]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ليلة بكى فيها . . . . القمر ! !

بواسطة: الكاتبه عطر الوداد  |  بتاريخ: 2013-01-09 ، الوقت: 17:51:04
  • تقييم المقالة:

ذات ليلة هادئة . . سكن فيها الريح والهواء ، وعم الهدوء ، وإكتمل فيها القمر بدراً ، يتوسط كبد السماء بضوئه وضيائه ، والنجوم من حوله لامعات وامضات مضيئات ، تتلألأ فى بهاء ، وكأنهن راقصات ، تتمايلن فى طرب ونشوة ، وتبدين أبهى ما فيهن من الفتنة والجمال ، والسحر والفن والخيال ، فى حضرة السلطان ، الذى إعتلى عرشه فى زهو وإفتخار ، وكل ما حوله يفيض بالحياة . . . هكذا بدا لى مشهد السماء ، فى تلك الليلة الهادئة .

حينذاك . . أوحى إلى الخيال ، بأن أطيل النظر فى ذلك المشهد البديع ، وأهيم بما فيه من السحر والجمال . . فجلست وحدى بجوار حافة نافذتى ، أحتسى قهوتى ، قهوة المساء ، التى ألفتها منذ سنوات وسنوات . . أخذت أطيل النظر ، فى وجه ذلك البدر الوهاج ، والقمر الوضاح فى وسط السماء ، فإذا بخيالى يوحى إلىّ أنه وجه إنسان ، جاء من قديم الأزل ، وعتيق الأزمان ، مضت من حوله ملايين السنين ، وإنقضت فى حضرته عصور ، وإندثرت أمام ناظريه ممالك وذهب سلاطين ، منذ أن خلق الله ذلك الكون العجيب ، بقدرته سبحانه العلى القدير . . لقد راح خيالى يداعب عيونى ، ويشرد بعقلى إلى آفاق بعيدة . . هكذا بدا لى القمر وجه إنسان ، له قسمات توحى بالحياة . . نظرت فى عينيه وأطلت النظرات ، وخيل إلىّ أنه يئن من البكاء والدمعات منحدرات على وجنتيه البارزتين عبر الزمان . . أحسست فجأة بألم يكاد يعتصرنى ، وحزن عميق ألم بى . . تخيلت أنى أسأله ، وأنه علىّ يجيب ، ودار بينى وبينه حديث طويل :

سألته ( فى حنو وحنين ) : ما بك ايها البدر الجميل ؟ أراك تبكى ، والدمعات من عينيك تفيض .
أجابنى القمر ( وهو حزين ) : منذ أن خلق الله الكون ، وأنا هنا لملايين السنيين . . غادرتنى عصور وعصور ، وراح ملوك وسلاطين ، وشهدت الكثير والكثير من حكاوى العالََمين .
قلت : يا قمرى . . وقمر كل السهرانين . . وما الجديد فى حالك الذى يبكيك ؟
قال القمر : تعبت وفاض دمعى ، من كثرة شكاوى المتعبين ، والحيرانين ، وحزانى العاشقين ، والأهل المكلومين ، والصبايا المجروحين . . الكل يناجينى ، والكل يشهدنى ، والكل يشكو لى . . هذا يُبدى لى الحنين ، وذاك يُسمعنى الأنين . . وأنا فى عليائى أتألم للجميع .
قلت : إنهم يبثون لك شكاويهم ، ويقصون عليك حكاويهم ، فلا يضيق صدرك بأمانيهم . . إنهم حيارى ، إنهم سهارى ، إنهم متعبين .
قال القمر : أعلم عزيزتى . . وأعى ما تقولين . . ولا يؤلمنى سوى أنى مخلوق مثلهم من رب العالمين ، ولكنى فى عليائى وهم فى الأرض كادحين ، ولست أملك لهم أمراً أو يقين ، أسمعهم وأسمع شكاويهم ، وأنصت إليهم فى حكاويهم ، ويفيض دمعى من كثرة مآسيهم . . كل ليلة وليلة وأنا على هذا الحال ، حتى تشرق شمس الأرض ويطلع النهار ، فأذهب كى أستريح وما أستريح . . هموم العباد زادت ، وشكاويهم فاضت ، وحكاويهم كثرت وتنامت .
قلت : أهم كثيرون إلى هذا الحد ، يا قمر الزمان ؟
قال القمر : ياااه . . إنهم ملايين وملايين ، لا يُحصى عددهم إلا خالق السموات والأراضين .
قلت : حدثنى عن بعض ما سمعت وما إرتأيت ، أيها القمر العتيق .
قال القمر : ذات مساء . . ناجانى أحد العاشقين ، يشكو لى من لوعة فراق الحبيب ، ودموع الحزن تغرقه ويقتله الألم الأليم . . سمعته وسمعته ، وما وجدت ما أفعله من أجله ، سوى أنى بكيت رثاءً له وإشفاقاً عليه . . إنه ظلم نفسه حين أحب ، ولم يفعل شيئاً من أجل الحبيب ، وظل يناجى ويناجى ، وما فعل الصعب ولا المستحيل ، من أجل قرب الحبيب . . فما أفادت النجوى ، ولا بقى الحبيب .
قلت ( وقد بدا علىّ التأثر ) : أيا قمرى . . وهل كل من يناجيك ، ويبث إليك شكواه ، من العاشقين ؟ أم أنك ملاذ كل الموجوعين ؟
قال القمر : لا . . ليس من يناجينى فقط هم العاشقين ، فهناك المهمومين ، وهم فى عالمكم كثيرين . . ذاك رجل يشكو حمله الثقيل ، من بنات وبنين ، وأعباء زادت فوق ما يطيق . . وتلك إمرأة ترملت وراح الزوج والأب الأمين ، وترك لها إبن صغير وهَم كبير ، ولا حيلة لها فى هذا ولا معين ، فناجتنى تستجير . . وهناك العجوز المسن المريض ، يئن ويشكو من قسوة البنين ، تركوه وذهبوا بعدما ألقوه فى الطريق . . وهناك المزيد والمزيد والمزيد . . مما يبكينى ويجعل دمعى يسيل .
قلت : أكل أولئك لك يلجأون ، ومعك يتناجون ، وبك يستجيرون ؟ قال القمر : نعم . . كل أولئك وكثير .
قلت : وأنت يا قمرى . . ما يحزنك ؟ وما يبكيك ؟ إنها همومهم ، إنها أحزانهم وآلامهم . . مالك أنت بهم وشئونهم .
قال القمر : يؤلمنى حالهم ، وتحزننى معاناتهم ، وتؤرقنى مآسيهم . . إنهم يحسبون أنى على عونهم قدير ، وعلى أحزانهم وآلامهم معين . . يغفلون أنى مخلوق مثلهم ، وأن للكون خالق على شئونه قائم ، وعلى رعاية خلقه قادر .
قلت : وماذا تفعل معهم أيها القمر الحزين ؟
قال القمر : أدعو لهم الله ، خالقى وخالقهم ، أن يخفف عنهم همومهم ، وأن يشفى جراحهم ، وعلى ما هم فيه يعينهم ، من الآلم والأحزان ، فهو سبحانه مجيب الدعاء .

وفجأة توقف القمر عن الكلام ، وصمت لحظات ولحظات . . لقد أدرك من قبلى صوت النداء ، نداء الرحمن من فوق سبع سماوات ، أن يا عبادى هَلموا إلى الصلاة . . وإنطلق صوت المؤذن ليؤذن : حى على الصلاة حى على الفلاح . . نظرت إلى القمر كى أودعه ، قبل أن يعود من حيث جاء ، ويعم الكون سطوع الشمس وضوء الصباح . . ناجيته قائلة : أيا قمر . . لقد بكيت من أجل كل البشر ، وأبكيتنى من أجلك أنت ، وأنسيتنى أن أشكو إليك همى وألمى ، فما أنا إلا واحدة من هؤلاء البشر . . كلنا صِرنا متعبين ، صرنا مهمومين ، صرنا حَزانى متألمين .

من بعيد . . جاءنى صوت القمر ، وهو يكاد لا يبين . . يردد ويقول : " يا بنى آدم همومكم زادت ، وأحزانكم فاضت ، ومآسيكم كثرت وتنامت ، وأفراحكم عنكم زالت ، وزينة دنياكم راحت ، وصرتم حيارى متعبين ، حزانى متألمين ، ضاقت عليكم الأرض بما رَحبت . . أنتم من عصيتم خالقكم ، وقتلتم أنفسكم ، وسفكتم دماءكم ، وأفسدتم أولادكم ، وسرقتم أموالكم ، وزادت عن الحد أطماعكم ، وعصيتم الله وإتبعتم الشيطان ، فلا تلوموا إلا أنفسكم . . لا تلوموا إلا أنفسكم . . أيها العصاة . . ألم تذكروا قول الله تعالى : " لما قضى الأمر ، قال الشيطان : إن الله وعدكم وعد الحق ، ووعدتكم فأخلفتكم ، وما كان لى عليكم من سلطان ، إلا أن دعوتكم ، فاستجبتم لى ، فلا تلومونى ، ولوموا أنفسكم " صدق الله العظيم .

قالها القمر كلمات ، و ظل يرددها حتى توارى ضياه .
نهضت من فورى . . وتوضأت للصلاة . . كى أناجى ربى ، خالقى وخالق الناس أجمعين .
وأخذت أردد فى نفسى : يالها من ليلة ، ملأتها الشجون ، وعمتها الأحزان ، وكان ختامها أحلى ختام . . ليلة شهد بها الزمان . . ليلة بكى فيها القمر . . ولبيتُ نداء السماء ! ! !
وإلى مقال آخر إن شاء الله – بقلم : عطر الوداد .

 
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • خالد محمود | 2013-02-26
    موضوع رائع وجذاب وطرح اروع وراقى جميل جداااااااااااااااااااااااااااا وشكرا لكى ولقلمك عطر وسلم نبضك وقلمك
  • عطر الوداد | 2013-01-12
    شكرا لك استاذى الغالى
  • د. وحيد الفخرانى | 2013-01-10
    صديقتنا العزيزة الأستاذة / عطر الوداد . . . على ما يبدو أن روائعكِ لن تنتهى ، وأسركِ لقلوبنا وأفئدتنا سوف يطول ويطول . . أفكارك متجددة ، وخيالك واسع خصيب ، وسردكِ للحركات والسكنات جد خطير . . كتاباتكِ تعكس حس راقى ، وقلب طيب صافى ، وما أرانى بعد جهد جهيد ، أبلغ بعض ما بلغتِ . . منا جميعاً لكِ التحيات ، وعلى قدر المودة والمحبة تأتى الأمنيات ، فلكِ منا أجمل الأمنيات . . سلمتِ صديقتنا الغالية ، وسلمت يداكِ التى أمسكت بالقلم فأمتعتنا .           شكراً لكِ وثناءً عليكِ .

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق