]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مستقبل اليمن بين المنظور والمتوقع

بواسطة: منشد الوادي  |  بتاريخ: 2011-09-04 ، الوقت: 10:38:30
  • تقييم المقالة:

 

مستقبل اليمن بين المنظور والمتوقع الدكتور منشد الوادي الشمري ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يعاني اليمن من تحديات كبيرة على أكثر من صعيد لقد كان الوضع في اليمن لفترة طويلة مهيئا لولوج هذه المرحلة الحساسة من تاريخه نتيجة التراكمات السياسية الخاطئة والإهمال الإقليمي لهذه الدولة ذات الأهمية الإستراتيجية ،مما جعلها منطقة هشة في خاصرة الجزيرة العربية ومكمنا لأخطار عدة لا يمكن التنبؤ بمآلاتها وتداعياتها على المنظومة الخليجية      لقد ثارت الشعوب العربية لتغيير أنظمتها ونجحت لكنها ستحتاج إلى ألف ثورة لتغير واقعها، لقد رفعت الثورات العربية شعارات الحرية ،والكرامة التي سلبت من المواطن العربي ،وبعد النجاح الباهر الذي حققته هذه الثورات ،لا شك أن المنطقة العربية ستدخل دوامة كبيرة سواء في البلدان التي حصل فيها التغيير أم في البلدان التي لم يحصل فيها التغيير ،واليمن واحد من هذه البلدان التي تعيش مخاض التغيير الذي سيكون تغييرا يكرس الواقع المأزوم أكثر مما يعالج المشاكل الحقيقية التي تواجه هذه الدولة وهي مشاكل كثيرة ،أهمها الموارد الطبيعية المحدودة بشكل كبير وارتفاع نسبة السكان (24 مليون نسمة) ،حتى ذهب بعض المراقبين إلى القول أن اليمن يواجه خطر تحوله إلى دولة فاشلة ،وقد جاء تصنيف اليمن في المرتبة (140) من بين (182)دولة في فهارس الأمم المتحدة للتنمية البشرية للدول الأكثر فقرا ،بالإضافة إلى النمو السريع للسكان مع قلة الموارد وتفشي المخدرات التي تستنزف الاقتصاد ،وتدني ثقافة الإنتاج والعمل ،وخطر الانفصال ،والحروب الأهلية والنزاعات القبلية ،وضعف الدولة ،كل هذه المشاكل جعلت اليمن تعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية ([1])،إن وضع اليمن هو صورة حية لغياب المشروع الاستراتيجي لدول الخليج العربية مما جعل هذه الدولة مصدرا للقلق فيما يمكن أن تنتجه الأحداث  من تداعيات على الإقليم عموما ،فبدل أن تكون اليمن عمقا استراتيجيا لدول الخليج العربية ومنطقة جذب للاستثمار الحقيقي البناء للمنطقة ؛ تحولت إلى هم كبير ومشكلة إضافية ليس لدول المنطقة فحسب بل على  الولايات المتحدة التي يساورها  الكثير من القلق حول ما يشهده اليمن من أوضاع فيرى الخبراء الأميركيون أنها الوضع في اليمن يؤثر على الأمن القومي الأمريكي   (فوكس نيوز 23/3/2011) وفي دراسة صدرت مؤخرا من خدمة أبحاث الكونغرس (congressional research service)، بعنوان اليمن خلفية والعلاقات الأمريكية (yemen : background and u.s. relations) ركزت على المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها اليمن، ومنها تراجع عائدات النفط بشكل مستمر وتوقع نضوبه، وتكاليف الدعم (على سبيل المثال يستهلك دعم المحروقات 11% من الدخل القومي) والوظائف الحكومية التي ترهق الميزانية (35% من الاستهلاك الداخلي يذهب لمرتبات موظفي القطاع العام)، وشح المياه (يبلغ عجز مياه الشرب مليار متر مربع سنويا) وارتفاع تكاليف توفير مزيد منه في المستقبل،أضف إلى ذلك القات وما يترتب عليه من مشاكل اقتصادية واجتماعية وتنموية، حيث يهدر فرص يمنية عديدة للتقدم والتنمية لكونه يلتهم باستمرار دخول وأوقات اليمنيين، وهنا يشير التقرير إلى أن زراعة القات تستهلك 40% من مصادر المياه التي تذهب للزراعة، وإلى أنه يستهلك 10-30% من دخول اليمنيين وحوالي 90% من أوقات فراغهم (http://www.alaabayoumi.com) صحيح انه ليس ثمة مصالح اقتصادية للولايات المتحدة في اليمن لكن اليمن في الإستراتيجية الأمنية في الولايات المتحدة يحتل موقعا بارزا ولا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ،فالتعاون الأمريكي مع اليمن هو تعاون تحكمه المصالح الأمنية التي تقلق الولايات المتحدة ،وهذا السبب قد يكون نفسه كذلك فيما يتعلق بدول الخليج العربية ،وهذا خلل كبير في الإستراتيجية التي أهملت اليمن ولم تحتضنه وتكون رافعة له ، إن بناء يمن جديد في ضوء توافق داخلي ربما يعطي فرصة كبيرة لإعادة النظر في النهوض باليمن ومساعدته لتخطي مشاكله الاقتصادية وليكون رافدا حيويا للمنظومة الخليجية وان يكون ضمن الحلول لكثير من المشكلات التي تعاني منها دول الخليج العربية ليس أولها معالجة الخلل في التركيبة السكانية وليس آخرها قدرة اليمن على المساهمة الفاعلة في تقوية المنظومة الخليجية في الجانب العسكري والذي تحتاج فيه المنظومة الخليجية عدديا  إلى أضعاف مضاعفة مما هو عليه الآن . إن الثورات العربية وما أفرزته من واقع جديد يكشف بجلاء هشاشة الإستراتيجية وغياب الرؤية العميقة للحاضر المأزوم والمستقبل المجهول ،لقد اتسمت السياسات العربية بعدم الفاعلية وبدا واضحا أن الخطط التنموية ما هي إلا خطط الدوائر الرسمية للأنظمة التي أصبح مشروعها الوحيد هو الحفاظ على المكتسبات السلطوية ،إن إعادة التموضع السياسي ورهن الاستقرار السياسي والاجتماعي بمعادلات وموازنات خارجية لم يعد صالحا للديمومة وللحفاظ على الهياكل السياسية ،التي لم تع أن المعطيات السياسية المؤثرة في التوجهات العالمية قد تغيرت برمتها  بل إن التغير قد امتد ليشمل البنى الاجتماعية والأيدلوجية ،وثمة مراجعات تتناول القضايا الجوهرية التي تمس عمق التكوين المجتمعي آخذة بالتشكل الجديد في الفكر الجمعي تتسم بالتسويات والحلول الوسطية وقد كانت فيما سبق من قبيل المتناقضات ،وليس من المبكر أن نتلمس تجاوبا حضاريا تنحسر على مقدماته الرؤى الأيدلوجية العنفية مما يشكك في الصراع الذي كان ينبأ به هنتكتون (ينظر صدام الحضارات ،صموئيل هنتنكتون)،فلا شك أن هناك تقاربا حضاريا أسست له الحقوق الإنسانية والتي بدا واضحا أن العالم اصطلح عليها بغض النظر عن أدواتها ،وما يبرر ذلك بجدارة دوامة العولمة الكبيرة والتي أصبح العالم يدور في فلكها بسرعة وبقوة ،إن هذه الحركة الاجتماعية والتي أفرزت هذا الحراك الثوري هي في الحقيقة حركة دينامية غير واعية لمشروع سياسي أو تنموي  وغير مؤسسة ولكنها في الوقت نفسه تستند إلى مبرر اكبر من اللاوعي الذي مثلته أنظمة فقدت الغطاء والمبرر من حيث لم تحتسب ،إن التداعيات لن تتوقف عن السيرورة حتى يعود المجتمع إلى مكوناته الأولية ،لأنه ببساطة ليس ثمة مشروع تتوحد حوله الفاعليات السياسية ،وليس ثمة قوة تحول دون التهاوي نحو القعر الاجتماعي الاولي ،ضمن هذا التوصيف فان هنالك فرصة كبيرة لدول مجلس التعاون الخليجي أن تبلور مشروعا جديدا يكون بمثابة الرافعة الاجتماعية والفكرية لإعادة التمحور والصياغة للمنظومة العربية بشرط التحديث والتساوق مع معطيات عالم ما بعد العولمة وان تكون أرضا صلبة لا بمعنى قوة النظام والعسكرة وانما بقوة البنية الاجتماعية ورسوخ الإستراتيجية الواعية ،وان تحافظ على كيان قوي موحد ،قادرا على أن يكون مركزا للتوجهات العربية ومن ثم الإسلامية وانتهاءا بالقطبية العالمية ، لقد أدى بروز أميركا كقطب أوحد بعد نهاية الحرب الباردة إلى فرز معادلة القطب الواحد ولكن انخراط أميركا في المشاكل العالمية مع الهزات الاقتصادية العنيفة جعلت فاتورة القطبية المنفردة باهظة مما أدى إلى تراجع في الإستراتيجية الأميركية وسيتعزز هذا التراجع بشكل بطيء مما سيؤثر لا في القوة العسكرية وإنما في النفوذ العالمي ،ولا شك أن أوربا ستكون متحفزة لأخذ دور أكثر فاعلية فيما يخص الشرق الأوسط ،وهي تطرح نفسها بديلا عن الولايات المتحدة لكن أوربا منقسمة على ذاتها وليست مؤهلة لقيادة العالم لا عسكريا ولا اقتصاديا ،فكيف سيكون شكل العالم ،إن العالم الجديد سيتأسس على أنقاض  المحور الاستراتيجي الأوحد مما سيفرز أقطابا متعددة تؤدي بدورها إلى تفاقم المشاكل العالمية والى انقسامات على أسس عرقية ،في مختلف أنحاء العالم ،وقد تكون كثير من الدول العربية مرشحة لمثل هذا السيناريو الذي سيسبب التصدع الاجتماعي وهو تصدع ناشئ بسبب التصدع الاستراتيجي فالتوازنات الإقليمية التي حافظت عليها الإستراتيجية لا شك أنها ستتهاوى وهذا سينعكس على البنى الاجتماعية بصورة مباشرة ،مما سيعزز إمكانية ظهور اقطاب متعددة الامر الذي سيعيد إلى العالم توازنه مستندا إلى نظرية الأرض الصلبة وهي نظرية تتكون من عوامل ثلاثة العامل الجغرافي والعامل البشري والعامل الأيدلوجي ولا تتوفر هذه المقومات إلا في أوربا والصين والدول العربية التي ستكون ضمن المركز الحيوي المهم والفاعل . لقد آن الأوان لان تكون دول الخليج العربية أكثر انخراطا في تبني القضايا الإقليمية وقطع الطريق أمام القوى المنافسة والتي تريد تحويل المنطقة إلى أوراق ضغط تستفيد منها في تحسين شروط المفاوضات مع القوى الكبرى ولتكون لاعبا إقليميا على حساب المصالح العربية وما كان ذلك ليكون لولا غياب المشروع العربي ،وضعف الدول العربية وفشل سياساتها ،إن الاستقرار الاقتصادي في دول الخليج العربية والاستقرار الاجتماعي يجعل صانع القرار أكثر ثقة في تبني سياسة إقليمية أكثر نشاطا ،ولعل المحطة الأكثر أهمية في هذا المشروع هو اليمنوذلك عبر تبني مشروع لدعم التنمية في اليمن(عبد الوهاب الفايزجريدة الاقتصادية الالكترونية)، فلا يمكن لدول الجزيرة العربية أن تتطلع إلى استقرار شامل بدون مساعدة الشعب اليمني على تجاوز المشاكل والتحديات التي تواجه استقراره ونموه واستفادته من معطيات الثروة في المنطقة وان تكون هذه البرامج موجهة لتنمية القوى العاملة اليمنية، ورفع مهاراتها وتعليمها، وهذا له فوائده على اليمن وعلى المنطقة   لذا دول الخليج عليها أن تساهم في إنشاء برامج للتنمية الزراعية، فالمزارعون يحتاجون إلى البدائل الزراعية المربحة التي تحولهم عن (القات). إنهم يحتاجون إلى برامج لتمويل إنشاء جمعيات زراعية تعاونية، وإنشاء برامج للإرشاد الزراعي، وتطوير آليات الري وحفظ المحاصيل ونقلها، أي تطوير شامل للبنية الأساسية للقطاع الزراعي، واليمن فيها تجارب ناجحة في هذا المجال، بالذات في مجال الصناعات الغذائية،إن الاستعداد الخليجي لهذا البرنامج لتمويل التنمية في اليمن ضروري الآن، أيضا معطيات برنامج تطوير واستقرار اليمن، بالذات تنمية موارده البشرية سوف يساعد دول الخليج على استقطاب كوادر عاملة ضرورية لإحداث توازن في التركيبة السكانية للجزيرة العربية، فاليمن هم الامتدادات الأولى لشعوب الجزيرة العربية، وهم جزء من النسيج الاجتماعي والديني والثقافي .

[1]- ينظر  خلاصة تقرير خدمة أبحاث الكونجرس (ترجمة الكاتب) .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق