]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بَحْثٌ أَكاديمِيٌّ .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2013-01-18 ، الوقت: 11:27:56
  • تقييم المقالة:

 

( أهدي هذه القصة إلى أستاذي أحمد عكاش )

 

فَزِعتِ المرْأةُ الخادِمُ منْ نِداءِ سيِّدِها ، في تلك السَّاعةِ المُتأخِّرةِ من اللَّيْل . وأسْرعتْ تعْدو إليه في خُطى مُتعثِّرةٍ ، وهي تُزيحُ بيديْها عن عينيْها آثارَ نَوْمٍ استسلمتْ له بعْد عملِ يوْمٍ طويلٍ ...

دَلفتْ إلى حُجْرة مَكْتبه ، وهي تتلعْثمُ بعباراتِ الاعْتذارِ ، فقابلَها بموْجةٍ من الصُّراخِ ، وهو يقولُ :

ـ ما بك أيَّتُها الحمْقاءُ ، لقد بحَّ صوْتي من النِّداءِ ، هل أنتِ طرْشاءُ ؟

قالت وهي تُدافِع عن نفُسها :

ـ أعْتذرُ يا سيدي ، فقد أخذتني سِنةٌ من النَّوْم ، ولمْ ...

فلم يدَعْها تُنْهي كلامَها ، وقال لها مُزَمْجِراً :

ـ أُريدُ فنْجانَ قهوةٍ حالاً ، فالنَّومُ  جافاني هذه الليلةَ اللَّعينةَ . ما كان عليَّ أنْ أذْهبَ إلى تلك الوليمةِ ، وأتناولَ كُلَّ ذلك الطعام ، يَبْدو أنَّ التُّخْمةَ هي سبب هذا الأَرقِ .

وفتحَ دُرْجَ مكْتبه ، وأخْرجَ منه عُلبةََ سجائر فاخرةً ، وتناولَ منها سيجاراً ضخْماً ، ونزع عنه غِطاءَه اللاَّمعَ ، وأشْعلهُ بين شفتيه بقدَّاحةْ مُذَهَّبَةٍ أَهْداها له وزيرٌ سابقٌ ، فتذكَّره ، وتذَكَّر حفْلةَ الليلة التي دعاه إليها الوزيرُ الحاليُّ ، وقارنَ بينهما بسُرْعَةٍ خاطِفَةٍ ، وقال مهْما تعاقبَ الوُزراء في هذا البلد ، واخْتلفوا عن بعضهم البعض ، فإنهم جميعاً يتودَّدون إليَّ ، ويدْعونني إلى جَميع مُناسباتهم ، فأنا الكاتب الكبيرُ ، صَوْتُ الشَّعب والجماهيرِ ، فلابُدَّ أن يتملَّقوني ، ويخْطُبون وُدِّي ، وفِكْري ، وقلَمي .

وشَعُرَ بنشْوةٍ تجْتاحُ مَفاصلَ بدَنِه ، وتَطْرُدُ عنه الكسلَ والتَّعبَ ، وافْتقدَ فنْجانَ القهْوة ، فنادى بأعْلى صَوْته :

ـ يا عائشة .. أيْن القهوة ؟

فدخلتْ عائشةُ مكتبَه ، وهي تَحْمل صينيةً فِضِّيَّةً ، عليها فنجانُ قهْوةٍ ، مصْنوعٌ من أجْودِ الفًَخار ، يتصاعدُ منه بُخارٌ شَهِيٌّ ، يدُلُّ على بُنٍّ أَصيلٍ ، وبجانبه كأْسُ ماءٍ باردٍ ، سائغٍ للشاربين . وقالتْ بارْتباكٍ شديدٍ :

ـ تفضَّلْ القهوةَ يا سيدي ...

فحَدَّجَها بنظرةٍ من نارٍ ودُخانٍ ، وقال لها باسْتهزاءٍ :

ـ كمْ أنتِ بطيئةٌ في عملكِ يا عائشة !! يبْدو أنكِ عَجزْتِ بسُرْعةٍ ، وأصْبحتِ مثل سُلحْفاةٍ .. بالمناسبة منذ متى وأنتِ تخْدُميننا في هذا البيت ؟

وابتسمتْ لبُرْهةٍ خفيفةٍ ، وقالت بحياءٍ صادقٍ :

ـ منذ أنْ كنتُ شابَّةً عذْراءَ ، وقد تزَوَّجتُ وصارَ لي ولدان ، وما زِلتُ أعملُ في بيْتكم العامرِ يا سيدي .

وأَطْلقَ ضَحْكةً صاخِبةً ، وقال لها :

ـ صحيحٌ ، لقدْ تذكرتُ ، وما زلتُ أتذكَّرُ يوم أن طلبَ منِّي الولد مسعودُ يدَكِ ، وتوسَّل إليَّ أن أساعدكما في عقْد الزَّواج .. ما أخْبارُه ؟

ـ إنه لا يغادِرُ غُرْفتنا يا سيدي ، ولا عزاءَ له إلا ولديْنا ، يهتَمُّ بشؤونهما أثْناءَ غيابي ، ويمْرحُ معهما ، لعلَّ ينْسى مُصابَه الأليمَ .

استغْربَ سيِّدُها لثَواني ، وسأَلها :

ـ وهل أصابَه شيءٌ ؟

نظرتْ إليه المرأةُ بانْدِهاشٍ وألمٍ ، وأجابتْ :

ـ ألاَ تتذكَّرُ يا سيدي ، لقد أُصيبَ في شُغْلِه ، وبُتِرتْ قدَماه في معْملِ الخَشبِ ...

وأشارَ إليها أن تتوقَّفَ عن الحَكْيِ ، وقال لها مُسْتدْرِكاً :

ـ كَفى ، لقد تذكرتُ ، انْصَرِفي الآن .

وتذكَّرَ صديقَه الوَزيرَ السَّابق ، ورسَم على شفتيْه ابتسامةً جَذْلةً ، وتنهَّد مثْلَ عاشقٍ يتخيَّل حَبيبته وأيَّامَهما الجَميلةَ ، وصَمَّمَ داخل نفسه أنْ يتَّصِلَ به غداً ، ليتَّفقا أنْ يقْضِيَا بَعْضَ الأيَّام بعْدَ أن ينْتَهيَ من بَحْثه الأكاديميِّ . وتناولَ ورقةً بيضاءَ ، ونشَرها أمامه فوق المكْتبِ ، وكتبَ أعْلاها العنوان التالي : « حِقْدُ الطَّبقاتِ : أَسْبابُه وعِلاجُه » .

وقامَ إلى مكْتبتِه ، وشرَع ينْتقي بعْضَ المَراجع باللُّغتين العربية والإنجليزية ، لِعُلماءِ النَّفْس والاجْتماع ، وحُكماءِ المالِ والاقتصاد ، وفُقهاءِ الشَّريعة والقانون ، وقرأَ فصولاً طويلةً من كتابِ ( رأس المال ) لكارل ماركس ، ومقالاتٍ مُتفرقةً عن الأنظمة ، والأسواق ، والحقوق الفردية والجماعية ، وعن علاقة السلطة والشعوب ، وعن سيكولوجية الحكام والجماهير ... وانْتابَه مللٌ خفيفٌ ، فمدَّ يدَه إلى فنجانِ القهوة فألْفاهُ بارداً ، فتأفَّفَ ، ونادى مرَّةً ثانيةً :

ـ عائشة .. عائشة ...

فهرْولتْ إليه عائشة وهي تَرْتَجفُ من الفزَعِ ، وقال لها :

ـ احْمِلي هذه الصينية كلَّها ، واصْنَعي لي قهْوةً جديدةً ، وإيَّاكِ أنْ تنامي ، فقد أحتاجُ إلى شيْءٍ ما ، فأنا مشغولٌ ببحْثٍ مُهِمٍّ ، ولَسْتُ أَدْري ما قد يعْترِضُني من أَحْوالٍ ...

فأجابتْ عائشةُ باسْتسلامٍ وانْكسارٍ :

ـ حاضرْ سيِّدي ...

وخرجتْ من حُجْرة مكتبِ سيِّدِها ، تنظر نحْوَ الأرضِ بعينيْن مُثْقلتيْن من شِدَّةِ النُّعاسِ ، وتَجُرُّ قدميْنِ مُنْهكتيْن منْ طولِ التَّعبِ ...

وقامَ الكاتِبُ منْ مقْعدِه الوَثيرِ ، والْتفَّ حوْلَ مكْتبهِ الفَخْمِ ، حيْث تَرْقدُ مُسجَّلةٌ ضخْمةٌ ، وأَلْقَمَها شريطاً موسيقياً ، فانْسابَتْ في الحجرةِ أنْغامٌ هادئةٌ ، وجعلَ هو يُفَكِّر أيْنَ يقْضي أيَّامَ راحَتِه مع صَديقِه الوَزيرِ ، بعْدَ أَنْ يُنْجِزَ بَحْثَهُ الأكاديمِيَّ ..    

                                   


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2013-01-23
    حينما أجلس على مقعدي الفخم , لا أفكر الا بذكرياتي انا ,,لا غير !
    هكذا قال الأناني المتخم بحب السلطة والمال
    و أقول :
    حينما أجلس لاقرأ حروف اهلي , واخوتي وأصدقائي في موقع,  هنا جمعنا , لا افكر الا , بتلك الروعة وتلك الجمالية التي
    تصب في الالفة والود , ومعينها الاحترام والنصح والارشاد ,وطلب الفائدة والعلم .
    الخضر التهامي , حماكم الله
    لقد ابديت كرما وأخوة وعطاءا منذ بداية حرفك الذي صار فينا كماء يعيدنا للحياة بلهفة
    فدوما تكرمنا بعطاءك الذي لا حدود له بكل حروف الابجدية السخية
    واما المُهدى له ,, فهو استاذ يستحق منا كل التقدير والاحترام والتوقير لهمته واهدافه الراقية , وأدبه الجم , وسخاءه الزاخر بكل ما يقدمه لنا بطيب نفس وسعة صدر من تصحيح والاخذ بأيدينا الى سواء النهج البلاغي والصرفي الصحيح دون كلل او ملل
    أما القصة,,
    فلن اعيد ما قاله الاستاذ أحمد عكاش من حيث الإهداء ولا من حيث روعتها ,,
    أنا بصدد كلمة لك ,,
    لقد أريتنا الواقع كله بإطار ذاك الشخص , الذي يتناسى الناس الفقراء والبسطاء , لينتبه بكليته لتلك ( الزمرة الرزمة )
    هو يشابه كثيرا احزابنا ونوابنا وحكامنا , يكتبون بقلم لا يعرف الحس والشعور
    يبحثون بلا اهمية لما يهدفون
    يسطرون مباديء لا اصل لها ولا تفصيل , ولا تحقيقا لعمل
    انما هي كلمات من جوف الطبل , بل الطبل يردد صوتا قد يطرب البعض منه ويرقص بجراح ما
    هنا طبل اجوف في عمق هدف لا يمكن ان يصله
    اذن  الاغنياء ,يرقصون على جراح البسطاء , بل يتلذذون في رؤية الدموع المتساقطة ,,هي انجاز !!!!!!
    هنا الكثير من الكلام , والكثير من الحكم ..ولكني اقف على تلك فقط فاض قلبي وبكت عيني
    الاولى لرؤية الصداقة والاخوة بينكما
    لدينا  استاذ كريم مسامح  , وانتم  ,,طالب علم كريم راقي يبحث عن اسعاد الجميع لانها سعادنه
    نعم بكيت لثلاثتكم
    لك ايها الخضر , ولك استاذنا احمد , والاخرى لروعة القصة المستقاة من واقع باسلوب ماتع , رائع
    طيف بكل التقدير لكم جميعا
    دمتم بعافية
  • لطيفة خالد | 2013-01-21
    وكنت منذ قليل اقول أشعر انني بينكم مع عائلتي وما أروع العلاقات الإنسانية المبنية على الاخلاق وسعة الصد ر وما أعظم سمو نفس أستاذنا الكبير احمد عكاش وما ألذ مشاكساتك اخي وزميلي الخضر ولانّني على يقين بانّ قلبك طيّب وانك تكن لأستاذنا كل الاحترام والتقدير.وشكراّ للهادي وللمهداة اليه المقالة كلاهما عظيمان وراقيان....
  • أحمد عكاش | 2013-01-21

     

    سأُعلّق على هذه القصّة تعليقين لا تُوجد بينَهما وشائجُ قُربى:

    الأوَّلُ مُستوحًى من امرأةٍ قالت:
    [هذه الحربُ الدّائرة، عادلةٌ مُقدّسة...

    وكيف لها ألاَّ تكون كذلك .. وقد اسشهدَ فيها ابني ؟. ]

     

    فأقول:

    هذه القصّة أجمل وأروعُ وأنجحُ القصص التي قرأْتُها في حياتي قديماً،

    والتي سأقرؤها لاحقاً،

    فقد بلغتْ من الإبداع والإتقان حدَّ الإعجاز،

    فلم يكتبْ أحدٌ من قبلُ ما يُدانيها،

    ولن يبلغ أحدٌ من بعدُ شأْوَ كاتِبِها، ...

    ذلك لأسبابٍ لا يُحصيها عادٌّ، ولا يجمعُها ناقِدٌ ..

    وكيفَ لها ألاَّ تكون هكذا ...  وأجلَّ من هكذا .. وهي:

     

    (( مُهْداةٌ إليَّ)) ؟!.

     

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق