]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مزاعم قوة التحكم في الذات (الجزء الثالث)

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2013-01-08 ، الوقت: 08:59:31
  • تقييم المقالة:

 

 

وحسبنا أن نقول أن مدارك الإنسان محدودة وعلومه لا تتجاوز العالم المنظور، وأن عقله لا يخرج من بدنه ولا يعلم غيبا وأن قرين الإنسان هو من يبث تلك الأحاسيس عندما يكون مغمض العينين فيعرض عليه ما يسمى بصور الخيال ويشعره كأنه هو من أوجدها بمخيلة عقله، ويرى كأنه ذهب بنفسه إلى المكان المشاهد، إلا أن هذا الإحساس كاذب ولا يمثل حقيقة ما جرى بحال. لأن للقرين قدرة عجيبة وساحرة تجعل الإنسان يشعر كما لو أنه ذهب إلى أماكن معروفة وغير معروفة ومارس أعمالا وتكلم مع أشخاص وفعل أشياء كثيرة، غير أنه في الواقع لم يبرح مكان وجوده أو مكان نومه لحظة واحدة، وقد يوهمه بأنه صعد إلى السماء ودخل الجنة التي أعدها الله للمتقين وشرب من أنهارها وأكل من ثمارها وعانق الحور العين، ويرى صورة جهنم الزائفة وكيف يعذب فيها المخطئون وبالسياط يضربون وبالسلاسل مقيدون وإلى قاعها يسحبون.

 

إن الرؤية من خلال ما يسمى بالعين الثالثة أو تغميض العينين أو الاستبصار تعد من قبيل الحقائق التي أثبتتها التجارب وقامت عليها البراهين، ولا يصح تعميمها على جميع الناس، وهي تختلف باختلاف شخصية الإنسان ومدى قدرته على استيعابها وتآلف تراكيبها لتمكين الشخصية الروحانية من استخدامها وتسهيل طريقة التخاطب المتبادل. وأن ما يراه الإنسان من خلال تغميض العينين أو في النوم هو انعكاس ما يريه القرين الجني لمقرونه. فينقل الصورة إلى عقله كما يراها وينعكس إحساس القرين على إحساس مقرونه، ولا قدرة لروح البشر أن تخرج من جسده وتذهب إلى الأماكن القصية. فكل ما يراه الإنسان انعكاسا لما يفعله القرين من خلال هذا الجهاز حتى وإن كان ذلك عن بعد، وبدون قرينه لن يكون بمقدور أي مخلوق بشري رؤية ما يوجد وراء الأستار المادية.

 

ويجب أن نصف هؤلاء بصفاتهم الظاهرية لأننا نجهل مكامن نفوسهم الخفية. ولعلنا نطلق عليهم أسماء كثيرة ولكن لا يعتبر تمايزهم تفوقا عن الآخرين أو هم أصحاب مواهب نيرة. وإذا توفرت لدى الباحث المنصف القدرة وتوغل بكل شجاعة وبكل موضوعية علمية نزيهة في عمق هذه الفلسفة سينتهي بعد جهد شاق إلى قناعة تزول فيها التناقضات بعدما يكتشف أن هذه التقنيات اختلط فيها العلم بالخرافات ورواسب المعارف السحرية الموروثة المتلبسة بأصحاب خوارق العادات، وشغلهم أنهم يوزعون الأوهام لتنويم العقول.

 

لعل الكثير من الناس لا يستوعبون فكرة دخول الجن والشيطان جسد البشر، وهذا الرأي غير محق ولا يقوم على دليل من الأدلة الصحيحة ولا على أي عمل مجرب ولا يؤيده دين من الأديان... بل الثابت من قول الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:﴿إذا ثاب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل.[1] 

 

ومما يعزز صحة رأينا ويدحض مزاعم الآخرين، ما ورد في قصة عثمان ابن أبي العاص الذي قال: ﴿لما استعملني رسول الله r  على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي، فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله r،فقال: فقال ابن أبي العاص، قلت : نعم، يا رسول الله، قال : ما جاء بك ؟  قلت يا رسول الله: عرض لي شيء في صلواتي حتى ما أدري ما أصلي. قال: ذاك الشيطان، أدنه، فدنوت منه فجلست على صدور قدمي. قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمي. وقال: أخرج عدو الله. ففعل ذلك ثلاث مرات ثم قال: ألحق بعملك. قال: فقال عثمان فلعمري ما أحسبه خالطني بعد .[2]  

 

ثم أن الله بين في آيات عدة أن باستطاعة القرين التأثير في أفعاله، وأن مكائده ودسائسه عظيمة أكثر مما نتصور وأن ما يتفنن في افتعاله أعظم ((ومن يكن له الشيطان قرينا فساء قرينا )).[3] 

 

والذين ازدادوا بعدا عن الله وتمادوا في طغيانهم قد يزين الشيطان أعمالهم ويعمي أبصارهم ويجتلينهم عن كل طريق مستقيم كما قال تعالى: (( و قيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين )).[4]  

 

فهو يَعِدُ الذين يستجيبون لوساوسه وإشاراته وهمساته بالوعود الكاذبة ويغريهم بالأماني الباطلة الخادعة وما يعدهم إلا خديعة لا دليل على صحتها كما قال تعالى في محكم تنزيله:((يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً )).[5]   

 

ولما يقضى الأمر يوم القيامة يتبرأ الشيطان الباطن من الذين اتبعوه في الدنيا وجعلوا من وساوسه حجة على صحة أفكارهم وآرائهم فيقول لهم إن الله وعدكم وعد الحق فصدقكم ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من قوة وقدرة أفرضها عليكم حتى تتبعوني، فمن خلال همساتي ووساوسي استجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، وأنا لست بمغيثكم ولا أنتم تستطيعون إغاثتي، إني كفرت بما أشركتموني كما جاء في قوله تعالى: ((وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )).[6]   

 

لقد حذر الله رسوله من أن الشيطان كان سببا في انحراف الأمم ما قبل الإسلام بالغواية والتزيين، رغم أنه بعث فيهم أنبياء يهدون إلى الحق وإلى صراطه المستقيم، ومع ذلك لم يسلموا من مكائده، واستجابوا إلى ما زينه في قلوبهم وعملوه من الشرك والتكذيب بالأنبياء وأنشأ لهم عقائد وديانات وهو متول أمورهم اليوم، كما كان وليا لهم قبل الإسلام. في قوله (( تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )).[7]    

 

وهذا الشيطان الباطن يستخف بكل من يستطيع الاستخفاف به بصوته ودعوته إلى إشراكه في أمره بحيث يجمع عليه ما استطاع من جنده ويجعل شركة لنفسه في ماله وأولاده، ويصيح عليه بخيله ورجله ويعد أتباعه، ولكن وعوده وعود كاذبة كما قال سبحانه وتعالى: ((وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ ومَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً)).[8]   

 

وسمى الله هذه الأعمال الشيطانية بالفتنة التي تلقى في قلوب الذين لهم شك في الله والذين لهم قلوب مريضة وقاسية إذ لا يؤثر فيها شيء غير الذي ألقي في قلوبهم من أضاليل الشياطين وهم في خلاف بعيد في قوله: (( لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنّ َالظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ )).[9]   

 

وكذلك فإن الشياطين يوحون إلى أوليائهم من خلال طرق مختلفة كالهمس في القلب والأذن والإلهام القلبي والأحلام وبواسطة تغميض العينين، فهو يوحي إلى أوليائه الذين يعتقدون صحة ما يوحى إليهم من غير طريق واحد ليجادلوا الذين آمنوا، فإن صدقهم أحد فهو من المشركين كما قال عز وجل: ((وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)).[10]  

 

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ﴿ما منكم من أحد إلاّ وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير.[11]   والحديث النبوي كما رأينا بيَّنَ أن القرين يأمر صاحبه بفعل أشياء بطريقته الخاصة، فمن كان خيَّرا أمر بفعل الخير ومن كان شريرا أمر بفعال الشر، وقرين النبي عليه الصلاة والسلام كان ممن يأمر بالخير، بحيث أمره بالأسلوب الذي يأمر به أي قرين مقرونه وبالطرق التي أشرنا إليها سابقا ﴿فلا يأمرني إلا بخيروهذا الحديث لكاف في إثبات تأثير القرين في مقرونه، ولكن للأنبياء ميزة خاصة بحيث كانوا يفرقون بين إيحاءات الجن والشياطين وبين وحي الملك. والحقيقة التي لا شك فيها أن أحاديث العقل الباطن هي وساوس الشيطان الباطن لا غير.

 

عبد الفتاح بن عمار

 

[1] صحيح مسلم.

[2] سنن ابن ماجة.

[3] النساء 38

[4][4] فصلت 25

 

[5] النساء 120

[6] إبراهيم 22

 

[7] النحل 63

 

[8] الإسراء 64

[9] الحج 53

[10] الأنعام 121

[11] رواه مسلم

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق