]]>
خواطر :
شُوهدت البهائم على أبواب مملكة الذئابُ وهي تتنصتُ ... البهائم للذئابُ وهي تتساءل...أهو يوم دفع الحساب أم صراع غنائمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الأمن بين المفهوم الشامل والمفهوم المؤسساتي

بواسطة: توفيق الزرقي  |  بتاريخ: 2013-01-30 ، الوقت: 14:13:22
  • تقييم المقالة:

 

       في ظل تداعيات ثورة 14 جانفي 2011 بالبلاد التونسية والتي كانت منطلق الربيع العربي، إرتأيت أن أتطرق إلى موضوع له من الحساسية والخطورة ما يستحقه من أهمية، ورغم انعكاساته السلبية وتداعياته على الوضع العام بالبلاد ، فقد بقي هاجسا للدولة والمجتمع ، دون التعرض إليه بالدراسة والتحليل من طرف كافة الحساسيات الفكرية ومكونات المجتمع المدني ومؤسساته  وفي مقدمتها الإعلام، الذي ما فتئ منذ قيام الثورة إلى تاريخ الساعة يقدم صورة تفتقد للموضوعية وفيها من المغالطات والتحامل والتجني الشيء الكثير، نتيجة خلفيات وممارسات مرتبطة بالنظام السابق ، لذلك عزمت على إثارة موضوع الأمن سعيا مني للمساهمة في تغيير الصورة النمطية التي ألصقت به.

 

      إن مفهوم الأمن لغة هو الإطمئنان والشعور بالأمان، ومن هذا المنطلق فإن المفهوم الشامل للأمن يمكن تلخيصه في الأمن الإنساني والإقتصادي والإجتماعي والصحي والبيئي والثقافي ، وواجب على الدولة تحقيقه وتكريسه على أرض الواقع، وأعتقد أنه لايختلف إثنان حول هذا المفهوم ، كما أرى في الآية الكريمة من سورة قريش ( فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) خير تفسير لهذا المفهوم ، ولكن المعضلة تكمن في المفهوم المؤسساتي للأمن الذي هو محل جدل يعم كافة الشرائح والفئات الاجتماعية والأوساط السياسية والإعلامية، والذي كون صورة نمطية ومجحفة في حق جهاز الأمن وأفراده.

 

     إن جهاز الأمن الوطني هو في الأصل مؤسسة من مؤسسات الدولة ، وهو جهاز تنفيذي يعنى بالسهر على احترام القوانين والإجراءات الترتيبية المعمول بها بالبلاد ، ومنوط بعهدته حفظ أمن الدولة والحفاظ على استقرار البلاد والسلم الاجتماعي وتأمين سلامة المواطنين والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة والتصدي للجريمة وحفظ النظام ونجدة المواطنين وتقديم الخدمات الإدارية لهم ، كما تتفرع عن هذه الوظائف مهام متعددة ومتنوعة بما يستجيب لطبيعة العمل الأمني، لذلك نرى أن هيكلية جهاز الأمن الوطني تتكون من إدارات اختصاص لكل منها مهامها وأدوارها تصب جميعها في تحقيق أهداف الرسالة الأمنية.

 

     كما أن قواته المعروفة باسم قوات الأمن الداخلي ، هي قوات شبه عسكرية من مبادئها الأساسية الإنضباط وتخضع في القيام بمهامها إلى التسلسل القيادي ، وهو عبارة عن هرم يتشكل من حلقات عليا وهي القيادة  وحلقات وسطى ، وحلقات قاعدة الهرم التي تتلقى التوجيهات والأوامر وفق هذا التسلسل وتتولى تنفيذها وفق خصوصيات مرجع النظر طبق مخططات تحدد فيها المخاطر والتهديدات وضبط أولويات اهتماماتها والخطط المعتمدة لغرض كل مهمة من المهام المنوطة بعهدتها.

 

وتأسيسا على ما سبق ببيانه فإن من وظائف جهاز الأمن الأساسية السهر على احترام قوانين البلاد والتراتيب المعمول بها ويعني أنه في حال خرقها من طرف أي كان وأي جهة كانت إجرامية أو سياسية، تتخذ في شأنه الإجراءات اللازمة وذلك بعد إخطار النيابة العمومية التي تأذن بالتتبع من عدمه وفق ما تراه.

 

    كما أن تعامل الوحدات الأمنية مع المظاهرات غير المرخص لها أو التي تجنح إلى إثارة الشغب وممارسة العنف يتم طبق قانون عدد 4 لسنة 69 بفصوله عدد 20 و21 و22 التي تبيح استعمال وسائل التدخل بالتدرج حسبما يقتضيه الحال بدءا بالتنبيه بواسطة مضخم الصوت ومطالبة المتجمهرين بالتفرق إلى استعمال العصي فالغاز المسيل للدموع إلى استعمال الذخيرة الحية في الهواء ثم فوق الرؤوس ثم على الأرجل فبصفة مباشرة على المتظاهرين إذا أصروا على بلوغ هدفهم وهذه المراحل تخضع للسلطة التقديرية للقائد الميداني دون سواه .

 

    هذا من جهة ، ومن أخرى فإن ما ينسب لجهاز الأمن من كونه أداة قمع استعملها النظام السابق لتكريس استبداده فهذا حسب تقديري مجانب للموضوعية وفيه تجني على جهاز يقدم أفراده التضحيات الجسام فداء للوطن ، ورغم أنه لايمكن إنكار وجود ممارسات انتهجها  النظام السابق تندرج في هذا الإطار على سبيل المثال التضييق على بعض الأحزاب المعترف بها لعرقلة نشاطها، أو سلوكيات وتجاوزات فردية وغير ممنهجة، كما يظن البعض، ويأتي بيان ذلك باعتماد العموميات دون الخوض في التفاصيل مراعاة لواجب التحفظ، على النحو التالي:

 

    ممارسات النظام السابق المتصلة بالعمل الأمني:
    هرسلة بعض أحزاب المعارضة التي كانت تشكل مصدر حرج وإزعاج للنظام وذلك بالتضييق على نشاطها وعرقلته من خلال الملاحقة اللصيقة لقياديها ومنع تمكينهم من الفضاءات لعقد اجتماعاتهم سواء داخل النزل أو بالفضاءات الأخرى. التضييق على النشاط النقابي وملاحقة العناصر اليسارية للحد من التحركات العمالية والإحتجاجية المراقبة اللصيقة والمستمرة لدور العبادة وهرسلة الفئة الشبابية وخاصة منهم المعروفين بانتمائهم لحركة النهضة بالتركيز على العناصر السلفية،مما نجم عنه عزوف المصلين عن ارتياد المساجد خوفا من التتبعات. هرسلة المتحجبات والملتحين وذلك باقتيادهم إلى مقرات الوحدات الأمنية لإجبارهم على التخلي عن مظاهر التدين وجود نوع من الحصانة للمتنفذين ، سواء من محيط العائلة الحاكمة أو من محيط كبار المسؤولين في الدولة ومعارفهم،   تحميهم من التتبعات القانونية
     التجاوزات الفردية :
    تجاوز حدود السلط سوء معاملة المواطن استغلال النفوذ لمآرب منفعية الإرتشاء الطمع الإنزلاقات الإجرامية كالتورط في قضايا تهريب الأشخاص، المخدرات ،الدعارة ، السرقة،العنف..

       وهذه السلوكيات والتصرفات  لا تتعدى السلوكيات الفردية ، وليست ممنهجة من طرف الإدارة كما يعتقد البعض، والحقيقة أن الإدارة تولي مجال التأطير الأهمية البالغة من خلال الأوامر والمناشير الإدارية وملحوظات العمل والتي تتضمن التوصيات الضرورية للرفع من درجة الحس الأمني واعتماد السلوك الحضاري مع المواطن وجودة إسداء الخدمات الإدارية للمواطنين، واجتناب مثل هذه السلوكيات والإنزلاقات التي تمس من صورة الإدارة  وتسيء إلى ناموس السلك ، أو من خلال التأطير الميداني ومراقبة الأعوان بصفة سرية وفجئية باستمرار واتخاذ الإجراءات التأديبية ضد المخالفين، منهم من يتم عزله من طرف مجلس الشرف ومنهم من يتم إحالته على العدالة ويدانون في أغلب الحالات ويتم عزلهم من الوظيف.

 

وهذه السلوكيات والتصرفات اللامسؤولة لايجب تعميمها على كافة أفراد الجهاز ، سواء من شرطة أو حرس وطني، وهم لايمثلون إلا نسبة قليلة ، كما أن مساهمة المواطن السلبية تعد ركنا أساسيا في استشراء مثل هذه السلوكيات بين الأفراد ......

 

ومن هذا المنطلق يمكن تصنيف المنتمين إلى جهاز الأمن إلى ثلاثة أصناف:

 

    صنف مقتنع بنبل الرسالة الأمنية ويتفانى في خدمتها ولا يساومون بشأن مبادئهم النبيلة واستقامتهم ويحرصون على اجتناب الشبهات وكل ما من شأنه أن يسيء إلى ناموس السلك  وهم كثر صنف يرى في العمل الأمني وظيفة يرتزق منها مع قناعة بأنه على قدر الأجر يكون العمل  أما الصنف الثالث ، الذي أضر بسمعة السلك، فهو الصنف الذي اتخذ من انتمائه للسلك مطية للمنفعة الشخصية وجعلها في صدارة اهتماماته ولا يتورع في اعتماد كل الوسائل لتحقيق مآربه ولا يولي للعمل ولا إلى السلك الذي ينتمي إليه أية أهمية تذكر، ونسبة هامة من هذا الصنف ينطبق عليهم المثل القائل " إذا حضر لايستشار وإذا غاب لا ينتظر " وهم غالبا من ضعاف النفوس الذين لا تعنيهم المبادئ في شيء.

     إن أعوان قوات الأمن الداخلي هم من المجتمع التونسي وأبناء هذا الشعب وجلهم من الطبقة المتواضعة ولم يأتوا من الفضاء أو من المريخ " كما ذكرت في موضع آخر" وهم يعملون في أرضية خصبة للإصابة بعدوى الأمراض الاجتماعية ، وإن كنت لا أبرر التجاوزات والسلوكيات  التي يأتيها بعض الأعوان فإني أرى أن لها ارتباط وثيق بالحالة التي هي عليها المجتمع ككل وكيف ما كان المجتمع يكون الأفراد وكل إناء بما فيه يرشح ، وعلى المجتمع أن يصلح ذاته ويتصالح مع قيمه وموروثه الحضاري للإرتقاء إلى مصاف المجتمعات المتحضرة .

 

    إن العمل الأمني عمل شاق سواء على مستوى تعدد المهام أو على مستوى التجهيزات والإمكانيات المادية أو على مستوى طبيعة العمل الميداني والأخطار الجسيمة التي تحدق بأفراده خاصة في ظل التهديدات الإرهابية وحالة عدم الاستقرار التي تشهدها البلاد مقابل راتب زهيد لايستجيب لأدنى مقومات العيش الكريم وبعيد كل البعد عما يقدمه من عمل .

 

    كفانا ظلما لرجال الأمن وقدروا المخاطر التي يتعرضون لها في سبيل خدمة الوطن والحفاظ على أمنه واستقراره ، وفي هذا لآ بد من التطرق إلى المظلمة التي تتعرض له القيادة الأمنية السابقة والقابعة حاليا في السجون لا لشيء إلا لأنهم تولوا تطبيق القانون عدد 4 لسنة1969 الذي تولت السلطة الحالية تفعيله في عديد المناسبات بعد الثورة وآخرها باستعمال " الرش" في أحداث سليانة وأشير في الصدد أن العدل لايستقيم بالظلم.

 

     ولسائل أن يتساءل عمن أكون لأدافع عن جهاز الأمن ورجالاته ، أجيبه بكوني عملت في هذا الجهاز لبضع وثلاثين سنة وتقاعدت خلال الأيام الأولى للثورة ، تقاعدا عاديا وقد دفعتني غيرتي عن هذا السلك الذي  أعتبره مدرسة عظيمة للوطنية والتضحية وحسن التواصل ، لتقديم شهادة وإنارة  الشعب التونسي بكون جهاز الأمن هو مؤسسة دولة وليس مؤسسة نظام ، فهذا السلك أنشئ في عهد الزعيم بورقيبة وعمل مع بن علي ويعمل حاليا مع القيادة الجديدة للبلاد حتى يكف عن التحامل عليه وعلى أفراده ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

توفيق الزرقي

 

 


 

https://www.facebook.com/SocieteCivileVirtuelle?ref=hl


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق