]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

في العقل والحياة (الجزء الثاني)

بواسطة: محمد ممدوح يوسف  |  بتاريخ: 2013-02-04 ، الوقت: 11:49:02
  • تقييم المقالة:

(الجزء الأول منشور تحت عنوان في العقل والحياة الجزء الأول)

هنا يقع تساؤل

وهو إن كنا قد اتفقنا على بني الإنسان مكرم على غيره من المخلوقات , وان كنا قد اتفقنا على أن أعظم دلالات هذا التكريم إنما هو العقل , إذن فلماذا العقل بالذات هو علامة التكريم؟؟

والجواب عندي : إن هذا العقل هو الآلة التي يستطيع الإنسان أن يتوصل بها إلى معرفة الوجود ومن ثم يصل إلى معرفة واجد الوجود سبحانه , إن العقل هو الآلة التي يستخدمها الإنسان ليتجنب الضرر عن نفسه وماله وأهله , وبه يستطيع أن يحدد السبل التي يجب عليه أن يسلكها ليصل إلى بر الأمان في حياته وبعد مماته , هو الآلة التي يستخدمها الإنسان في فهم التعامل مع غيره من بني الإنسان أو مع باقي خلق الله في هذا الكون , إن العقل هو الآلة التي يستخدمها الإنسان ليعي ويفهم ما حوله وما يدور في كون الله...

تستطيع أن تذكر في هذا المقام المئات أو الآلف من الأسطر والمقالات والكتب , فخصائص العقل التي جعلت بني آدم مكرما في الكون-  جليّات واضحات..

و بعد ما سبق يقع تساؤلا آخر

 وإن كنا قد ارتضينا أن العقل يتصف بكل هذه الخصائص , فعلينا أيضا أن نذكر أحد أهم صفات العقل وهي التحليق في الأفق فالعقل كالطائر الذي يحلق في سماء كونه – من أفكار وعلامات وآيات - ، ومن صفات الطائر المحلق أن يحلق أين شاء وكيف شاء انه هو الوحيد الذي يستطيع أن يقرر في أي فلك يريد أن يدور وفي أي سماء يريد أن يحلق , فمن الطيور من يحلق في الأفق القريب , ومن الطيور من يسبح في سماء الكون كله دون قيد أو حدود سياسية أو جغرافية تمنعه عن التحليق أين شاء , ومن الطيور من يريد أن يسبح في فلك خارج الكون المنظور فتراه ينظر إلى السماء ويحلق مرتفعا جدا والرغبة الكامنة بداخله تجعله يريد أن يخترق هذه السماء المنظورة إلى ما ورائها من أفلاك وأكوان غير منظورة ولا مرئية تراه يريد أن يخترق أمواج الليالي المظلمة الموحشة ليعلم ما ورائها من عوالم الغيب التي لا يعلم عنها إلا صانعها وخالقها سبحانه عالم الوجود كله..            

إن هذه العقول الشاطحة التي تملك تلك الرغبة القوية لتخترق حواجب الغيب - دون أي قيد أو ضابط يحيطها ويكبح جماح رغباتها المتوحشة – أمر في بالغ الخطورة على العقل نفسه وعلى صاحب العقل أيضا ، إننا لابد أن نعترف أنه عبر الأزمنة المديدة الساحقة كانت عقول البشر محلقة في سماء الفكر سابحة في بحار الآيات والعلامات الكونية , ولكن لابد علينا أن نعترف أيضا انه بعد تلك التجارب العديدة وجدنا أن لعقول البشر عامة حدودا لم يستطيعوا عبر العصور أن يتعدوها أو يجتازوها كما قررنا ذلك فيما سبق..

والسؤال هو ما هذه الضوابط والقيود التي بها يحصل تقييد هذا العقل المحب دائما للتحليق بلا قيود وبلا ضوابط تحده ، وكيف سيتم الإبداع المطلوب منا في هذا الكون في ظل هذه القيود والضوابط؟؟..

وأظن أن الجواب على ذلك واضح وبين ، إذ لما أكرم الله سبحانه وتعالى بني ادم جعل العقل هو دلالة التكريم الواضحة ، ولما كان العقل في بعض الأحيان شاطحا خارجا عن المألوف جعل الله سبحانه وتعالى هذه القيود والحدود لكبح جماح هذا الشطح ، ولا أظن أبدا أن هذه الحدود تكون منافية لمعاني الحرية أو الإبداع اللذان يعتبران في الأصل تطبيق واضح  لمراد الله تعالى من خلقه لتعمير هذا الكون الذي نحن مأمورون به..

ونضرب على ذلك مثالا فكما يقولون .."بالمثال يتضح الحال"..، فهب أن رجلا خرج على الناس ينادي بوطء البهائم دون النساء زاعما – بعقله السقيم - أن وطء النساء فيه من امتهان الإنسانية وقهر جسد المرأة المقدس..

أمن أحد على وجه الأرض ممن أوتي العقل والعلم واستقرار النفس يقبل هذا الكلام ، محال أن يكون هذا بل من المؤكد أن الناس عوامهم وعلمائهم متدينهم وفاجرهم من اتبع دينا ومن ليس على دين - ولكنهم يملكون العقل بالمعنى الفلسفي المتزن المستقر -  بالطبع سيرفضون هذا النداء المنحط أشد الرفض وسيرمون صاحبه بالجهل والخبل والجنون وربما في بعض المجتمعات خاصة المتدينة سيعاقبونه قانونيا وذلك لخرقه قداسة العقل البشري المنزه عن الخسائس ولكسره حاجز الاحترام الإنساني الذي ورثه الناس عبر العصور..

 

ما الذي حرك إحساس الاشمئزاز بداخلنا إنها تلك الضوابط والقيود التي ذكرناها ، وقد تختلف تلك الضوابط من حيث الشكل أو المنبع فمنها ما هو مستمد من الدين ومنها ما هو مستمد من العرف والتقاليد الاجتماعية ومنها ما هو محفور داخل صدورنا ونفوسنا دون أن نعلم لها سميا ، إن هذا النوع الأخير من القيود إنما هو المعنى الحقيقي لقول الله تعالى .."فطرة الله التي فطر الناس عليها"..تلك الفطرة التي تربينا عليها وتكمن بداخل صدورنا دون تسمية أو تصنيف لها ولذلك تجده سبحانه وتعالى يلحقها ب" الناس" جميعا وليست تلك الفطرة قاصرة على قوم دون قوم أو جنس دون جنس أو حتى أصحاب العقائد والأديان دون غيرهم ، إن هذا المعنى السامي للفطرة والتي كانت أحد أهم القيود والضوابط التي جعلت الإنسان عبر العصور جنس مختلف عن الخلق ، جنس يتصف بالتكريم حقا عن باقي الخلق ، إن هذا القيد الرباني هو المعنى الأعظم في قول الله تعالى .."ولقد كرمنا بني ادم"..فلقد كرمه سبحانه بهذا العقل المحترم الذي جعله تحت رقابته الربانية الرحيمة حين وضع تلك الفطرة السليمة بداخل الإنسان ليجعله على طريق مستقيم ولا ينحرف فيتصور انه كسر حاجز البشرية من المقيد إلى المطلق..

إن هذه الحالات الشاذة من العقول المريضة الشاحبة قد وجدت عبر العصور ولم تغير من الشكل العام للحياة شيئا فمن الناس عبر التاريخ من نادى بأشياء خسيسة وتبعه عليها بعض أصحاب النفوس الرديئة والعقول العليلة..

كمن قال قديما إن العري هو الأصل الذي وجد عليه الإنسان حين ولد وعلى هذا فلابد على الناس أن يسيرون عراة كما ولدوا على فطرتهم ، وحتى يومنا هذا لم تؤثر تلك الدعاية في نفوس الناس ، بل تجد على العكس أقواما لا يدينون بدين أصلا يتباهون بين بعضهم باللباس والكساء..

نعم قد تجد في يومنا من الناس من يخلعون رداء الحشمة ويسيرون في الطرقات كالعراة كم أخبر بهم سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ولكن هذا لا يغير أبدا القاعدة الأصيلة التي فطر الله الناس عليها حين قال سبحانه .."يا بني ادم خذوا زينتكم.." وقوله تعالى.."قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم.." ، فأمرنا سبحانه بالزينة في اللباس وأمرنا بستر السوءة  والعورة إذ أن هذا الأمر هو الذي يتماشى مع النفوس والفطرة الطاهرة النقية..

 ودليل هذا قصة سيدنا آدم عليه السلام حين خالف أمر الله وأكل من الشجرة فاظهر الله سوءته هو وزوجته عليها السلام – ولما كانا عليهما السلام يتصفان بالفطرة النقية الطاهرة التي وضعها الله في عباده فضلا عن كون أحدهما نبي والآخر زوج نبي – كان أول ما فعلوه بعد انكشاف عورتهم أن شرعا في ستر عوراتهم التي ظهرت دون أي أمر رباني  أو أي عرف اجتماعي ولكنهم فعلوا هذا بناء على تلك الفطرة النقية ويصف لنا القران الكريم هذه القصة أعظم وصف وبأجل بلاغة حين قال سبحانه وتعالى .."فلما أكلا منها بدت لهما سوءتهما وطفق يخصفان عليهما من ورق الجنة"..

وتأمل قوله تعالى.."فطفق يخصفان عليهما من ورق الشجرة"..لقد أسرعوا في إخفاء عوراتهم قبل أي شيء وربما في ذلك الوقت لم يكن حولهما احد ليرى سوءاتهما ولكنه المحرك الرباني الذي بداخل بني الإنسان الذي يحركه في اتجاه المألوف والمعقول الذي يحميه من كل شطط قد يقع فيه والذي يجعله يعيش مع هذا العالم بتناغم وتوافق ، انه الضابط العقلي الإلهي الذي كمن فيه معنى التكريم والعزة وعلو المكانة لبني ادم عن غيرهم من المخلوقات الأخرى في كون الله..           

أما هؤلاء السفهاء المنادين بالسفه والجهل وأتباعهم من أصحاب العقول الناقصة لن يستطيعوا أن يغيروا فطرة الله التي فطر الناس عليها ، ولتعلم يقينا أنه ما يكون في كون الله إلا ما أراد ، ولقد اخبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء المرضى  فليس من الغريب أن نراهم في حياتنا أو أن نرى لهم أنصار وأتباع ، ولابد علينا ألا نتخوف أبدا من وجود هؤلاء بيننا بل لابد علينا أن نعلم الناس وأن نرسخ في قلوبهم معنى الفطرة الإلهية قال تعالى.."قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث"..فلا تحزن لوجود الخبث في الحياة الدنيا ولكن لابد ألا تظن أبدا أن الخبث لو كثر أصبح أشد قوة وسلطانا من الطيب والنقاء والطهر..

 

 

لقد خلق الله هذا الكون كله بكل ذرة فيه وكان من وراء هذا الخلق حكمة بالغة ، ومن الناس من فتح الله عليه بالعلم والمعرفة وفتح له فتوح العارفين الواصلين إليه سبحانه ففهموا مراد الله من خلقه وعاشوا لكي يحققوا هذا المراد ، ولقد ضرب لنا الجيل الأول من المسلمين أعظم المثال الذي يحتذي به في هذا المقام فتراهم رضوان الله عليهم وقد نشئوا في مدرسة سيد الخلق وسيد المعلمين صلى الله عليه وسلم علمهم كيف يعيشون في هذه الحياة علمهم كيف ينظرون في خلق الله فيعلموا ما مراد الله من خلقه علمهم عليه الصلاة والسلام كيف يتعاملون فيما بينهم ومع غيرهم من ذوي الملل والألوان والأجناس والعقائد المختلفة ، كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالا بديعا لنموذج المجتمع الكامل المتكامل فضلا عن كون كل واحد منهم أمة بأسرها..

لقد نشأ هذا الجيل العظيم في مدرسة تجسدت فيها كل معاني القيم الواضحة ، لم يكونوا فقط متعلمين لنظريات تسطر في صفحات وليس لها نصيب من الواقع المعاش ، لم تعرف البشرية قبلهم ولا بعدهم مجتمعا أو جيلا عبر العصور جاء ليعلم الناس جميعا كيف يكون التطبيق العملي للنظرية المستقيمة..

ولما كان هذا المجتمع هو الأنموذج الحقيقي لإنشاء هذه الحضارة الخالدة الباقية أمد الدهر ، كان لزاما علينا أن ندرس ونفكر ما سمات وصفات هؤلاء الرجال ، كيف استطاع هذا الجيل أن ينقل نفسه وأهله من حياة البادية الجافة القاسية إلى حياة تملؤها العبقرية والسماحة والرقي الاجتماعي والنفسي والخلقي ، كيف استطاعوا أن يرقوا بأنفسهم من ظلمات الوثنية العمياء إلى أنوار التوحيد التي تجلت أمامهم في ذات رسول الله العظيم صلى الله عليه وسلم ، ما الذي جعل هؤلاء العمالقة أن يتحولوا من وحشية الكفر إلى لذة الإيمان وبرده وسلامه ، ما الذي جعلهم يتبعون هذا النبي العظيم على أمر لم يألفه احد منهم من قبل ، لقد كان العرب يرتعون في ملاعب المادية الهزيلة ، كانوا يعبدون آلهة من صنع أيديهم ، كانوا يعيشون في الجحيم ذاته ، لم يكن أبدا لهذا الدين الخالد أن يدخل نفوسهم وقلوبهم إلا من خلال طريق ممهد ، كان لابد من قطع طريق سهل وقصير للوصول إلى الغاية المنشودة وهي الإيمان بالله وحده..

وجدير بالذكر أن نذكر احد أهم صفات أهل البادية وهي صفاء العقول من التراكمات الحياتية المدنية التي يحياها أهل المدن ، إن أهم ما يميز العقول الصافية غير المركبة هو انك تستطيع أن تصل من خلالها إلى قلب أصحابها ، وهذا هو ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد كان دائما يدعوا قومه إلى دعوته بطريقة تتسق مع صاحب لب عميق صافي فكان صلى الله عليه وسلم يعلمهم فيقول.." إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق..".. ومن على وجه هذه الأرض ممن يملكون عقول مطمئنة متزنة يختلف مع هذه الدعوة؟! ، كان يعلمهم قائلا.." أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه خمس مرات في اليوم والليلة أيبقى من درنه شيء ؟ فيجيب ذوي الألباب: لا يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام: هكذا الوضوء للصلاة ".. كان صلى الله عليه سلم يرقى بهم وبعقولهم قائلا.." أتعلمون ما الحياء".. فتترقب العيون وتنتبه العقول الواعية منتظرة إجابة تتسق مع عقل خالطه الصفاء ، فتأتي الإجابة على لسان نبي عظيم صادق فتدخل إلى عقل صحابي عالم فيترسخ المعنى بداخله ثم يهيمن هذا العقل الواعي على حواسه وقلبه وجوارحه فيستطيعون بذلك تطبيق المراد على أرض الواقع بشكل حضاري رقى إلى درجة لم تشهده أمة من قبل عبر التاريخ ، والإجابة العظيمة هي .." إن الحياء من الله هو أن تحفظ العقل وما وعى.."..

 انه منهج علمي عميق في مقام التربية والتعليم يعتمد على عقل مستنير – معلما ومتعلما –  فتراه عليه صلاة ربي وسلامه يسألهم بسؤال عقلي محض ويجعل العقل هو الذي يقر تلقائيا بصحة الدعوة ، فتستقر الدعوة في النفوس استقرار جذر الشجرة العتيقة في طبقات الأرض العميقة فلا يسهل أبدا اقتلاعها إلا بجهد وعناء يكادان أن يصلا إلى مرحلة المحال , ويكفي من الفخر لهذا الجيل العظيم أن ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز بأجل الصفات وأعظمها حين قال سبحانه " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه..." حقا كانوا صادقين مع أنفسهم ومع ربهم فأوفوا بوعودهم وهل تأتي تلك العظمة إلا من أولي الألباب و أصحاب العقول رضي الله عنهم جميعا وجمعنا بهم في جناته جنات الخلود..آمين.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق