]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كُرَةُ الآدَمِ .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-01-28 ، الوقت: 17:45:57
  • تقييم المقالة:

 

 

طيلة نهائيات كأس إفريقيا للأمم المتحدة ، أَلْغَيْنا رؤوسنا وقلوبنا ، وعَطَّلْنا حواسَّنا الفكرية والنقدية ، وظللنا نفكر بأقدامنا ، ونشعر بسيقاننا ، ونتكلم لغة ليس فيها منطق البشر ، أو حتى منطق الطير .. هي لغة الكرة . وننتفخ بهواء فاسد ، هو هواء الكرة . ولمْ نُلاحظْ في غمْرةِ الفرحِ الجماهيري ، ونشْوةِ النَّصْر الغريزيِّ ، أننا نحن أيضاً مُجرَّد { كرات } تتقاذفها أرجل الساسة ، وتُطَوِّحُها أقدامُ رجال المال والأعمال ، وتنْطحُها رؤوسُ المُلاَّك الكبار ، والمُسْتثْمرين الجشعين ، في ملْعبِ الوطن .

وهم جميعاً يُسجِّلون في شِباكِنا المُمَّزقةِ مزيداً من الفقر ، والاستغلال ، والجشع ، والبطالة ، واللامبالاة ...

مزيداً من الهزيمة الشاملة ، والضعف ، والانهيار ...

مزيداً من البؤس ، والشقاء ، والتشرد ، والتسول ، وبيع الأجساد والضمائر ...

مزيداً من كل ما هو سيء وقبيح ...

ولوْ سجَّلَ مُنْتخبنا مئات الأهداف ، وهَزَّ شِباكَ الفرق الأخرى ، في ميادين كرة القدم ، ولوْ جلَبَ إلى الجامعة الوطنية لكرة القدم الكأس ذاته ، بل ولو جلب كأس العالم نفسه ، فماذا يُفيدُ العِطْرُ إنساناً عرْيانَ ؟

أيها الشعب الهائجُ حَدَّ الهستيريا .. الفَرِحُ حَدَّ الفوْضى ... هل فكَّر أحدُكم في آلاف العاطلين ؟ .. هل فكر أحدكم في عشرات الشباب الغارقين في لُجَجِ اليأس ، وأجْوافِ الحيتانِ ؟ .. هل فكر أحدكم في الفقراء والمساكين ؟ .. هل فكر أحدُكم في الجياعِ والمرْضى ، والذين يَبيتون الليالي القاسية في العراءِ الأقْسى ؟ ...

هل راقب أحدُكم لصوص القطاع العام ، وسماسرة القطاع الخاص ، وخَوَنَة قضايا المواطنين ، وسارقي أحلامهم ومطالبهم ؟

وهل تابعْتُم بنظراتكم الجاحظةِ في الكرة ، التي من الواجب أن تحْمل الغضب النبيل ، بدل هذا الفرح الزائف والزائل ؟

وهل لوَّحْتُم لهم بقبْضاتكُم المُتوعِّدةِ ، وسواعدِكم المُسْتعدَّة ، بدل هذه التَّحيات الكاذبة ، والابتسامات البلْهاء ؟

هل منكم من سُمِحَ له أن يَهيجَ ، ويحْتجَّ ، ضدَّ هؤلاء الفاسدين المُفْسدين ، في بَرِّ الوطن ، وبحْرِه ، وجوِّهِ ؟

من منكم فعل ذلك وعاد إلى بيْتِه سالماً ، أو إلى عمله غانِماً ؟ ...

قبل أن تتحمَّسوا لأيِّ انْتصارٍ ، في ميدان كرة القدم ، تحمَّسوا للانتصار في ميادين أهمَّ وأوْلى .. ميادين تَمسُّ حياتكم ، وتَتعلَّقُ بها أزواجُكم ، وأبناؤكم ، وأجْسادُكم ، ومصائرُكم ...

اطلبوا النصر في اقتصادكم ، واجتماعكم ، وثقافتكم ، ولغتكم ، ودينكم ، وهُويَّتكم ...

اطلبوه ضد الفقر ، والجهل ، والمرض ، والظلم ، والفساد ، والتخلف ...

اطْلبوه ضدَّ أعداء الوطن ، أولئك الأغنياء المبذرين ، إخْوانَ الشياطين ، أولئك المُلاكِ الأنانيين ، والمُسْتثمرين الجشعين ، الَّذين ينْهبونَ خيْراتِ البلادِ ، ويَمْتصُّونَ عرَقَ ودِماءَ العبادِ ...

والآن ، عاد فريقُنا الوطنيُّ ، إلى الوطنِ ، بهَزيمةٍ مُشرِّفةٍ ، أو بشِبْه انْتصارٍ مَهْزومٍ ، وحصلَ كلُّ لاعبٍ على ما حصلَ ، وهُمْ للشهادة يسْتحقُّون ذلك ، على ماذا سنَحْصلُ نحن الأغلبيةَ أيْضاً ؟ .. وماذا سنفعل بعد أنْ أعلنت صَفَّارةُ الحَكَمِ نهايةَ المُباراةِ ؟ ...

كرةُ القدم ستتوقَّفُ إلى مُناسبةٍ قادمةٍ ، وتنظيمٍ آخر ، وسنبْقى نحن الآدميين { الكرة } التي لا تتوقف ؛ كرةً مُغْريةً ، في ملعب الدولة ، تتقاذفها أرجلُ السَّاسة ، في ميادين الاقتصاد ، والاجتماع ، والثقافة ، والتعليم ، والتنمية ، والإصلاح ، والحركات ، والأحزاب ، و.. و... دونَ أن يحققوا أيَّ انْتصاراتٍ شعْبيةٍ ، أو أهدافٍ وطنِيَّةٍ . وسنظلُّ إلى ما لا نعْرفُ شعباً مُنْتفخاً بالهواء .. فقط بالهواء .. !!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق