]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

العلامة السمنودى (رحمه الله)

بواسطة: د. خالد سرواح  |  بتاريخ: 2013-01-31 ، الوقت: 18:12:41
  • تقييم المقالة:

         منذ ما يزيد عن أربعة أعوام وقبل رحيل العلامة السمنودى (رحمه الله تعالى) بأيام قليلة كتبتُ هذه المقالة تحت عنوان "العلاّمـة السـمنودى (1915- )... وهل يموت أولاً...؟!" وأرسلتها لصحيفة الأهرم لنشرها للفت الانتباه لعالم كان يُعد وقتها بحق أعلم أهل الأرض بأحكام التجويد والقراءات... أرسلتها بُغية الانتباه لرجل ملأ الأرض بعلمه وكتبه التى فاقت الخمسين كتاباً وتتلمذ على يديه علماء الدنيا فى شتى بقاع الأرض فى علم القراءات. وللأسف الشديد  رحل الرجل العالِم وبالتأكيد لم تُنشر المقالة لأسباب عدة أهمها أن لا كاتب المقالة معروف ليُنشر له ولا المكتوب عنه مألوف (فى ظل نظام لم يقدر العلم ولا العلماء) ليُقرأ عنه.   

         لقد اعتدنا فى أن نتذكر العلماء ونبكيهم، بل ونطلق أسماءهم على أحياءٍ وحوارٍ، فقط بعد أن يرحلوا عن عالمنا. فنحن لا نقدرهم فى حياتهم وكأننا نحقد عليهم أو نستكثر عليهم تكريما بسيطاً على انتاجِ غزيرِ. ومن الغريب—والمألوف أيضاً عندنا—أن هذا الظلم والإبخاس لا يحدث إلا مع علماء الدين؛ إذ إننا لا نراه يحدث مطلقاً مع أهل اللهو والمغنى والرقص الذين يطلقون على أنفسهم "أهل الفن." فالعالِمُ عندنا يُكرم فى حياته إذا كان معروفاً إعلامياً؛ وإذا كانت الأضواء غائبة عنه فى حياته، يُنتظر حتى وفاته وهنا فقط تلتفت إليه أقلام الكتاب—الذين يشعرون بوخز الضمير—لتكتب عن العالم من خلال فكره وتراثه الذى خلفه وراءه. فهم إن أنكروه فى حياته فلن يستطيعوا إنكار تراثه بعد مماته. هنا فقط يتم الانتباه للرجل الذى لم يكن قد انتبه إليه أحد فى حياته وكأن هذا بمثابة تأكيد لما قد سبق أن نوهتُ عنه بمقالٍ سابق وهو أن المرء لا يُعرف فى عصره. فهل يموت العالِمُ أولاً حتى يُذكر اسمه وينعت بالراحل الذى يستحق ويستحق التكريم؟!

            إذا عرف القارئ أن العالم والرمز الذى أتحدث عنه اليوم هو العلامة السمنودى رحمه الله تعالى (1915-2008) لاتفق معى فيما ذهبت إليه ووقف احتراماً وتبجيلاً لمجرد ذكر اسم الرجل. فلا أعتقد أن هناك مثقفاً واحداً فى العالم الاسلامى يجهل من هو العلامة السمنودى. أما إذا جهل المثقف هذا الاسم، فقد غابت عنه صفته. يعتبر الشيخ إبراهيم على على شحاتة السمنودى الشافعى المصرى—المعروف بالعلامة السمنودى والمولود بسمنود بمحافظة الغربية فى يوم الأحد 22 من شعبان عام 1333هـ الموافق 5 يوليو عام 1915م—أعلم أهل الأرض بتجويد القرءان الكريموأحكامه. لقد ظل هذا العالم الجليل (رحمه الله) أستاذاً للتجويد والقراءات بالأزهر الشريف خمسة وعشرين عاماً حتى أحيل للتقاعد، كما كان عضواً بلجنة تسجيل المصاحف القرآنية المرتلة لمشاهير القراء فى مصر، أمثال الشيخ الحُصرى والشيخ مُحمد صديق المنشاوى والشيخ مصطفى اسماعيل والشيخ عبدالباسط عبد الصمد رحمهم الله أجمعين.

        أما الذين قرأوا عليه أو  حصلوا منه على إجازات فى التجويد والقراءات فهم كُثر ولا يتسع المجال لذكرهم، لكنى أذكر منهم على سبيل المثال الشيخ رزق خليل حبة (رحمه الله) شيخ عموم المقارئ المصرية، والشيخ عبدالفتاح المرصفى (رحمه الله) صاحب كتاب هداية القارئ إلى تجويد كلام البارئ، والشيخ محمود حافظ برانق (رحمه الله) رئيس لجنة مراجعة المصحف سابقاً، والشيخ محمود أمين طنطاوى وكيل مشيخة المقارئ، والشيخ عطية قابل نصر عميد معهد القراءات الأسبق، والشيخ محمد عبدالدايم خميس (رحمه الله) عضو لجنة المصحف، والشيخ محمد تميم الزعبى صاحب التحقيقات العديدة، والشيخ عبد العظيم الخياط (رحمه الله) الشيخ سعد سرواح (والدى)، من كبار محفظى القرءان الكريم وصاحب كتاب إفهام البيان فى تجويد القرآن، ود. أيمن سويد صاحب التحقيقات العديدة، وغيرهم الكثيرين.

         وإذا كان هؤلاء هم تلاميذ العلامة السمنودى، فمن يكون أساتذته إذن؟ من يبحث فى السيرة الذاتية للعلامة السمنودى يجد أن هناك عدداً من المشايخ مثلوا، كل بدوره، نقاط تحول فى حياته. من هؤلاء المشايخ الشيخ على قاوون والشيخ محمد أبو حلاوة والشيخ السيد عبدالعزيز عبد الجواد والشيخ محمد أبو رزق والشيخين السيد متولى القط ومحمد الحسنى والشيخ عبد الرحيم الحيدرى والعلامة الشيخ محمدعلى الضباع رحمهم الله أجمعين.

 حفظ العلامة السمنودى القرءان الكريم برواية حفص عن عاصم وهوابن عشر سنين على يد الشيخ على قانون المحفظ بكتاب القرية وقتئذ، كما ختم القرءان الكريم خمس مرات برواية حفص عن عاصم على الشيخ محمد أبو حلاوة الذى أخذ عنه التجويد فى الختمة السادسة والذى أشار عليه بحفظ الشاطبية التى حفظها العلامة فى سنة ثم قرأ بموجبها القراءات السبع فى سنة أخرى على نفس الشيخ رحمه الله. أما الشيخ السيد عبد العزيز بن عبدالجواد، فقد قرأ عليه العلامة الدرة المضية فى القراءات الثلاث للإمام ابن الجزرى ثم قرأ عليه ختمة بالقراءات العشر. بعد ذلك بدأ العلامة السمنودى فى تحصيلبعض العلوم الشرعية والعربية. فقد تلقى الفقه الشافعى والعلوم الشرعية على الشيخ محمد أبو رزق، كما درس النحو على الشيخين السيد متولى القط ومحمد الحسنى. أما الشيخ عبد الرحيم الحيدرى الذى كان مدرسا بكلية اللغة العربية آنذاك، فقد درس عليه العلامة الكافى فى علم العروض والقوافى.

وبعد أن رحلالسمنودى إلى القاهرة وهو فى الثامنة والعشرين من عمره، امتُحِنَ وأصبح شيخاً لإحدى مقارئ القاهرة،وكان ذلك سنة 1944م وكان الشيخ العلامة محمدعلى الضباع رحمه الله رئيس لجنة الاختبار التى امتُحِنَ أمامها السمنودى حينماقدم إلى القاهرة. وكان كلما سأل العلامةُ الضباعُ العلامةَ السمنودى فى الطيبة أجابه بما فى تحريرات الشيخ الطباخ فأعجببه جداً، وأشار عليه بحفظ  فتح الكريم فى تحرير أوجه القرآن العظيم  للعلامةالمتولي (رحمه الله) من طريق الأزميري، فعكف شيخنا عليها حفظاً ودراسة على الشيخحنفى السقا، الذى بينه وبين المتولى فى السند رجل واحد: وهو الشيخ خليلالجناينى، ومكث عنده أربع سنوات: أخذ عنه فيها القراءات العشر من طريق طيبة النشر،ثم القراءات الأربع الزائدة على العشر المتواترة.

للعلامة السمنودى العديد من المؤلفات التى لا يتسع المجال للتعليق عليها أو حتى ذكرها كاملةً. لذا أذكرُ منها: التحفة السمنودية فى تجويد الكلمات القرءانية، بهجة اللحاظ بما لحفص من روضةالحفاظ، لآلئ البيان فى تجويد القرءان، مرشدالإخوان إلى طرق حفص بن سليمان، ضياء الفجر فيما لحفص أبى عمرو، موازين الأداء فى التجويد والوقف والابتداء، حل العسير من أوجه التكبير، الموجز المفيد فى علم التجويد، أمنية الولهان فى سكت حفص بن سليمان، المعتمد فى مراتب المد، تحقيق المقام فيما لحمزةعن السكت العام، إتحاف الصحبة برواية شعبة، وغيرهم الكثير والكثير مما يُعد مراجع لا غنى عنها فى تعلم وتعليم القرءان الكريم ومعرفة أحكام تجويده كما أراده الله عز وجل منا.  

         وبعد هذه الترجمة المتواضعة لحياة العلامة السمنودى، لى وقفة تأمل. إذا كان من يسيرون فى طريق الشيطان من دعاة الفن والحضارة ويخدمونه بإغواء العباد يومياً—سواء أكان ذلك من خلال شاشات التليفزيون والقنوات الفضائية أو من خلال المهرجانات التى تقيمها الدولة فى كل مناسبة—يلقون كل تكريم بكل مكان يحلون به أويرحلون عنه فى داخل البلد وخارجها، أليس من الأجدر أن الرجل الذى قضى حياته فى خدمة القرءان الكريم وتعليم أحكامه للكثيرين لوجه الله تعالى أن يستحق منا تكريماً؟ حقاً، فإَن مَن يبغى وجه الله لا ينتظر شيئاً من العباد لأن العباد لا يعرفون قدره الحقيقى، ولكن من المنتظر من هؤلاء العباد أن يكونوا أسوياء بما يكفى للإحساس بمثل هذه القيمة الدينية العظيمة. لللأسف الشديد أننا فى أى مكان بصفةٍ عامة لا نعى القيمة الحقيقية للشئ سوى بفقدانه، وفى مصر بصفةٍ خاصة لا ندرك القيمة الحقيقية لعلمائنا إلا برحيلهم! فهل ننتظر حتى يرحل عنا العلامة السمنودى لكى يتم تكريمه؟ أشك. وإن كان شكى مشكوكُ فيه وحصل العالم فعلاً على تكريم بعد رحيله، فماذا عساه التكريم بالله عليك أن يفعل بمن مات؟ أهو استكثار على العالم أن يرى تكريمه فى حياته أم هو حقد عليه لأنه بتكريمه فى حياته يكون قد كُرم على عمل إيجابى وليس على عبث حقيقى؟ وإنى لأنصح ــ إذا سمح لى وضعى بالنصح ــ القائمين على تكريم العلماء بتجنب عادة تكريمهم العلماء بعد رحيلهم خاصةً هؤلاء الذين لم يسبق لهم التكريم فى حياتهم. فالتكريم الدنيوى يتناسب مع الدنيا التى نعيشها، أما فى الآخرة فأحرى بنا أن تتركه للخالق الرقيب الذى يعطى كل ذى قدر قدره. لذا أقول مؤكداً: نعم لقد رحل العلامة السمنودى بالفعل ولم يفرق هذا مع أحد من المسئولين العابثين لأنهم مناطون بتكريم من ملئوا حياتهم لهواً وعبثاً. رحم الله العلامة الشيخ السمنودى رحمةً واسعة ونفعنا جميعاً بعلمه وهدانا على صراطه المستقيم... آمين.  

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق