]]>
خواطر :
يا فؤادي ، أسأل من يسهر الليالي بين آمال اللقاء و الآلام الفراق ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

:.تجليات الأنسنة:مناهضة التكفير نموذجا

بواسطة: صابر النفزاوي  |  بتاريخ: 2013-01-18 ، الوقت: 10:17:23
  • تقييم المقالة:

بقلم:صابر النفزاوي
إنّ مانراه اليوم من تطرف ديني يمارس أصحابه عنفا ممنهجا قد ساهم فيما يسميه البعض “التشغيب على المحكمات”،فأن يصير “الجهاد” في أذهان كثيرين مرادفا للتّنطّع والعنف والإرهاب وأن يستحيل مصطلح”التكفير”حاملا لدلالة مفزعة منفّرة وأن يسمّي دعاة الفتنة أنفسهم تارة “جهاديّين”وتارة أخرى “تكفيريين” فذلك يصنع في النهاية واقعا مربكا بامتياز سواء في مستوى الوقائع أو الأفكار والمقاربات حيث تضيع الدلالات الأصيلة للمفاهيم..
وفي هذا الخضمّ متلاطم الأمواج يتردّد هنا وهناك هذا المطلب أو ذاك بدسترة هذه الفكرة أو تلك ؛ومن هذه المطالب التي تعدّدت فتنوعت الدعوة إلى تجريم التكفير،هذه الدعوة على حكمتها الظاهرة فإنها تحمل قدرا غير قليل من الخطورة في أبعادها ودلالاتها سواء في المستوى الفكري أو العملي ،ذلك ما سنحاول التعرّض إليه بالبحث والتمحيص في السطور القادمة..
إنّ تكفير من أبدى الكفر قولا أو عملا مباح شرعا بل هو مطلوب في مواقف كثيرة وفي ذلك فوائد لا تُنكر من ذلك مثلا تنبيه عموم المسلمين إلى كُفرية طروح أو تصرُفات بعينها وكفر صاحبها والتحذير من الاقتداء بالكافر وانتهاج منهجه وتصحب ذلك دعوة “المرتد”إلى الرجوع عن أفكاره الضالة –استتابته- فإن لم يفعل يقام عليه الحد من قبل الحاكم وهذا هو الرأي الغالب لدى الفقهاء في الكافر المرتد،لكن هناك من يرى أن المرتد يستتاب دائما ولكل حججه في ذلك وهنا يتكشّف دور علماء الدين في الإفتاء ورفع اللبس عن هذه المسألة الفقهية الشائكة..
وغنيّ عن البيان أن تكفير من أنكر معلوما من الدين بالضرورة ليس فيه حلول محلّ الله تعالى في محاسبة العباد لأنّ مسوّغ التكفير في هذه الحالة هو الظاهر وليس الباطن -القلب -،وعندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:”من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما”فإنه عليه الصلاة والسلام لم ينه عن التكفير بل دعا إلى التروي والتدقيق قبل مباشرة واجب التكفير نظرا لخطورة الرمي بالكفر على الناس فرادى وجماعات،بل إنّ هذا الحديث فيه شرعنة للتكفير بشرط أن يكون في محلّه وخاضعا لضوابط معينة تكفينا شرّ السقوط في الفتن لذلك على من استجمع شروط تحمّل هذا الواجب أن يقصر جهده على تكفير الأفعال لا الأشخاص.
ولو رأنا دعوة “تجريم التكفير”قراءة عكسية نقف على جملة من الإباحات الضمنية كإباحة إبداء الكفر بالله تعالى والارتداد عن الدين..وفي مقابل ذلك سنجد أنفسنا أمام تجريم من “يكفر”بالوطن والضرب صفحا عمّن يكفر بالله ربّ العالمين..بل ربّما أغدقوا عليه فيضا من صفات الجرأة والاقتحام؛فقد سبق أن تمت إدانة التجريح في أعضاء المجلس الوطني التأسيسي في صحيفة تونسية حيث تدخّل رئيس المجلس “الموقر”مصطفى بن جعفر شخصيا ليشجب ويُندّد بدعوى الشرعية الانتخابية والتمثيلية الشعبية والمؤسسيّة الثورية فحصانة البرلمانيين أشدّ وأمتن وأقدس من حصانة الذات الإلاهية ..إنها سيادة الشعب!..كذلك قامت الدنيا ولم تقعد بعد حادثة تنكيس العلم ،فما لم ترتق ردود الأفعال إلى هذا المستوى بعد عرض شريط “برسي بوليس”وتدنيس المصحف الشريف في بن قردان ورسم النجمة السداسية على حائط جامع الفت ح …وكلنا نتذكّر أيضا ما لحق أحداث “العبدلّية” من تعليقات تتمحور حول حرية الإبداع وغياب الحدود في الفن وتنسيب تدنيس المقدسات الدينية !
كلّ ذلك فيه إحياء لدلالات رمزية إنسانوية إلحادية قضت بقتل الإله والإعلاء من شأن الإنسان لينزاح المقدّس تدريجيا من مجال اللاهوت إلى مجال الناسوت مثلما نظّرت لذلك بعض الفلسفات الغربية كالماركسية والنيتشوية والوجودية الملحدة..
إنّ دعوات مثل “تجريم التكفير”ومنع النقاب وعدم سجن الصحفيين – منحهم شكلا من أشكال الحصانة – وتحييد الخطاب الديني في المساجد والتشنيع بالخطاب السلفي ولاسيما بشقّه الجهادي …ليست في حقيقتها إلا محاولات لأنسنة المجتمع و”إنزال للإله من عليائه”،ففي المجال الديني يستحيل قمع الحريات إلى مدنية وتحضّر ومحافظة على الوحدة الوطنية،وفي مقابل ذلك تتحوّل طقوس التقديس والتعبد للامتعالي – المنظومات الإنسانية – الذي يتبدّى مثلا من خلال العلم الوطني – رغم أصوله الإسلامية-وحتى مجلة الأحوال الشخصية التي غدت “قرآنا” لدى العلمانيين –اللادينيين-..
وليس أدلّ على منهج الأنسنة والعلمنة هذا من الحرص على تغييب البعد الديني من الحوارات والمناقشات بجميع أنواعها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي …في وسائل الإعلام ؛فمثلا المخدرات عندهم يمنعها القانون وتضر بالصحة وتتسبب في خسارة الأموال كلّ ذلك يمكن أن يقال في شأنها إلا أنها حرااااام ..إذ يقع استحضار جميع المرجعيات إلا المرجعية الدينية كأنّ التفكير الديني ينزل بمستوى الحوار إلى حضيض الشعبوية ..لقد أوجدت النخب لنفسها لغة غير تلك التي يتكلمها الدين بل لغة تتحدد كنقيض للدين!..
إنّ الدعوة إلى تجريم التكفير هي نتيجة حتمية لمقولات مريبة مثل “وحدة الأديان”و”الدين العالمي”و”الإنسان العالمي”…وقد مهد لها دعاة “العلمانية الشاملة “وساهم في التنظير لها “مسلمون”ينتمون إلى تيار “العصرانية”أمثال “محمد عمارة” و”محمد عابد الجابري” و”محمد أركون” و”هشام جعيط” و”يوسف الصدّيق” و”ألفة يوسف”…وغلت اليسارية الإسلامية خاصة مع “حسن حنفي” في هذا الطرح المغلّب للإنسيّ على الديني حتى غدا لفظ الجلالة معه لفظا فضفاضا نسبيّا لا يحمل دلالة واضحة ،فالله على ما يزعم هو “الخبز عند الجائعين والحرية عند المستعبدين والعدل عند المظلومين”…إنّ لفظ “الله”على حدّ تعبيره ليس إلا “صرخة المضطهدين” ..!؛بل قد اعتبر “حنفي”أن العلمانية هي أساس الوحي.. !
وليست العلمانية في حقيقتها إلا “عالمانية”أي” دنيوية” ومادية وإنسانوية وبالتالي لادينية وهذا ثابت في معاجم الغرب أنفسهم – راجع مثلا معجم أكسفورد وموسوعة دائرة المعارف البريطانية بريطانيكا -..والأمر لا يقتصر على تخليص الدنيا من الدين بل يتعداه إلى محاولة نزع القداسة من الدين ذاته حيث ذهب ” نصر حامد أبو زيد” إلى حدّ إنكار المصدر الإلاهي للقرآن الكريم وعدّه مجرّد نص لغوي وقداسته ليست في ذاته ،ويأتي الجابري ليسقط في مستنقع المنهج التفكيكي الإنسانوي ذاته ليشكّك في سلامة الذكر الحكيم من التحريف إذ يقول في كتابه “مدخل إلى القرآن الكريم”- وقد كنت أحترمه قبل نشره- :”ومن الجائز أن تحدث أخطاء حين جمعه…”ضاربا عُرض الحائط بإجماع المسلمين بل وبمنطوق عدد غير قليل من آيات قرآنية صريحة على غرار قوله تعالى:”إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”..ويصل المدعوّ “سيد محمود القمني”إلى حد القول:”لا فضل لدين على آخر ..الأديان كلها لله”،وذلك في سياق حديثه عن الرسالات السماوية الثلاث – والحقيقة أنّها رسالات أو شرائع وليست أديانا فالدين عند الله هو الإسلام-..
والحق أنّ هذه المزاعم هي من استتباعات انتهاج مناهج غربية ملحدة في قراءة النص المقدس كالهرمينوطيقا-التأويلية –والتفكيكية والبنيوية…وهي مناهج شاذّة تقوم على الفصل بين النص وقائله وتؤكّد على تاريخية النص رغم قدسيته إنها مذاهب إنسانوية تنتصر للأنثروبولوجي على الثيولوجي وهي امتداد لوضعية “كونت”ونفعية “بنتام”..بل تعود الأصول الأولى لهذه الأفكار إلى عصر “بروتاغوراس”الذي قال”الإنسان هو مقياس كل شيء”فكان أن أنتج أجيالا من “العنديّين” شعارهم من عندي أعطي المعنى وبأدواتي أفهم النص..
وعندما يخرج علينا مسلمون ضمن هذا التيار الإنسانوي ليس لنا إلا استحضار ما قاله المستشرق “زويمر”:”تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم “..
إن ما يحصل مع الإسلام في تونس وفي سائر العالم الإسلامي يبدو تنفيذا واضحا للمخطّطات الصهيونية والماسونية العالمية والحق أنّي أساند هذا الطرح الذي يردّده مفكرون كثر ولا أخال مثل هذا الكلام مجرد نتاج لعقدة نظريّة المؤامرة خصوصا مع اطلاعنا على بروتوكولات حكماء صهيون وفي ضوء ما نعرفه عن سيطرة اليهود على الإعلام في العالم وأسطورة “مردوخ”الإعلامية..فقد رأينا كيف استمات “العلمانيون”في رفض التنصيص على مصدرية الشريعة في الدستور وكل تبريراتهم كانت تدور حول فصل “الديني” عن “السياسي”بتعلات مختلفة مثل قابلية النصوص الشرعية لتأويلات مختلفة وأحيانا متباينة ويتجاهل هؤلاء أنّ هناك ثوابت وقطعيات موضع إجماع علماء الأمة رغم سعي المتآمرين إلى زعزعة الثوابت و"التشغيب على محكمات" ..
إن سن قانون يجرّم التكفير بدعوى حفظ المجتمع التونسي من الفتنة وحمايته من الفوضى وصيانة الوحدة الوطنية هو بمنزلة العلاج العشوائي لظاهرة العنف شبيه بعملية قلع جميع الأسنان حتى لا تصاب بالتسوّس وكأن وجودها هو سبب المشكلة!!!..
صفوة القول؛لئن مرّ العالم الإسلامي كما العالم “المسيحي” بما يسمّى “ماقبل الأنسنة”- ماقبل اللادينية التي يسمونها علمانية – إلا أن تلك المرحلة "الذهنية" لم تكن واحدة في العالمين ؛فقد كانت تتجلّى في المسيحية من خلال “الحكم بحق إلاهي”وفي الإسلام كانت تدل على “محورية الله”دون السقوط في براثن الثيوقراطية ،فالإنسيّة لها مجال تحرك واسع وفقا للرؤية الإسلامية،يقول الله تعالى في محكم تنزيله :”إسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”-النحل 43 – ويزيد الرسول صلّى الله عليه وسلم ليقول:”أنتم أعلم بأمور دنياكم”؛فالمحورية الإلاهية كما عاشها النصارى حالة ملتبسة حيث لا تمييز فيها بين رغبة الإله ورغبة الإمبراطور أو رجل الكنيسة فيما هي عند المسلمين حالة تتعالى بالإنسان دون تأليهه فهي وضعية متميزة تتدخل المرجعيات المتعالية لتوضيح معالمها فإن تنازعنا في شيء نردّه إلى الله والرسول..ولما كان ذلك كذلك نقول إن إطلاق دعوات “الأنسنة” جنبا إلى جنب مع دعوات التقدم والتحرر من سلطة النص ليس في طريقه إذا ما تعلّق الأمر بالعالم الإسلامي لأن “ما قبل الأنسنة”عندنا لم تكن في الحقيقة تخلفا أو نصّيّة متطرفة..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق