]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ميراث الأنبياء

بواسطة: عبد الرحمان عبد السلام  |  بتاريخ: 2013-01-07 ، الوقت: 17:51:01
  • تقييم المقالة:

 

                            ميراث الأنبياء(1)

قال الله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبد الله واجتنبوا الطاغوت ).

 

                                   بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أم بعد .

اعلم أخي المسلم - رحمك الله – أن التوحيد هو حق الله على العبيد وهي الغاية التي من أجلها خلقهم، قال الله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) .

قال أهل العلم: أي ليوحدوني وأمروهم وأنهاهم.

فالتوحيد هو أعدل العدل فمن وحد الله عز وجل فقد وضع الشيء في موضعه وأعط العبادة لمن يستحقها، قال تعالى: ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ).

والتوحيد : هو أن يوحد العبد ربه بأفعاله الربوبية وبأسمائه وصفاته وفي العبادة .

والشرك هو أظلم الظلم فمن أشرك بالله فقد وضع الشيء في غير موضعه وفي غير نصابه وأعطى العبادة إلى من لا يستحقها وافترى إثما عظيم ،قال الله تعالى حاكيا عن لقمان موصيا لابنه(يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ).

والشرك :هو أن يجعل العبد شريكا مع الله في أفعله الربوبية أو في أسمائه وصفاته أو في العبادة .

وكما أن التوحيد مقرون بالعلم لقوله:( فاعلم أنه لا إله إلا الله...) الآية.

وكذلك الشرك مقرون بالجهل ، لقوله تعالى : ( قل أفغير الله تأمرون أعبد أيها الجاهلون ) .

فلذلك يجب عليك يا أخي المسلم أن تعلم ما هو التوحيد الذي أوجبه الله عليك بشروطه وأركانه ونواقضه وتعمل بمقتضى هذا العلم الذي يحفظ لك توحيدك لربك.

                                      أولا: شروط التوحيد   

  وهي شروط لا إله إلا الله .

والشرط: هو ما لا يقبل الشيء إلا به وبوجوده.

فيجب أن تعلم يا أخي المسلم أن شروط التوحيد ذات أهمية عظيمة يجب على كل مسلم تعلمها و الإتيان بها ، وهذا لأن انتفاء شرط من شروط  التوحيد يعني انتفاء أصل الإيمان والإسلام كالصلاة إن انتفى أحد شروطها كاستقبال القبلة أو ستر العورة أو غير ذلك من شروط الصلاة فإنها تبطل ، وأما شروط التوحيد فهي سبعة :-

( الشرط الأول ) : هو العلم ، قال الله تعالى : (فاعلم أنه لا إله إلا الله ) الآية .

أي فاعلم أنه لا معبود بحق إلا الله. لأن معنى الإله هو المألوه أي المعبود , وهذا لأن الجهل بأن الله وحده هو المستحق للعباد مانع في قبول إسلام العبد، ولذلك جعل العلم هنا شرطا في قبول إسلام العبد .

قال عليه الصلاة و السلام:( من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة ) رواه مسلم

( الشرط الثاني ) اليقين: و هو أنه بعد أن علم التوحيد و علم أنه لا إله إلا الله فلابد عليه أن يتيقنها و يتيقن ما دلت عليه من إفراد  الله وحده بجميع أنواع العبادة فلا يكون شاك بمدلولها ولا مترددا، قال الله تعالى :( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ).

و في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله علي وسلم قال:(أشهد أن لا إله إلا الله و أني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة ).            

(الشرط الثالث) القبول: وهو أنه بعد أن علم التوحيد وعلم معنى لا إله إلا الله وتيقنها فلابد عليه أن يقبلها ولا يردها بأي شيء من العبادة ، قال الله تعالى : (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ، ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ) .

(الشرط الرابع ) الانقياد : وهو أنه بعد أن علم التوحيد ومعنى لا إله إلا الله وتيقنها وقبلها فلابد عليه أن ينقاد إليها ، وهذا حيث أنه يكفر بكل طاغوت ويتبرأ منه ويؤمن بالله وحده ويتجرد له ،قال الله تعالى : (فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بنهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) .

والفرق بين الشرط الثالث والشرط الرابع وهو أن الشرط الثالث وهو (القبول) يكون في الأقوال، وأم الشرط الرابع وهو (الانقياد) فإنه يكون في الأفعال.

(الشرط الخامس) الصدق : وهو أنه بعد أن علم التوحيد ومعنى لا إله إلا الله وتيقنها وقبلها وانقاد إليها ، فلابد عليه أن يكون صادقا فيها ، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من احد يشهد أن لا إله إلا الله وان محمد رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه  الله على النار ).

وقال عليه الصلاة والسلام: ( من قال لا إله إلا الله صادقا من قلبه دخل الجنة ) رواه أحمد.وأما من قالها بلسانه وأنكر مادلت عليه هذه الكلمة بقلبه فإنها لا تنجيه كما حكى الله عن المنافقين أنهم قالوا : ( نشهد إنك لرسول الله ... ) ، فقال الله تعالى : ( والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) .

وكذلك كذبهم الله تعالى بقوله: ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ).

( الشرط السادس) الإخلاص : وهو أنه بعد أن علم التوحيد ومعنى لا إله إلا الله وتيقنها وقبلها وانقاد إليها وكان صادقا فيها ، فلابد عليه أن يكون مخلصا في ذلك ، فالإخلاص هو أن تكون العبادة لله وحده دون أن يصرف منها العبد شيئا لغيره ، قال الله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ) .

وكذلك من الإخلاص أن لا يقولها ويلتزمها مداراة لأحد ، قال عليه الصلاة والسلام :( ... فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) رواه البخاري و مسلم.

وقال عليه الصلاة والسلام : ( أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا مخلصا من قلبه ) رواه البخاري .

( الشرط السابع) المحبة : وهو أنه بعد أن علم التوحيد ومعنى لا إله إلا الله وتيقنها وقبلها وانقاد إليها وكان صادقا فيها ومخلصا فيها لله عز وجل ، فلابد عليه أن يحب هذه الكلمة فيحبها بقلبه ويظهر المحبة على لسانه ، قال الله تعالى: (ومن الناس  من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ) .

                                             ثانيا:أركان التوحيد      

وهي أركان لا إله إلا الله .

والركن هو ما لا يصح الشيء إلا به وبوجوده لأنه هو الأساس الذي يبنى عليه الشيء.

 والفرق بين الركن والشرط: هو أن الركن يكون بداخل الشيء ومتوقف عليه صحته، فلا يصح الشيء إلا به.

أما الشرط فإنه يكون خارج الشيء ومتوقفا عليه قبوله فلا يقبل الشيء إلا به.

فإذا علمت ياأخي أيضا ما هو الركن ، فاعلم أن التوحيد الذي أوجبه الله عليك له أركان كما أن للصلاة أركان لاتصح الصلاة إلا بالإتيان بها كتكبيرة الإحرام والسجود والركوع والتشهد الأخير وغير ذلك من أركان الصلاة التي إذا أخل العبد بأي ركن منها بطلت صلاته ، فكذلك التوحيد له أركان إذا أخل العبد بأحد هذه الأركان لم يكن موحدا ولن تنفعه لا إله إلا الله شيئا .

 وأما أركان التوحيد فهما ركنان:-

الركن الأول: الكفر بالطاغوت، وأما الركن الثاني: فهو الإيمان بالله وحده.

ودليل ذلك قوله تعالى : ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ) .

والعروة الوثقى : هي كلمة لا إله إلا الله ن وهي كلمة التوحيد .

وفي صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله فقد حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل ).

     الركن الأول: الكفر بالطاغوت.

واعلم... أخي – هداك الله إلى طريق الرشاد – أن العبد لا يكون موحدا حتى يكفر بالطاغوت، ولن يكفر بالطاغوت حتى يعلم ما هو الطاغوت.

فأما تعريف الطاغوت في اللغة : فهو مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد . قال الله تعالى : ( إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية ) ، أي لما زاد الماء وتجاوز حده المعتاد .

 وأما تعريفه في الشرع : فالطاغوت هو كل من طغى وتجاوز حده وأخذ حقا من حقوق الله ونسبه لنفسه ، وجعل نفسه ندا لله في ما يختص به سبحانه .

وحتى يتضح المعنى فبيان معنى الطاغوت، هو أن يصرف مخلوق إحدى هذه الأمور الثلاث:-   

1-أن يصرف مخلوق لنفسه فعلا من أفعال الله عز وجل، كالخلق أو الرزق أو التشريع... الخ، فإن فعل ذلك فهو طاغوت.

2- أن يصرف مخلوق لنفسه صفة من صفات الله عز وجل كعلم الغيب، فإن فعل ذلك فهو طاغوت.

3- أن يصرف لمخلوق عبادة من العبادات ، كدعاء ، أو النذر ، أو ذبح القربان أو التحاكم .... الخ فإن أقر ذلك فهو طاغوت ، وقد يكون سكوته وعدم الإنكار إقرار إن لم يتبرأ ويترك ، وهذا لأن الإقرار قد يكون بلسان المقال وقد يكون بلسان الحال .

فأما الإقرار بلسان المقال: كأن يقر بلسانه عبادة من عبده أو استغاث به أو سجد له أو تحاكم إليه وإلى حكمه من دون حكم الله، ونحو ذلك.

وأما الإقرار بلسان الحال : كأن يرى الناس تصرف له عبادة أو تسجد له أو تنذر له أو تتحاكم إليه وإلى حكمه من دون حكم الله ، ثم لا ينكر عليهم ذلك فهذا يكون طاغوتا وإن تبرأ بلسانه لأنه لم يترك ما هو عليه من الكفر .

فهذه الأمور الثلاث التي ذكرناها آنفا من صرف منها شيئا لنفسه فهو طاغوت وند لله تعالى ، وقد عرف الإمام مالك الطاغوت بقوله : ( والطاغوت هو كل ما عبد من دون الله عز وجل ) أ ه.

وهذا تعريف عام جيد يدخل فيه جميع ما عبد من دون الله ، ومن هذه المعبودات التي تعتبر طواغيت ، (الأصنام ) ومنها ( الأوثان من قبور و أحجار وأشجار و غيرها من الجمادات المعبودة ) ومنها (الأحكام التي يتحاكم إليها من دون حكم الله تعالى ) ومنها (القضاة الذين يحكمون بين الناس بهذه الأحكام المخالفة لحكم الله )ومنها ( الشيطان ) ومنها ( السحر ) ومنها ( الكهنة الذين يتكلمون بعلم الغيب ) ومنها ( الذين عبدوا ورضوا بالعبادة ) ومنها ( الذين نصبوا أنفسهم محللين ومحرمين ومشرعين ) ، فهؤلاء كلهم طواغيت يجب الكفر بهم والبراءة منهم و ممن عبدوهم .

                                          رؤوس الطواغيت 

يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله : الطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة :

( الأول ) الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله تعالى، والدليل قوله تعالى: { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين }.

( الثاني ) الحاكم الجائر المغير لأحكام الله تعالى ،والدليل قوله تعالى : { ألم ترى إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ... } الآية.

وهنا لم يفصل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله في حكم من غير أحكام الله ولو كان يرى بالتفصيل لبينه في هذا الموضع، حيث إنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

(الثالث ) الذي يحكم بغير ما أنزل الله، قال الله تعالى: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }.

ومقصود الشيخ هنا هو القاضي الذي يحكم بشريعة ذلك المغير لأحكام الله.

( الرابع ) الذي يدعي علم الغيب من دون الله، قال الله تعالى: { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا }.

( الخامس ) الذي يعبد من دون الله وهو راضي بالعبادة، والدليل قوله تعالى: { ومن يقول منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين } ( مجموع التوحيد: الرسالة الأولى ).

                                     كيف تكفر بالطاغوت  

واعلم أخي – نور الله قلبك – أن صفة الكفر بالطاغوت يلزم منها خمسة أمور :

(أولا) الاعتقاد ببطلان عبادة الطاغوت قال تعالى : { ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير } .

( ثانيا ) الترك والاجتناب: وهو ترك عبادة الطاغوت، قال تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت }وقال تعالى: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان }.

واعلم أخي – هداك الله – أن من عبادة الطاغوت ، و الأوثان التحاكم إليها و الاستنصار بها والنذر لها ، يقول الحافظ بن كثير رحمة الله عليه : (( الطاغوت الشيطان ، فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها ، والاستنصار بها )) ( تفسير آية 256 من سورة البقرة ).

وينبغي أن تعلم يا أخيالمسلم أن الترك هنا على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الترك بالاعتقاد، القسم الثاني: الترك بالقول، القسم الثالث: الترك بالفعل، فلن يكون العبد مجتنبا للطاغوت وتاركه حتى يأتي بهذه الأقسام الثلاثة من الترك:

-لأن من الناس من يترك بقوله وفعله ولا يترك باعتقاده، وهذا هو حال المنافقين.

- ومن الناس من يترك باعتقاده ولا يترك بقوله، وهذا حال من يقسم على احترام الأصنام والأوثان و الطواغيت – ومن الناس من يترك باعتقاده ولا يترك بفعله، وهذا هو حال من يسجد للطاغوت أو يذهب ويتحاكم إليه.      إذا لا يكون العبد مجتنبا للطاغوت حتى يأتي بهذه الأقسام الثلاثة من الترك.

وقد يقول قائل هنا ، لايلزم من الاجتناب والترك أن يكون الإنسان مجتنبا للطاغوت بفعله ، فيكتفي في اجتنابه أن يكون مجتنبه باعتقاده وقوله .

فالجواب : هو أننا نقول أن هذا القول باطل وعلة بطلانهما بينه الله تعالى في معنى الاجتناب بأنه يكون بالاعتقاد والقول و الفعل ، يقول الله تعالى : { إنما الخمر والميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } .

فمن المعلوم أن من اعتقد الخمر حرام وتلفظ بهذا الاعتقاد ، ولكنه استمر في شرب الخمر ولم يترك ذلك بفعله أنه لايقال له أنه مجتنب لشرب الخمر ، بل يقال بأنه شارب للخمر ، ومستحق للعقوبة ، ( وهو مسلم عاصي ) .

فكذلك أيضا الذي يعتقد أن التحاكم إلى الطاغوت كفر ، ويتلفظ بهذا الاعتقاد ، ولكنه استمر على فعله بالتحاكم إلى الطاغوت وصرف عبادة التحاكم له ولم يترك ذلك ، فإنه لا يقال عنه أنه مجتنب للطاغوت ومجتنب لعبادته بل يقال أنه عابد للطاغوت مشرك بربه جل وعلا يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في كتابه ( تيسير العزيز الحميد ص419) باب قوله تعالى :{ ألم تر إلى الذين يزعمون ...} الآية.

يقول : (( وفي الآية دليل على أن ترك التحاكم إلى الطاغوت الذي هو ما سوى الكتاب والسنة من الفرائض ، وأن المتحاكم إليه غير مؤمن بل ولا مسلم )) أه.

 وهنا أمر يجب أتنبه عليه وهو أن الله تعالى عندما أمرنا أن نكفر بالطاغوت ونجتنبه أمرنا أن نجتنبه من وجه طاغوتيته، فلا نصرف له حق الله تعالى الذي لا يكون إلا له .

-         فإذا كان هذا الطاغوت ممن يستغاث به فلا يستغاث به . -         وإذا كان هذا الطاغوت ممن يذبح له وتقرب له القرابين فلا يذبح له. -         وإذا كان هذا الطاغوت ممن يتحاكم إليه فلا يتحاكم إليه . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ((ولهذا سمى من تحوكم إليه من حاكم بغير كتاب الله طاغوت )) ، ( مجموع الفتاوى 28/201 ) . ويقول ابن القيم (( فطاغوت كل قوم من يتحكمون إليه غير الله ورسوله )) ( أعلام الموقعين 1/40 ) . ( ثالث ) العداوة : قال الله تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه السلام حين قال لقومه { أفرءيتم  ما كنتم تعبدون ، أنتم وآباءكم الأقدمون ، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين }. (رابعا ) البغض : قال الله تعالى : { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برأؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده } . ( خامسا ) تكفره: أي تكفير الطاغوت، وتكفير من عبده وتولاه، وتكفير كل من أتى بملة الكفر أو دعا إليها. يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه: (( اعلم رحمك الله تعالى أن أول ما فرض الله على ابن آدم الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، والدليل قوله تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت }. (( أما صفة الكفر بالطاغوت، أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتبغيضها وتكفر أهلها وتعاديهم )). ويقول أيضا (( وعلم أن الإنسان ما يصير مؤمنا إلا بالكفر بالطاغوت ، والدليل قوله تعالى : { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } . ( مجموعة التوحيد – الرسالة الأولى ص 14-15) . ويقول أيضا رحمة الله عليه : (( فالله الله يا إخواني ، تمسك بأصل دينكم ، وأوله آخره ، وأسه ورأسه ، شهادة أن لا إله إلا الله ، واعرفوا معناها وأحبوها ، أحبوا أهلها ، وأجعلهم  إخوانكم ، ولو كانوا بعيدين ، واكفروا بالطواغيت وعادوهم ، وأبغضوهم و أبغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يكفرهم ، أو قال : ما علي منهم ، أو قال : ما كلفني الله بهم ، فقد كذب هذا على الله وافترى ، فقد كلفه الله بهم ، وافترض عليه الكفر بهم ، والبراءة منهم ولو كانوا إخوانهم وأولادهم .  فالله الله، تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم، لا تشركون به شيئا، اللهم توفنا مسلمين، ألحقنا بصالحين.    -                                                                (مجموعة التوحيد –الرسالة الخامسة)

  

  

                                    الركن الثاني الإيمان بالله وحده                                                                      وأما الركن الثاني من أركان التوحيد فهو الإيمان بالله وحده.

و الإيمان بالله : وهو أن تؤمن بالله عز وجل وتفرده بأفعاله الربوبية وأسمائه و صفاته وتفرده بجميع أنواع العبادة التي لا تكون إلا له , و الإيمان بالله تعالى علي ثلاثة أقسام :

القسم الأول : الإيمان بربوبية الله : و هو أن تؤمن بأفعال الله تعالى الخاصة بربوبيته كالخلق و الرزق و التشريع و غيرها من أفعال الله و توحده و تفرده بها دون أن تصرف منها شيئا لغيره ، قال الله تعالى : { الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذالكم من شيء سبحانه و تعالى عما يشركون } .

القسم الثاني : الإيمان بأسماء الله و صفاته : و هو أن تؤمن بما أثبته الله لنفسه من الأسماء و الصفات و ما أثبته له رسول الله صلى الله عليه و سلم من غير تكيف و لا تعطيل و لا تحريف و لا تمثيل ، قال تعالى : { ليس كمثله شيء و هو السميع البصير } .

ثم توحده وتفرده في أسمائه التي لا تكون إلا له سبحانه، قال تعالى: { قل لا يعلم من في السماوات و الأرض الغيب إلا الله }

.القسم الثالث : الإيمان بألوهية  الله : و هو أن تؤمن بأن الله هو الإله المعبود وحده و أن جميع العبادات من دعاء و ركوع و سجود و نذر و غيرها من العبادات هي حق محض له سبحانه ، وتوحده وتفرده بها دون أن تصرف منها شيئا لغيره قال تعالى : { و اعبدوا الله و لا تشركوا به شيئا ...} الآية.

                     كيف يكون العبد موحدا لله عز وجل

اعلم أخي – وفقك الله إلى ما يحب ويرضى – أن العبد لا يكون موحدا لله عز وجل إلا بأمرين : 

[ الأمرالأول ] أن يعرف حق الله ويثبته له وحده دون ما سواه.

فأما حقوق الله تعالى الخاصة به فهي ثلاثة حقوق:

(الحق الأول) وهو أفعال خاصة بروبيته لا تكون إلا له ، يختص بها سبحانه لا يجوز لأحد من البشر صرف شيء منها لغيره لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل ، ومن هذه الأفعال التي لا تكون إلا له عز وجل ( أنه هو الذي يخلق من العدم ، ويرزق من العدم ن ويحيي ويميت ، وينفع ويضر ، ويدبر الأمر ويصرف الكون ، ويصدر الأحكام ويشرع ، وأنه بيده ملكوت كل شيء سبحانه ) .

( الحق الثاني ) وهو أسماء وصفات يتصف بها ويختص بها سبحانه لا تكون إلا له وحده ، لا يجوز لأحد من البشر صرف شيء منها لغيره لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل .

فأما أسماء الله تعالى الخاصة به، كاسم (الله ) و (الأحد ) و (الصمد ) و(الرحمن ) و ( القدوس ) وغيرها من الأسماء التي لا تكون إلا له.

وأما اسم ( الكريم ) و ( الرحيم ) و ( الملك ) فهي أسماء مشتركة بين الله وبين عباده.

وأما صفات الله تعالى التي لا تكون إلا له ( كصفة كمال القدرة وأنه على كل شيء قدير ، ومنها صفة كمال العلم وأنه قد أحاط بكل شيء علما ومن ذلك صفة علم الغيب ، ومنها صفة كمال السمع وأنه يسمع القريب والبعيد ، وغير ذلك من صفات الكمال التي لا تكون إلا له عز وجل ) .

( الحق الثالث ) وهو عبادات محضة خالصة له سبحانه لا تكون إلا له ، وهي حق له على عباده ، يصرفها له عباده ويفردونه بها لأنه هو الذي خلقهم ورزقهم ويميتهم ويحييهم قال الله تعالى :{ الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركاءكم من يفعل من ذالكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون }.

وقال تعالى: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون، الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون}.

وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال: يا معاذ أتدري ماحق الله على عباده وما حق العباد على الله ؟ قال الله ورسوله أعلم، قال: ( حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشرك به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا )، قال يا رسول الله، أفلا أبشر الناس، قال: ( لا تبشرهم فيتكلوا ).

ومن أنواع العبادة التي لا تكون إلا لله ( كالدعاء ، والركوع ، والسجود ، والمحبة ، والتعظيم ، والخوف ، والرجاء ، والإنابة ، والرغبة ، والرهبة ، والخشوع ، والخشية ، والتوكل ، والطواف ، والاستغاثة ، والاستعانة ، والاستعاذة ، والنذر ، وذبح القربان ، والتحاكم ، وغير ذلك من العبادات التي لا تكون إلا له فمن صرف منها شيئا لغيره فإنه مشرك كافر وإن صلى وصام وحج وزعم أنه مسلم ).

[ الأمر الثاني ] أن يوحد الله تعالى ويعبده باعتقاده وقوله وفعله، لأن عبادة الله وتوحيده مبنيان على ركنين:

الأول: الكفر بالطاغوت، والثاني: هو الإيمان بالله وحده.

( فأما الكفر بالطاغوت ) : فهو الركن الأول من أركان التوحيد ، ولا يصح هذا الركن حتى يكفر العبد بالطاغوت باعتقاده ، وقوله ، وفعله ، فإذا كفر العبد بالطاغوت باعتقاده وقوله وفعله ، فإنه حينئذ يكون كافرا بالطاغوت وإن اختلا لازم واحد من أحد هذه اللوازم الثلاث لم يكن العبد كافرا بالطاغوت .

والدليل قوله تعالى: { ولقد بعثنا فيكم رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت }الآية.

وقد بينا في ما سبق أن الاجتناب يكون بالاعتقاد والقول والفعل.

مثال ذلك لو اعتقد إنسان أن الله تعالى هو المشرع وحده وتلفظ بهذا الاعتقاد ، ولكنه ذهب بعد ذلك وفعل فعلا كفري كأن نصب بفعله مشرعا مع الله في سلطة تشريعية تصرف لنفسها حق التشريع المطلق الذي لا يكون إلا لله ، فإنه حينئذ يكون مشركا بالله تعالى في ربوبيته في جانب العمل .

يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه : ( واعلم رحمك الله أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد والحب والبغض ، ويكون على اللسان بالنطق وترك النطق بالكفر ، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام وترك الأفعال التي تكفر فإذا اختل واحد من هذه الثلاث كفر وارتد )، (الدرر السنية – كتاب حكم المرتد 8/ 87).

( وأما الإيمان بالله وحده ) فهو الركن الثاني من أركان التوحيد ، ولا يصح هذا الركن حتى يؤمن العبد بالله تعالى ويعبده باعتقاده، وقوله ، وفعله ، فإذا آمن العبد بربه باعتقاده وقوله وفعله ، فإنه حينئذ يكون مؤمنا بالله ، وإن اختل لازم واحد من أحد هذه اللوازم الثلاث لم يكن العبد مؤمنا بالله ، وقد بوب الإمام الآجري رحمة الله عليه بابا في كتابه ( الشريعة ) فقال (( باب القول بأن الإيمان تصديق القلب ، وإقرار اللسان ، وعمل الجوارح  ، لا يكون مؤمنا إلا أن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث )).

إذا يكون العبد موحدا لله عز وجل بأمرين :

الأمر الأول: معرفة حق الله تعالى، وقد بينا في ما سبق الأمر الأول أنها على ثلاثة حقوق.                      الأمر الثاني: أن يوحد الله تعالى ويعبده باعتقاده وقوله وفعله، وقد بينا في الأمر الثاني كيفية عبادة الله بالاعتقاد والقول والفعل وهو أن يستوفي العبد جميع لوازم الكفر بالطاغوت وجميع لوازم الإيمان بالله،ويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب في رسالة كشف الشبهات: (( ولا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن اختل شيء منة هذا لم يكن الرجل مسلما )).

                                      ثالثا: نواقض التوحيد                                              

وهي نواقض لا إله إلا الله.

والناقض : هو ما يفسد الشيء ويبطل وجوده ، فيجب أن تعلم يا أخي المسلم أن للتوحيد نوا قض كما أن للصلاة نواقض إذا وقع المصلى في أي ناقض منها بطلت صلاته ، كالضحك قهقهة ، وكالأكل والشرب في الصلاة ونحو ذلك من نواقض الصلاة ، فكذلك التوحيد له نواقض إذا وقع العبد في أي ناقض منها بطل توحيده وكان بالله مشركا كافرا .

ومن نواقض التوحيد ما يلي :

1-     الشرك بالله تعالى ، قال تعالى : { إ ن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } . 2-     من جعل بينه وبين الله وسائط  يسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم ، كفر إجماعا، قال الله تعالى : { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } .

وهذا هو حال من يأتون قبور الأولياء والصالحين فيصرفون لهم شتى أنواع العبادات من دعاء أو نذر، أو ذبح، أو استغاثة أو طواف حول قبورهم معتقدين أنهم سوف يكونون لهم شفعاء عند الله.

3-     من استهزاء بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو ثوابه أو عقابه كفر ، قال تعالى : { قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } . 4-     السحر ومنه ( الصرف ) وهو التفريق بين اثنين كالزوج والزوجة ووقوع الكراهية بينهم بسبب هذا النوع من السحر ، ومنه ( العطف ) وهو كفعل التوله وهو شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها وهو ضرب من السحر ، وإنما كان من الشرك لما يراد به من دفع الضار وجلب النافع من غير الله تعالى فمن فعله فقد كفر قال تعالى:{ومايعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } . 5-     مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، قال تعالى: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين }، ومظاهرة المشركين: أي مناصرتهم وإعانتهم على المسلمين. 6-     القسم على احترام الصنم أو الأوثان أو الدستور الوضعي أو غيرهم من الطواغيت ، يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : (( اعلم رحمك الله أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد و الحب والبغض ، ويكون على اللسان بالنطق وترك النطق بالكفر ، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام وترك الأفعال التي تكفر فإذا اختل  واحد من هذه الثلاث كفر وارتد )) ، (الدرر السنية – 8/87 ) .  

ويقول أيضا في رسالته كشف الشبهات (( فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب؟ )) .

باب حكم المرتد وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعا كثيرة ، كل نوع منها يكفر ، ويحل دم الرجل وماله ، حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها ، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه ، أو كلمة يذكرها      

على وجه المزح واللعب )).

وقال في آخر رسالته : (( فإذا تحققت أن بعض المنافقين الذين غزوا الروم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب ، تبين لك أن الذي يتلكم بالكفر ، أو يعمل به خوفا من نقص مال أو جاه أو مداراة لأحد أعظم ممن تكلم بكلمة يمزح بها )) .

7-     أن يجعل العبد شريكا مع الله أو ندا له في محبة ، يقول الإمام ابن القيم : (( ولهذا كان أعظم الذنوب عند الله الشرك وأصل الشرك بالله : الإشراك في المحبة ، كما قال تعالى : {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ، والذين آ منوا أشد حبا لله } ( الجواب الكافي – فصل التتميم ) .                                                                                     جعلنا الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثير 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق