]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حينَ تَكْبُرُ ... ( قصة قصيرة )

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-01-23 ، الوقت: 13:25:36
  • تقييم المقالة:

 

 

حين ركبتْ العَروسُ السَّيارةَ ، وانْطلقَ بها العريسُ ، في موْكبٍ حاشدٍ منَ النَّاسِ والسياراتِ ، ووالدا العَروس يُودِّعانهما بمشاعرَ مُخْتلطة من البهْجَةِ والقُنوطِ ، جذبَ الطفلُ أحمد ثوْبَ أُمِّه ، وسألها بحيرةٍ :

ـ أُمِّي لماذا ذهبت أُختي سعاد مع ذلك الغريبِ ؟

نَهْنهت الأم ، وكفْكَفت دُموعَها ، وابتسَمتْ في وجْهِ أحمد ، وقالت :

ـ لأنها تزوَّجتْ منه ، وسَتعيشُ معه في بيْته ...

فقال ببراءةٍ :

ـ ما معْنى تزوَّجتْ ؟

ضَحكتِ الأُمُّ ، وقالت :

ـ حين تكْبر ستَعْرف ...

وكَبُر الطفلُ ...

ورَأى أنَّ أباه يعودُ كلَّ مساءِ مُنْهكاً من شدَّة التعبِ ، يحْملُ معه أشياءً قليلةً ، ويُوصي أُمه أنْ تقْتصِدَ في اسْتعمالها ، فالعيشُ أصْبحَ صَعْباً جدّاً ، والتكاليفُ باتَتْ تُرْهقُه يوْماً بعد يوم ، ولا تَتْرك له وقْتاً للرَّاحةِ والهُدوءِ ، فسأل أحمدُ أباه :

ـ لماذا لا ترتاحُ يا أبي في البيت ؟

فأجاب والدُه :

ـ لأنه يجِبُ أنْ أعملَ كلَّ يوْمٍ ، وآتي بمصاريفَ نَقْضي بها حاجاتِنا الضَّروريََّةَ ؟

فقال الطفلُ :

ـ وهل هذه الحاجاتُ لا تنْتهي أَبداً ؟

ابْتَسَمَ الأبُ وقال :

ـ حين تكْبُر ستعْرف ...

وكبرَ الطفلُ ...

وذهبَ يوماً إلى إدارةٍ حُكومية ، لكي يسْتَخلصَ شهادةً ، يُدْلي بها لهيئةٍ حُكوميَّةٍ ، ووقف في الطَّابور ، ينتظر أنْ يحينَ دوْرُه ، وسمعَ النَّاسَ يتهامسون بأنَّ المُديرَ لم يَحْضرْ بعدُ ، وأنه ربَّما سيتأخر ، فتملْملَ الحاضرون ، واشْتكى بعْضُهم لبعْضٍ ، وبانَ الضَّجَرُ والسُّخْطُ في سُحَنِ الكثيرين ، فسألَ أحمدُ :

ـ لماذا لمْ يأْتِ المديرُ ؟

فردَّ حارسُ مكْتبه ببُرودٍ :

ـ لم يَحِنْ مَوْعدُ وُصولِه بَعْدُ ...

فقال أحمدُ :

ـ وهلْ له توقيتٌ غيْر توْقيتِ باقي المُوظَّفين ؟

فرَماهُ الحارسُ بنظْرةٍ قاسيَةٍ ، وقالَ :

ـ لا تتدَخَّلْ فيما لا يعْنيكَ ، إنَّه المُديرُ .

فأضاف أحمدُ :

ـ وما مَعْنى أنَّه مديرٌ ؟

فقال الحارسُ :

ـ حين تكْبر ، وتكون مِثْله ، سَتعْرف ...

وكبرَ الطفلُ ...

وذهبَ إلى العاصِمَةِ ، فرَأى الناسَ قد اصْطفُّوا في جانِبيْ الشَّوارعِ الكُبْرى ، ووقفوا ينتظرون حدوثَ أمْرٍ ما ، فسألَ رجلاً يشْخَصُ ببصرِه نَحْوَ نُقْطةٍ بعيدةٍ ، وقال :

ـ لماذا وقفْتُم هنا ؟

فردَّ الرَّجلُ باهْتمامٍ :

ـ لأننا ننْتظرُ قُدومَ موْكبِ رَجُلٍ عَظيمٍ ؟

فسأل أحمدُ :

ـ هل دَعاكم إلى حَفْلةٍ أوْ وَليمةٍ ؟

انفَجرَ الرَّجل ضَحِكاً ، وارْتابَ في أَمْرِ أحمد ، واعْتقدَ أنه دَرْويشٌ منَ الدَّراويش ، وقال له بلُطْفٍ :

ـ لا أيَّها الشابُّ الطيِّبُ ، هي عادةٌ من عاداتِ الشَّعْب ، حينَ يتحرَّكُ في مَيادينِها مَسْئولٌ كبيرٌ .

فزادت دهْشةُ أحمد ، وسأل بسَذاجةٍ :

ـ ولماذا لا يتحَرَّك دون أن يلْتفَّ حوله كلُّ هؤلاء الناسِ ؟

تضايقَ الرجلُ من سُؤاله ، وقال له بنَبْرَةٍ حادَّةٍ :

ـ حين تكْبرُ ، وتُدْركُ بعضَ الأسْرارِ ، سوْف تَعرفُ ...

وانطَلَقَ أحْمدُ وحْدَه في الطَّريق ، يسألُ اللهَ متى يكْبرُ ؟!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق