]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عندما يبكى الرجال . . . . . . ! !

بواسطة: د. وحيد الفخرانى  |  بتاريخ: 2013-01-06 ، الوقت: 12:15:26
  • تقييم المقالة:

عندما يبكى الرجال . . . . . . ! !   ( بقلم : د . وحيد الفخرانى )

------------------------------

قابلتنى صدفة . . ذات مساء ، وأنا جالس وحدى فى أحد النوادى الإجتماعية ، وقد إنتحيت جانباً فى ركن هادئ ، من أركان النادى ، بعيداً عن صخب الكبار ولعب الصغار . . جاء مقعدى قريباً من مقعدها ، على بعد خطوات ، حيث جلست هى أيضاً بمفردها ، وقد أمسكت بيدها إحدى روايات الأديب الراحل يوسف السباعى ، تبينتها أنا من بعيد رواية " لا أنام " ، وقد إستغرقت فى القراءة ، وأخذت تطوى الصفحات طياً ، وبدا عليها الإصرار على إتمام قراءتها ، حتى إنتهت منها .

وفجأة . . أغلقت الكتاب ، بعد أن فرغت من القراءة ، وإمتدت يدها ، لتضعها على المنضدة أمامها ، ورفعت عينيها نحو السماء ، وظلت شاردة الذهن ، وهائمة فى الخيال ، حتى إنتبهت بعد لحظات ، على صوت جرس هاتفها المحمول ، إلتقطته بسرعة ، وتحدثت إلى شخص ما هاتفها . . وبعد دقائق قليلة ، أنهت المكالمة ، وأعادت هاتفها إلى حقيبتها ، وإستعدت لمغادرة المكان . . نظرت من حولها يميناً ويساراً ، فوقعت عيناها علىّ ، وما أن نظرت إليها ، حتى نهضت نحوى ، وهى تبتسم وتلقى علىّ التحية ، فرددتها ، وإستأذنت للجلوس معى وكأنها تعرفنى ، فأذنت لها . . وما أن جلست حتى بادرتنى بالحديث قائلة :

قالت ( وهى تبتسم ) : لقد أسعدنى الحظ أن قابلتك أيها الأستاذ الأديب ، صاحب القصص والحوارات .

قلت ( وأنا أرد مبتسماً ) : وأنا أيضاً أسعدنى لقاءكً ، ما دمتِ تعرفيننى .

قالت : أعرفك جيداً ، ولكنك لا تعرفنى . . فأنا إمرأة من كثيرات من النساء ، يقرأن لك قصصك وحواراتك ، وبعض من مقالاتك فى السياسة . . عجيب أمرك هذا .

قلت  ( مندهشاً ) : وما العجب فى أمرى ؟

قالت : كونك أديب ، فتلك نعرفها . . إنك تكتب فى الأدب محراب الخيال فتفتننا بقصصك وحواراتك ، وروائع تحليلاتك فى الحب والغرام ، وفى قلوب العذارى والنساء . . ثم نراك وكأنك تقلب الصفحات ، فتكتب فى السياسة وعالمها الخداع ، وواقعها البعيد كل البعد عن الأحلام ، إنها عالم المآسى والأوجاع ، من ظلم وقهر وغش وكذب وخداع ، فتأسر عقولنا بتحليلاتك وتنبؤاتك ، وتأخذنا إلى الواقع المؤلم المرير ، وكأننا نتنقل معك فى بساتين الإبداع . . ألا يثير ذلك العجب العجاب ؟ أم أنك يا عزيزى ممن لهم أكثر من وجه ، ويرتدون القناع ؟

قلت ( وقد أثار كلامها حفيظتى ) : عزيزتى . . أصحاب الأقلام ينابيع الإبداع ، وقد خلق الله منا من وهبهم القدرة على الإبداع فى أكثر من مجال ، وأحمد الله على تلك النعمة النعماء .

قالت : أهو حقاً حمداً لله عن رضا ؟ أم أنه تواضع المبدعين والأدباء ؟

قلت : هما الإثنان معاً . . كى لا ندخل سوياً فى جدال ؟

قالت : أنا أهوى القراءة ، و خاصة القصص والروايات ، وقرأت للعديد من الأدباء ، وآخر ما قرأت رواية " لا أنام " للأديب القصاص يوسف السباعى ، عملاق الرواية الرومانسية .

قلت : إنها رواية رائعة ، قرأتها عدة مرات ، وشاهدتها فيلماً سينمائياً جميلاً ، لسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة ، منذ أكثر من أربعين عاماً .

 قالت  ( وهى تتساءل ) : ما لأدباء وقصاصى العصر الحديث ، لا يتحدثون فى رواياتهم ، إلا عن النساء ، وكأن العالم قد خلا من الرجال .

قلت : ومن قال لكِ ذلك ؟ هناك العديد من القصص والروايات ، أبطالها من الرجال ، ألم تقرأى رواية " رجل فى بيتى " ، ورواية " أغلى من حياتى " ورواية " بداية ونهاية " ورواية " الحب الخالد " . . أليست كلها روايات أبطالها من الرجال ؟

قالت : ليتنى ما سألتك . . لقد أقنعتنى بسهولة ، فأعذر جهلى .

قلت ( مبتسماً ) : لا بأس . . لا عليكِ .

قالت : لى عندك رجاء . . ما دمت فى حضرتك ، وأنت من الأدباء ، ولك العديد من القصص والحوارات . . إذن حدثنى قليلاً عن الرجال ، فأنت منهم ، وأدرى بحالهم .

قلت : وعن أى أمر من أمور الرجال ، تريدين منى الحديث ؟ فالرجال كالنساء ، لديهم من الخصال والصفات الكثير والكثير . إخبرينى عما تريدين .

قالت : لن أثقل عليك سيدى . . حدثنى فقط عن قلوب الرجال ، وهل تختلف عن قلوب النساء ؟

قلت : إن كنت ِ تقصدين مشاعر الرجال وعواطفهم ، فإن الرجال أقل حظاً من النساء فى هذا الشأن . . فالمرأة يا عزيزتى ، بطبيعتها ، كائن عطوف وحنون ، وأكثر رقة وعذوبة من الرجال . . هكذا خلقها الله سبحانه جل فى علاه ، وهكذا أرادها ، كى تكتمل لها القدرة على فعل ما أمرها الله به ، من رعاية الأسرة ، وتربية الأولاد . . . أما الرجال ، فمن طبائعهن القوة والمنعة ، والصلابة والشدة ، فى أغلب المواقف والأوقات ، من أجل صلاح أمور الحياة . . ومن أجل ذلك – عزيزتى – كان الرجل أقل عطفاً وحناناً ، ورقة وعذوبة من المرأة .

قالت : أتقصد أن تقول أن الرجال قساة القلوب عكس النساء ؟

قلت : لا . . يا عزيزتى . . ما قصدته ، أن الرجل كالمرأة فى الخلق تماماً بتمام ، فكلاهما إنسان ، وقد أودع الله فيهما ذات الصفات ، ولكن بقدر يختلف بينهما ، حسب مهام كل منهما فى الحياة . . ألم تقرأى قول الله تعالى فى كتابه العزيز : " وخلق كل شئ ، فقدره تقديراً " صدق الله العظيم

قالت : وهل يحزن الرجال كما تحزن النساء ؟ أم أن طبيعة الرجال تحول دون ذلك ؟

قلت : إنهم  - بلا شك – يحزنون ، مثلهم مثل النساء . . أليسوا بشراً كما النساء ؟ أليس لهم قلوب وأفئدة كما النساء ؟ ولكن الرجال الأقوياء يكرهون أن تبدو أحزانهم ، أمام أعين الناس .

قالت ( وهى تسأل بإهتمام ) : وهل يبكى الرجال ، كما نبكى نحن النساء ؟

قلت ( مؤكداً ) : نعم . . إنهم يبكون حين الفراق ، وتنساب دموعهم من شدة الحزن والألم . . ألم تقرأى قول رسولنا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام حين مات ولده إبراهيم ، فحمد الله وقال : " إن القلب ليحزن ، وإن العين لتدمع ، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون " صدق رسول الله ؟ ألم يبك رسول الله على ولده حين مات ، ألم تدمع عيناه من ألم الفراق ؟

قالت : وهل الموت وحده ، الذى يُبكى الرجال ، ويُدمع العيون ، فتتساقط العبرات ؟

قلت  ( نافياً ) : لا . . فكل فراق يهتز له إنسان ، يبكى من أجله الرجال .

قالت : حتى فراق الحبيب بالرحيل والبعاد ؟

قلت : فراق الحبيب ؟ أه  ثم آه ثم آه  من فراق الحبيب . . يا عزيزتى . . على قدرالحب وقدر الحبيب ، يأتى ألم الفراق الأليم  . . والرجل حين يحب بكل كيانه وجوارحه ، ويعيش فى محراب الحب ليل نهار ، وصباح مساء ، وكل وقت وأوان ، فإنه يصير أسير ذلك الحب ، ولا يطيق للحبيب بعاداً . . وحين يقع الفراق ، يدمى قلبه ، ويؤلمه أشد الإيلام ، ولا تكفيه حينذاك ،  دموع كل البشر ، ولا العبرات . . فأنا – يا عزيزتى – أعرف من الرجال ، من ذاقوا مرارة فراق الحبيب ، وحسرة البعاد ، وظلوا رهائن سجون الألم والحزن أعوام وأعوام ، فلا الدموع أنقذتهم مما هم فيه ، ولا البكاء أفاد . . ذهب عنهم أحباؤهم ورحلوا ، بعد أن كانوا ساكنى القلوب ، وشاغلى العقول ، ورفقاء الأرواح والنفوس . . ذهبوا وتركوهم يعانون ألم البعاد ، كما يعانى من مات له عزيز ألم الخسران . . ففيما إذن يا عزيزتى ، يختلف الرجال عن النساء ، حين الآلم والأحزان ؟

قالت ( وقد بدا عليها التأثر ) : أرانى عرفت الآن سر نهاياتك الحزينة ، فى القصص والحوارات .

قلت ( وأنا أخفى تأثرى ) : إنها نهايات من وحى الخيال ، يا عزيزتى  .

قالت ( وهى واثقة ) : قل ما شئت ، وإدعى ما شئت ، أيها الأديب القصاص . . ها هى دموع عينيك أراها فى مآقيها ، وها هى قد فضحت ما تحاول إخفاءه .           قلت : ألسنا جميعاً بشر ؟ نحب ونكره ؟ ونفرح ونحزن ؟ ونسعد ونتألم ؟ ونضحك ونبكى ؟

قالت : بلى . . جميعنا بشر ، ولم يخلقنا الله من حجر . . ولولا إشفاقى عليك ، ما غادرتك قط .

ونهضت واقفة . . وإستدارت لتمضى بعيداً عنى . . وهى تنظر إلىّ وتقول : " ما لحظى التعس ، إنى أحيا مع رجل ، ليس كباقى الرجال ، إنه لا يبكى أبداً ، ولم أرى دموعه تنساب فى أحلك اللحظات "  .

حينها . . أدركت أنا ، كم أنى محظوظ ، أن وهبنى الله القدرة على البكاء حين الألم ، فلسنا معشر الرجال إلا بشر ، ولم يخلقنا الله سبحانه من حجر .           

                                                                 وإلى مقال آخر إن شاء الله .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • Aml Hya Aml Elhya | 2013-01-14
    ما أصعب دموع الرجال  علينا نحن النساء 
    فالبنت مثلا لاتتصور أباها يبكى فإذا بكى تنهار وكأن الجبل وقع
    وكذا الزوج
    مع صدق قولك ما الرجل إلا مخلوق بشرى كالمرأة به القوة والضعف  الفرح والحزن
    ولكن نشأنا نحن النساء منذ نعومة الأظافر على كون الرجال لايبكون فهم أصحاب العقول الراجحة والقلوب القوية والعزيمة التى لاتقهر 
    وإن قهرت ...ففى الخفاء
    جزاك الله خيرا
    • د. وحيد الفخرانى | 2013-01-15
      الأخت الفاضلة / أمل حياة . . أسعدنى مرورك الطيب على مقالى هذا والتعليق عليه . . وللحق أقول أننى قصدت من وراء هذا المقال أن ألفت الأنظار لأمر هام يتعلق بالرجال ، وهو أنهم كالنساء تماماً بتمام فى بعض المواقف التى تهتز لها كل المشاعر الإنسانية ، بلا تمييز بين رجل وإمرأة ، فالكل حين ألم الفراق أو الرحيل ، لابد وأن يخضع لقانون بشرى إنسانى واحد ، يهتز معه الكيان وتتساقط الدموع والعبرات ، لأن من فارق أو رحل ، هو فى بادئ الأمر ونهايته إنسان . . فمن الظلم كل الظلم للرجل أن تنظر إليه النساء أحياناً على أنه خلق من حجر صوان ، لا يلين ولا ينهار . . وقدوتنا فى ذلك سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام ، حين بكى وقت موت ولده إبراهيم ، وقال قولته المعروفة : " إن القلب ليحزن ، وإن العين لتدمع ، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون " . . أفبعد سيد الخلق يكون لنا قدوة سواه ؟ ؟ ؟ ؟ بالقطع لا . . . . .                 مع تحياتى لكِ أختى الفاضلة .
  • د. وحيد الفخرانى | 2013-01-13
    عزيزتى / عطر الوداد . . أشكر لكِ مروركِ الرائع على حوارى هذا . . وأتفق معكِ تماماً فى ان الرجل الذى لا يعرف البكاء ، هو إنسان ينقصه الكثير من المشاعر الإنسانية والأحاسيس . . وإظهار الضعف البشرى فى بعض الأحيان ليس عيباً فى الرجل على الإطلاق . . وقدوتنا فى ذلك نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، حين غلبه البكاء حزناً على موت ولده إبراهيم .          لكِ تحياتى .
  • ياسمين عبد الغفور | 2013-01-12
    كما قلت بعد أن قرأت مقالك ثوابت الحب كتاباتك تزداد روعة و بهاء.....و لا نملك إلا أن ندعو لقلمك بالاستمرار في العطاء........وفقك الله
    • د. وحيد الفخرانى | 2013-01-13
      العزيزة / ياسمين . . يسعدنى دوماً مرورك الطيب على كتاباتى ، كما يسعدنى إبداء الرأى فيها بالتحليل والنقاش . . ومن أجل ذلك أنتِ دائماً من قرائى وأصدقائى الأعزاء . . . عزيزتى ياسمين لكِ منى كل التحية .. وأذكركِ بأنكِ توقفتِ تماماً عن إمتاعنا بكتاباتك الأدبية . . عودى إليها بعض الوقت ، إمتاعاً لنا وصقلاً لموهبتك .      شكراً .
  • عطر الوداد | 2013-01-06
    بالقطع عندما يبكى الرجال فيكون قلوبهم قد انكوت للفراق والبعاد وبالتأكيد الرجل الذى يبكى يبكى من فرط التاثر والاحساس المرهف فهو فى نظرى قمه المشاعر الراقيه ونحن فى المجتمع الشرقى ننبذ أو نعيب على الرجل أن يبكى ولكننا لانعلم ان البكاء هذا لهو تنفيس عن قمه المشاعر وقمه الاحساس بألم الموقف -ابدعت استاذى الغالى وابدع قلمك فى التعبير عن المواقف الرائعه بارك الله لك ودائما تبدع فى كل المواقف وفى انتظار المزيد وانا اعتبر ان الرجل عندما يبكى يكون فى قمه حنينه وقمه روعه المشاعر بعكس الرجل االذى لايظهر مشاعره ويتظاهر بالتماسك ولكنه بينه وبين نفسه يكون فى قمه الضعف وان بدا للجميع غير ذلك فالبكاء مظاهر ومشاعر لااراديه لانستطيع أن نخفيها ولكنها تظهر دونا عنك مثلها مثل اى مشاعر نحملها بين طيات قلوبنا -ابدعت وابدع قلمك

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق