]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عامان على سقوط “بن علي”: رصد بانورامي للمسار الثوري

بواسطة: صابر النفزاوي  |  بتاريخ: 2013-01-16 ، الوقت: 10:41:02
  • تقييم المقالة:

بقلم: صابر النفزاوي

الجمعة 10 صفر 1432 ه الموافق ل 14 جانفي 2011 يوم أبى إلا أن يستوقف العالم عنده إعجابا وتنويها وإكبارا،ليلتها بلغنا نبأ هروب “زين العابدين بن علي”فصدّق التونسيون دون أن يصدّقوا،فقد كان مبلغ أحلامهم أن يتسلّل الموت إلى قصر قرطاج ويخلّصهم منه فلا أمل لهم إلا في قدر قد يأتي وربما لا يأتي ؛لكن شعبا من “الكاظمين الغيظ” عيل صبره وضاق صدره ب23 عاما من الاستبداد فأرادها حياة خُلوا من القسر والإكراه فاستجاب له القدر من حيث لم يحتسب …إلا صبرا.
لم تقوى طلقات رصاص قوى القمع على ردّ صرخات المضطهدين والمستضعفين والمهمّشين،فقد أخذ منهم بن علي وعصابته أكثر مما يطيقون حريةً وكرامةً وحسنَ بقاء…
ولّى الرئيس المخلوع إذن وجهه شطر المسجد الحرام لينزل ضيفا على خادم الحرمين الشريفين وذلك “تقديرا للظروف الاستثنائية التي يمر بها الشعب التونسي الشقيق”على حد زعم بيان الديوان الملكي السعودي بعد وصول الفار”بتهميز” الألف مع أسرته إلى مطار جدة الدولي،شباب عزموا فتوكلوا على الله وجعلوا “صانع التحول المبارك”نذير شؤم على بقية رؤساء العرب الآمرين المتأمّرين المتآمرين على شعوبهم..
ووفاء لسياسة السابقين في لوي أعناق النصوص وتطويعها تولّى محمد الغنوشي رئاسة الجمهورية تأسيسا على الفصل 56 من دستور 1959 ؛غير أنّ ذلك التأسيس لم يكن في طريقه باعتبار غياب “تفويض كتابي”يسمح بذلك فوقع الاستنجاد بالفصل 57 الذي يتيح لرئيس مجلس النواب “فؤاد المبزع”شغل منصب رئيس الجمهورية المؤقت نظرا لتعذّر استئناف الرئيس لمهامه وعُهد لمحمد الغنوشي بتكوين حكومته ؛لتتسارع الأحداث ويتمّ تعليق نشاط حزب “التجمع الدستوري الديمقراطي”الحزب الحاكم السابق من قبل وزارة الداخلية يوم 6 فيفري 2011 قبل حلّه لاحقا،وظفر الرئيس المؤقت فؤاد المبزع بصلاحية إقرار مراسيم تشريعية منحها له برلمان “بن علي”استنادا إلى الفصل 28 من الدستور ،وبذلك يكون البرلمان قد تخلّى عن سلطته التشريعية وصار وجوده صوريا..
وأمام ضغط المحتجين من مختلف أنحاء البلاد في ساحة القصبة حيث مقر الحكومة قدّم الوزير الأول محمد الغنوشي استقالته يوم الأحد 27 فيفري 2011 ليتولّى “الباجي قائد السبسي”أحد من تولوا رئاسة مجلس النواب في عهد “بن علي”وإدارة الأمن ووزارة الداخلية في عهد بورقيبة رئاسة الحكومة المؤقتة الثانية..ووسط دعوات شعبية ملحّة إلى القطع مع الماضي والتأسيس لمستقبل ديمقراطي توجّه رئيس الجمهورية المؤقت فؤاد المبزع يوم 3 مارس 2011 بخطاب يؤكد فيه الحالة الثورية التي تعيشها البلاد ويوضّح أفق التغيير المنتظر وحدّد يوم 24 جويلية 2011 موعدا توافقيا لإجراء انتخابات لإرساء مجلس وطني تأسيسي تُعهد له مهمة صياغة دستور جديد للبلاد،وفي ظل غياب الشرعية الانتخابية اضطلعت الحكومة المؤقتة إلى جانب “الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي”بمهمة التمهيد لقيام نظام ديمقراطي ،والحقيقة أن الحكام الجدد لم يلقوا هوى عند الكثيرين ذلك أن أغلبهم مُثقل بتاريخ لتا يليق بثورة تتحدد بالضرورة ضديدا للماضي ورموزه..
ورغم ذلك توصّلت الهيئة التي حلّت محلّ “مجلس حماية الثورة”إلى وضع قانون انتخابي توافقي يأخذ بنظام التمثيل النسبي ،وتشكّلت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات برئاسة كمال الجندوبي الذي دعا إلى تأخير موعد الانتخابات من 24 جويلية إلى 23 أكتوبر 2011 لدواع تقنية وهو مكا حصل فعلا..
وكان أن نُظمت انتخابات نزيهة وشفافة بشهادة مراقبي الاتحاد الأوروبي وأفرزت فوز حركة النهضة ب89 مقعدا من أصل 217 هم كل أعضاء المجلس الوطني التأسيسي وتحالفت مع كل من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية صاحب المرتبة الثانية ب 29 مقعدا وحزب التكتل من أجل العمل والحريات الذي نال 20 مقعدا ،وشغل الدكتور محمد منصف المرزوقي منصب رئيس الجمهورية وكلف السيد “حمادي الجبالي”برئاسة الحكومة التي فازت بثقة المجلس التأسيسي بأغلبية 1545 صوتا ليلة ال 16 ديسمبر 2011 وقد ترأّس الدكتور “مصطفى بن جعفر”المجلس وبذلك تكون الرؤوس الثلاث للسلطة في تونس منبثقة من الإرادة الشعبية التي اختزلتها انتخابات 23 أكتوبر 2011 ..
وباشرت الحكومة الجديدة إدارة المرحلة الانتقالية الثانية وتشتتت جهود المجلس التأسيسي بين التأسيس والتشريع والرقابة،إضافة إلى الانشغال بالأحداث الساخنة التي تحدث بين الحين والآخر كان العنوان الأبرز فيها هو العنف ؛نذكر على سبيل المثال لا الحصر أحداث منوبة -أحداث 9 أفريل -أحداث السفارة الأمريكية-أحداث ساحة محمد علي -أحداث دوار هيشر…
وبالتوازي مع أداء حكومي دون المأمول تبدّت نزعة عدمية لدى معظم أطراف المعارضة لتزيد بذلك على معضلة نقص الخبرة لدى أعضاء الحكومة محاولات الإحباط والتعطيل والتحريضوأبدعت في سرد المشكلات بل واختلاقها دون اقتراح البدائل والحلول ما يقيم الدليل على معارضة عبثية في مجملها تقوم على الحسابات الحزبية والشخصية الضيقة..
ولو أردنا تقييم المنجز الذي حقّقته حكومة الجبالي لرصدنا مباشرة تكريسا لحرية التعبير لا يُنكره إلا جاهل أو مكابر أو جاحد،فقد تحوّل “المواطن” التونسي من إنسان بالقوة إلى إنسان بالفعل ،كما تمّ إرساء دبلوماسية ثورية تبدّت من خلال الملفّين السوري والفلسطيني ،علاوة على العمل الدؤوب على تطهير الإدارة والقضاء والأمن رغم صعوبة ذلك في ظل تلف معظم الارشيف في عهد حكومتي الغنوشي والسبسي ،ولا تفوتنا هنا الإشارة إلى الوصول إلى مرتبة الشريك المميّز مع الاتحاد الأوروبي ما من شأنه مضاعفة الاستثمارات الخارجية في تونس وإدراج تونس ضمن البرامج المجتمعية للاتحاد الأوروبي،كما استشعرنا حكمة في التعامل مع الاتحاد العام التونسي للشغل ما ساعد على تجاوز أزمة التهديد بالإضراب العام بعد الهجوم على مقر الاتحاد…غير أن هذا لا يحجب نقائص عديدة تشوب أداء الحكومة التي أبدت تردّدا في التعامل مع نزق المحسوبين على التيار السلفي ما سمح بتغولهم وتجاوزهم جميع الخطوط الحمروكلنا يذكر حادثة تنكيس العلم الوطني وما يحمله ذلك من دلالات خطيرة ،كما لاحظنا ضعفا في مقاومة التاهريب على الحدود الليبية والجزائرية ما ساهم بدوره في ارتفاع الأسعار ،إضافة إلى ضعف أداء بعض الوزارات مثل التربية والصناعة …ولا شك أن الصلاحيات المحدودة التي تملكها الرئاسة أفقدتنا طرفا كان بإمكانه الاضطلاع بدور ناجع في تعديل السياسات والتوفيق بين الفرقاء السياسيين..
ولعل أكثر الطروحات المعارضة توازنا هو المطالبة بحكومة كفاءات مصغّرة  تقطع مع مبدإ المحاصصة الحزبية في اقتسام الحقائب الوزارية وتقلص في حجم حكومة تبدو منتفخة أكثر من اللازم في ظل فترة انتقالية موكول لها تصريف الأعمال والاستجابة لأكثر المطالب الاجتماعية إلحاحا ؛ومن السذاجة بمكان الانخراط في تنفيذ برامج استراتيجية متكاملة فلا الوقت ولا الوضع العام للبلاد يسمحان بذلك ،وقد سبق للرئيس “المرزوقي”-بغض النظر عن شُبهة الحملة الانتخابية المبكرة – تبني هذه الدعوة الحكيمة في خطاب وجّهه إلى الشعب ..أما الخيار الآخروالذي نراه سياسيا بدرجة أولى وأقل حكمة من الطرح الأول هو اللجوء إلى حكومة وحدة وطنية صغيرة العدد وواسعة التمثيلية ،وهي مجرد إعادة إنتاج لبقة للمحاصصة الحزبية ..
ومن المنتظر أن يقع الإعلان عن تحوير وزاري خلال الأيام القليلة القادمة من شأنه أن يمنحنا فرصة الوقوف على التوجه السياسي الجديد من خلال ملامح الحكومة المقبلة ،ولاشكّ أنّ التعديل الحكومي المرتقب على غاية من الأهمية لضمان مواصلة ما تبقى من المرحلة الانتقالية الأخيرة بأقل ما يمكن من الأخطاء وتلطيف الأجواء الاجتماعية الذي لن يتحقق دون الحد من غلاء الأسعار-وفي هذا الاطار أزعم أن غلق معبر راس جدير من الطرف الليبي هو إجراء منبن على اتفاق مسبق مع الطرف التونسي!!- وتوفير الأمن ،ويبقى محمولا على عاتق المجلس الوطني التأسيسي عبء الانتهاء من الدستور الذي طال انتظاره وصنع تأخر المصادقة عليه حالة من التململ وعدم الاستقرارعلى جميع الأصعدة،كما أن مجلسنا الموقر مطالب باستكمال سن القوانين الضرورية لعقلنة الحياة السياسية مثل القوانين المتعلقة بالعدالة الانتقالية والقضاء والإعلام وهيئة الانتخابات والقانون الانتخابي…ونعتقد جازمين أن السبب الرئيسي في العديد من المآزق الاجتماعية والاقتصادية التي مرّت بها البلاد هو تأخر مباشرة مسار العدالة الانتقالية ولعل حدوثها خلال هذه السنة الجديدة سيصنع ما يسمى “البيئة الانتخابية”التي تكفل النجاح في الاستحقاق الانتخابي القادم..
صفوة القول..،إذا لم يكن لأحد أن يجادل في حقيقة وجود تغيير ما قد حصل في البلاد إلا أنّه من الخُلف الجزم باستكمال مسار الإصلاح واستجماع شروط الوضع الدائم..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق