]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

يَوْمُ الجُمُعَةِ .. ( قصة قصيرة )

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-02-03 ، الوقت: 11:02:49
  • تقييم المقالة:

 

 

 

غَصَّ المسْجِدُ بالمُصلِّين ، وبَدا أغْلبُهم مُنَكِّسي الرُّؤوسِ ، بيْنما وقفَ آحادٌ منهم ، مُتفَرِّقين في أنْحاءِ المسجد يُؤَدُّون ركْعتَيْ تَحيَّةِ المَسْجدِ ، أمَّا الإمامُ فقدْ جَلسَ في مِحْرابِه يُتمْتِمُ بآياتٍ من الذِّكْر الحكيمِ .

ثم أذَّن المُؤذن ، ووقفَ الجَميعُ ، وأدَّوا النَّافلةَ ، وصَعدَ الإمامُ المِنْبرَ ، وحَمدَ اللهَ وأثْنى عليه ، وصلَّى على سيِّدنا مُحمَّدٍ ، فتعالتِ الأصْواتُ بعبارة : « في العالَمين إنك حميدٌ مجيدٌ » ...

ثم شَخصتِ الأبْصارُ ، وأَصْغتِ الآذانُ ، فقد كان الإمامُ يخْطبُ  خُطْبةَ الجُمعة ، فلا تكادُ تسمع بين فقْرةٍ وفقرةٍ إلاَّ نِداءَيْ : « يا أيَّها المُؤْمنون » .. و« يا أيَّها المسلمون » ... مَتْبوعَيْن بـ « قال اللَهُ تعالى » .. و« قال رسولُ اللَهِ » ...

وعِنْدَ الانْتهاءِ من الخُطبةِ الثَّانيةِ نزلَ الإمامُ من المِنْبر ، وشَرعَ المصلُّون يُسَوُّونَ الصُّفوفَ ، ويتَراصُّونَ ، الكتفَ بالكتفِ ، والقدمَ بالقدمِ ، وجَهَرَ الإمامُ بالتَّكْبيرِ ، وجعلَ الجميعُ يقْتدون به في صَلاتِه ، وما هيَ إلا دقائق حتَّى رَجَّتِ الصُّفوفُ بالسَّلامِ ، وقُضِيَتِ الصَّلاةُ ، فشرَعَ القوْمُ ينْتشرون مثْلَ الجَرادِ ، ويتَسابقون إلى الأبْوابِ ، ويتَدافعون بالمناكِبِ والأَذْرُعِ ، وبعْضُهم أَخْرَجوا من جُيوبهم هواتفَهم ، وفتَحوا شاشاتِها الصَّغيرةَ ، كَيْ يتفقَّدوا المُكالماتِ والرَّسائلَ ، وانْدفَعَ بعْضُهم إلى سيَّاراتهم يُحاولون أنْ ينْطلقوا بها منَ الزِّحامِ ، ووقفَ آخرون عند باعَة الخُضَرِ والفَواكهِ يشْترونَ منهم ويُساوِمونهم ، وانْشغلَ أفْرادٌ بأحاديثَ جانبيَّةٍ ...

وفَجْأةً تَعالى صراخٌ من رَجُلٍ كانَ واقفاً عند بائع اللَّبنِ ، والْتفتتْ إليه الأنْظارُ ، وهو يشُدُّ بخِناقِ اللَّبانِ ، ويُريقُ على صدْره قنِّينةً مَمْلوءةً باللَّبنِ ، وينْعَتُهُ بالغشَّاشِ ، واللَّبانُ ينْتفِضُ ، ويُحاولُ أنْ يتخلَّصَ منه ، ويقْذِفُه بعباراتٍ نابِيةٍ ، وشَتائمَ مُقْذِعةٍ ، ثم اشْتبكا في عِراكٍ ، بُودِلَت فيه اللَّكماتُ ، والرَّكلاتُ ، والصَّفعاتُ ، وفاحِشُ القوْلِ ، حاولَ البَعْضُ أن يفُضُّوا النِّزاعَ ، ويَحُولُوا بيْن الرَّجُلين ، غيْر أنَّ المُتنازِعيْن غلَتِ الدِّماءُ في عُروقِهما ، وظَلاَّ مُلْتَحِمَيْنِ مَعاً ، ونَهَرا كُلَّ من يقْتربُ منْهما ، وأنَّ الأمْرَ يعودُ إليْهما وحْدَهما فقَطْ ، فما كانَ منْ أَغْلبِ الحاضرين إلاَّ أنِ انْصرَفوا عنهما ، وسخَطوا ، ولَعَنوا ...

وفي تلك اللَّحْظة زَعقَ كَهْلٌ ، ونادَى بأَعْلى صَوْتِه ، مُشيراً إلى شابٍّ ، قد انْطلَقَ مُسْرِعاً بَعيداً عن الجُموعِ القليلةِ :

ـ امْسِكوه .. امسكوه ... لقد سَرَقَ هاتِفي ... !!

غيْرَ أنَّ الشابَّ اخْتفى ، في لَمْحِ البَصرِ ، في زُقاقٍ ضيِّقٍ كانَ قريباً مِنْه .

ومَشى الجميعُ ، وكانتْ أنْغامٌ تَصْدحُ منْ بُيوتٍ ، وحواراتٌ لأَشْخاصٍ بَدا أنهم مُمثِّلون في أفْلامٍ أوْ مُسلْسلاتٍ ، وتَعْليقاتٌ متَنوعةٌ خرجتْ من أَلْسنةِِ مُذيعين ، يُطلُّونَ منَ القنواتِ الفَضائيَّةِ ...

وشَقَّ المكانَ رَجلٌ وامْرأةٌ ، كان يَسيرانِ مُلْتصِقَيْن ، ويَتناجَيان ، ويَضْحَكانِ ...

وكانت ناهِدٌ بذِراعيْن بيْضاويْنِ تَقِفُ في شُرْفةِ منْزلٍ ، تَنْشرُ غَسيلاً مُلَوَّناً لِقِطَعٍ مُثيرَةٍ من الثِّيابِ ، فاشْرَأَبَّتْ إليْها الأَعْناقُ ، وَطارَتْ في الجَوِّ تنْهيداتُ : « اللهُ أَكْبر ... » !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • Fairouz Attiya | 2014-04-04
    صورة مزدحمة صديقي العزيز و لكنها حقيقية فالناس يوم الجمعة حالهم يسترعي الانتباة، تنقضي الصلاة منهم بسرعة شديدة و يقضونها لتسديد الخانات حتى انك لو سألت أحدهم ماذا قال الشيخ انفاً لربما عجز عن اجابة السؤال......
    تحياتي صديقي العزيز

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق