]]>
خواطر :
فلا تكتُمُنَّ اللهَ ما في نُفوسكم ليَخفَى ومهما يُكتَمِ اللهُ يَعلَمِ يُؤخَّرْ فيُوضَعْ في كتابٍ فيدَّخَرْ ليوم الحسابِ أو يُعَجَّلْ فيُنقَمِ (زهير بن أبي سلمى   (طيف امرأه) . خيبة أمل ، عندما يكتشف الإنسان أنه في محيط تحت خط الصفر ، لا يستطيع الغوص أو السباحة فيه...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

(مَعْبَدٌ) صَغِيراً [قِصَصٌ مِنْ تَارِيخِنا].

بواسطة: أحمد عكاش  |  بتاريخ: 2013-01-26 ، الوقت: 20:58:15
  • تقييم المقالة:

(مَعْبَدٌ) صَغِيراً

 

 بقلم: أحمد عكاش

 

كانَتِ القَافِلةُ الصَّغِيرَةُ فِي طَريقِهَا إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ،

وَعَلى رَأْسِهَا المُغَنِّيانِ الشَّهِيرانِ: (عُبَيْدُ بنُ سُرَيْجٍ) [1]  وَ(الغَرِيضُ)، كانَتْ شُهْرَتُهُمَا قَدْ طَارَتْ فِي الآفَاقِ، وَطَرِبَ لِغِنَائِهِمَا العَامَّةُ وَالأُمَرَاءُ وَالأَعْيَانُ وَالأَثْرِياءُ،

حَتَّى تَأَكَّدَ لَهُمَا أَنَّهُ لا يَقْوَى عَلَى مُنَافَسَتِهِمَا أَحَدٌ،

لكِنَّهَا المَرَّةُ الأُولَى الَّتِي يَأْتِيَانِ فِيهَا (المَدِينَةَ)،

إِذْ أَحَبَّا أَنْ يَتَعَرَّضَا لِمَعْرُوفِ أَهْلِهَا، وَيَزُورَا مَنْ بِهَا مِنْ أَصْدِقَائِهِما مِنْ قُرَيشٍ وَغَيْرِهِمْ،

فَلَمَّا بَلَغَا مَشَارِفَ المَدِينَةِ، تَقَدَّمَا القَافِلَةَ وَسَبَقَاهَا يَبْحَثَانِ عَنْ مَنْزِلٍ مُلائِمٍ،

قَالَ الغَرِيضُ:

-هلْ تَرَانَا سَنَلْقَى الإِكْرامَ وَالتَّقْدِيرَ فِي المَدِينَةِ يَا بْنَ سُرَيْجٍ؟.

قَالَ عُبَيْدُ بْنُ سُرَيْجٍ: أَلا تَرَى أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ بَعْدُ مَنْ يُغَنِّي خَيْراً مِنَّا؟.

قَالَ الغَرِيضُ: أَكْسَبَتْنَا شُهْرَتُنَا مَكَانَةً لَمْ يَبْلُغْهَا أَحَدٌ قَبْلَنَا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟.

تَابَعَ عُبَيْدُ بْنُ سُرَيْجٍ: وَلا أَظُنَّ أَنَّهُ سَيَبْلُغُها أَحَدٌ بَعْدَنا.

نَظَرَ الغَرِيضُ إِلَى الأُفُقِ شَارِدَ اللُّبِّ: إِذَنْ .. يَحِقُّ لِي أَنْ أَحْلُمَ بِالغِنَى وَالجَاهِ فِي مَدِينَةِ الرَّسُولِ r.

قالَ عُبَيْدُ بْنُ سُرَيْجٍ: أَجَلْ .. أَجَلْ، أَنَا عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ المُغَنِّينَ فِي المَدِينَةِ سَيُغَادِرُونَهَا فَوْرَ دُخُولِنَا إِيَّاهَا.

وَافَقَ الغَرِيضُ: مَنْ ذَا يُفَكِّرُ بِمُنَافَسَتِنَا يَا صَاحِبِي؟!.

 حَتَّى إِذَا كَانَا (بالمَغْسَلَةِ)[2]، إِذَا هُمَا بِغُلامٍ مُلْتَحِفٍ بِإزَارٍ[3]،

وَطَرَفُهُ عَلَى رَأْسِهِ، بِيَدِهِ شَبَكَةُ صَيْدٍ، يَتَصَيَّدُ بِهَا الطَّيرَ،

وَهُوَ يَتَغَنَّى بِأَبْيَاتِ شِعْرٍ، بِصَوْتٍ عَذْبٍ رَقِيقٍ صَافٍ كَأنَّهُ تَرْنِيمَةُ حَسُّونٍ،

وَنَغَمٍ مُطْرِبٍ تَتَمَايَلُ لَهُ الأَشْجَارُ، وَتُصَفِّقُ لَهُ المِيَاهُ فِي جَدْوَلِهَا،

سَمِعَ (ابْنُ سُرَيْجٍ) وَ(الغَرِيضُ) هذَا الغِنَاءَ فَطَرِبَا لَهُ طَرَبَاً لَمْ يَبْلُغَاهُ مِنْ قَبْلُ،

لَقَدْ شَغَلَهُمَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا وَأَنْسَاهُمَا مَا قَدِمَا لأَجْلِهِ،

وَهُمَا أَهْلُ طَرَبٍ وَغِنَاءٍ، يُحْسِنَانِ التَمْييزَ بَيْنَ الأَصِيلِ وَالدَّخِيلِ،

فَغِنَاءُ هَذا الغُلامِ قِمَّةٌ شَامِخَةٌ،

فَمَالا إِلَيْهِ حَتَّى إِذَا صَارَا قَرِيباً مِنْهُ، أَلْقَيَا عَلَيْهِ السَّلامَ،

فَتَوَقَّفَ عَنِ الغِنَاءِ، أَلْقَى عَلَيْهِما نَظْرَةً عَجْلَى، وَرَدَّ السَّلامَ،

وَعادَ إِلَى شَبَكَتِهِ يَنْصِبُهَا دُونَ اكْتِراثٍ، فَقالَ لَهُ عُبَيْدُ بْنُ سُرَيجٍ:

-مَا اسْمُكَ يَا غُلامُ؟.

أَجَابَ الغُلامُ دَونَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ إِلَى مُحَدِّثِهِ: أَنَا مَعْبَدٌ.

قَالَ لَهُ الغَرِيضُ: كَانَ غِنَاؤُكَ رَائِعاً يا مَعْبَدُ.

قَالَ مَعْبَدٌ وَهُوَ لا يَزَالُ مُنْهَمِكاً بِنَصْبِ شَبَكَتِهِ: أَشْكُرُ لَكَ إِطْرَاءَكَ يَا سَيِّدِي.

قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَهُوَ يَهُمُّ بِالجُلُوسِ قُرْبَ مَعْبَدٍ:

-أَتَسْمَحُ لَنَا بِالجُلُوسِ مَعَكَ سَاعَةً يَا مَعْبَدُ؟!.

قَالَ مَعْبَدٌ غَيْرَ مُبَالٍ: مَا أَرَاكَ إِلاَّ قَدْ جَلَسْتَ يَا سَيِّدِي.

الغَرِيضُ: مَا صَنْعَتُكَ يَا مَعْبَدُ؟.

حَدَّدَ (مَعْبَدٌ) النَّظَرَ فِي (الغَرِيضِ) مُسْتَنْكِراً وَقَالَ:

-مَا صَنْعَتِي؟ كَمَا تَرَى، صَيَّادُ طَيْرٍ.

الغرِيضُ: عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذا الغِنَاءَ يَا مَعْبَدُ؟.

مَعْبَدٌ: لَسْتُ آخُذُهُ عَنْ أَحَدٍ، هُوَ مِنْ غِنَائِي.

ابنُ سُرَيجْ: مَاذَا لَوْ أَعَدْتَ لَنَا هَذَا الصَّوْتَ يَا بُنَيَّ ؟ فَلَقَدْ سَحَرَنِي غِنَاؤُكَ.

مَعْبَدٌ: حُبّاً وَكَرَامَةً يَا سَيِّدِي.

وَجَعَلَ مَعْبَدٌ يُغَنِّي، بِحِذْقٍ وَصَنْعَةٍ يَعْجِزُ عَنْهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ وَالغَرِيضُ مَعاً،

وَجَعَلَ الرَّجُلانِ يَتَمَايَلانِ مَعَ اللَّحْنِ، تَعْلُو رُوحَاهُمَا مَعَهُ إِذَا عَلا،

وَتَنْخَفِضَانِ مَعَهُ إِذَا انْخَفَضَ، وَاسْتَبَدَّ بِهِمَا الطَّرَبُ،

وَسَمِعَا شَيْئاً لَمْ يَسْمَعَا مِثْلَهُ أَبَداً،

فَأَقْبَلَ (ابْنُ سُرَيْجٍ) عَلَى صَاحِبِهِ فَقَالَ: هَلْ سَمِعْتَ كَاليَوْمِ قَطُّ؟.

فَقَالَ الغَرِيضُ: لا وَاللهِ، فَمَا رَأْيُكَ؟

قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: هَذَا غُلامٌ يَصِيدُ الطَّيْرَ، وَيُغَنِّي بِمِثْلِ هَذِهِ الرَّوْعَةِ،

فَكَيْفَ بِمَنْ فِي المَدِينَةِ؟!.

قالَ الغَرِيضُ: أَمَّا أَنَا فَرَاجِعٌ- فَثَكِلَتْهُ أُمُّهُ - إِنْ لَمْ أَرْجِعْ.

ابنُ سُريْجٍ: أَرَى هَذَا أَحْفَظَ لِكَرَامَتِنَا، هَلُمَّ.

فَكَرَّا رَاجِعَيْنِ، وَلَمْ يَدْخُلا المَدِينَةَ.

انتهت

 

[1]- (أَبُو يَحْيَى عُبَيْدُ بنُ سُرَيْجٍ) مَنْزِلُهُ بِمَكَّةَ، وَقِيلَ: كَانَ أَبُوهُ تُرْكِيّاً، غَنَّى في زَمَنِ (عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) tوَعاشَ خمَسْاً وَثَمَانِينَ، مُنْقَطِعاً إِلَى (عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرَ)، لا يُغَنِّي إِلاَّ مُتَنَقِّباً، مُسْبِلَ القِنَاعِ عَلَى وَجْهِهِ مُرْتَجِلاً يُوَقِّعُ بِقَضِيبٍ، يَضْرِبُ بِالعُودِ؛ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ بِهِ عَلَى الغِنَاءِ العَرَبِيِّ بِمَكَّةَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ رَآهُ مَعَ العَجَمِ الَّذِينَ قَدِمَ بِهِمُ (ابْنُ الزُّبَيْرِ) لِبِنَاءِ الكَعْبَةِ، مَاتَ في خِلافَةِ (هِشَامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ).

[2]- المَغْسَلَةُ: هِيَ مَوْضِعٌ فِي طَرَفِ المَدِينَةِ تُغْسَلُ فِيهِ الثِّيابُ.

[3]- مُلْتَحِفٍ بِإزَارٍ: مُتَغَطٍّ بِقِطْعَةِ قُمَاشٍ.

انتهى

 


من كتاب:

قِصَصٌ مِنْ تَاريخنا

تأليف: أحمد عكاش

دار الإرشاد للنشر - حمص - سورية.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق