتم من كل سوء
     

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق