]]>
خواطر :
مولاي أني ببابك ـ القلب يعشق كل جميل...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لماذا قتل السهروردي ؟( 1155 ـ 1191م) الجزء الثاني

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2013-01-06 ، الوقت: 05:53:59
  • تقييم المقالة:

 

 

وفي كتاب (مرآة الزمان في تاريخ الأعيان)  لسبط بن الجوزي أشار إلى أن السلطان صلاح الدين كان مغتضبا من كتب الفلسفة والمنطق وكل من يطعن في أحكام الشريعة. إلا أن هذا القول يبدو غير صحيح نظرا لأن المكتبات الإسلامية كانت تعج بمثل هذه الكتب المترجمة في مختلف المواد والتي تحمل آراء غير إسلامية.

 

ذكر في تاريخ (بروكلمان): أن " صلاحالدين لم يستشعر الحاجة إلى إقامة ديوان لامتحان الزنادقة إلا مرة واحدة في حلب،وتفصيل الأمر أن مهاجراً فارسياً من آسيا الصغرى يُدعى السهروردي استقر في حلب وكان يتولَّى أمورها الملك الظاهر، نيابة عن والده صلاح الدين. وكانت للسهروردي آراء غنوصية  قائمة على أساس الأفلاطونية الجديدة والفيثاغورية الجديدة. وكان بعض المتصوفة، من نصارى ومسلمين، أشاروا إليها إشارات رفيقة تقول بأن ثمة نوراً روحياً يتخلَّل الكون كإشراق لدنِّي هو جوهر الأشياء جميعاً. ولا تزال فلسفته الاشراقية هذه ظاهرة في نظام الدراويش الذي سبق أن أنشأه السهروردي في آسيا الصغرى ... والحق أن تعاليمه ما لبثت أن أثارت شكوك علماء السُّنة، فزعموا أنه يمثل عقيدة القرامطة المُعادين للدولة. وهكذا لم يكن في وسع صلاح الدين، رغم اعتداله، إلا أن وافق على حكم الموت الذي أصدره الفقهاء القضاة على الملحد عام 1191".

 

ويفهم من قول بروكلمان أن قضية السهروردي لم تبق في إطارها الديني البحت حيث أخذت عناصر التهمة أبعادا سياسية ورأى أنها كانت تشكل خطرا على أمن دولته مما استوجب محاكمته بتهمة التآمر على الدولة، مما جعل استعداء السلطان ممكنا. غير أن هذا الاحتمال هو الآخر يبدو مستبعدا نظرا لكون السلطان كان رجلا متسامحا وسياسة دولته كانت تتسم بالاعتدال التام، ولم يلحظ غلوا في تصرفاته، ويتأكد هذا الرأي كون السلطان قد تصالح مع فرقة الحشاشين التي كانت على ما يبدو تشكل أكبر خطر على أمن الدولة، وهي في نظر فقهاء الدين فرقة زندقة وضلال، وأكثر من ذلك فإنه تعرض على أيديهم لمحاولة اغتيال فحاصرها في معاقلها، وكان من السهولة بمكان القضاء عليها لولا قراره السليم في تحييدهم في معاركه مع الصليبيين أجدى من القضاء عليهم، على حين لم يصل السهروردي إلى هذا المستوى ولم يكن شخصا  يشكل خطرا على السلطان بحجم خطر الحشاشين.

 

ولنفرض جدلا أنه استجاب لدعوة الفقهاء فكان الأحرى به أن يصدر أمرا بنفيه من حلب إلى أماكن أخرى كما وقع لأبي خليل القباني في دمشق الذي استعدى فقهاءها عليه بتهمة الزندقة فكان الوالي أن أكتفى بنفيه وهو من مواليد دمشق فكيف يغيب هذا الأمر على صلاح الدين بنفيه من حلب وهو الغريب عنها وعن أهلها؟

 

قد يكون من الصعب معرفة الدوافع الحقيقية التي جعلت صلاح الدين يوافق على تنفيذ حكم الإعدام في حق السهروردي وهي خطوة جريئة أتخذها في هذا الشأن حيث لا تنسجم مع طبيعة الاعتدال الذي تميز به  نظرا لما عرف عن تسامحه مع أعدائه. لذا سنحاول ولو بإيجاز فيما تبقى من الموضوع أن نتطرق إلى بعض النقاط المهمة من عدة وجوه استنادا لما نقله المؤرخون عن حيثيات  القضية.

 

روى المؤرخون حادثة عن بهاء الدين كاتب السلطان صلاح الدين قيل أنها هي أساس تفسير الدافع الذي جعله يوقع على عقوبة الإعدام. والقصة تقول:  " كان صلاح الدين يستريح بعد تعب يوم شديد حين دخل عليهمملوك وفي يده رقعة للتوقيع، فقال السلطان: أشعر بتعب شديد فارجع بعد ساعة. لكنالرجل ألح وقرَّب الرقعة من وجه صلاح الدين قائلاً: ليوقِّع مولاي! فأجابالسلطان: ولكن ليس عندي دواة وكان جالساً عند مدخل الخيمة. فلاحظ المملوك وجوددواة داخلها فهتف: تلك الدواة داخل الخيمة التفت صلاح الدين فرأى الدواة وقال: صحيح والله! ثم استلقى إلىالخلف معتمداً ذراعه اليسرى وتناول الدواة بيده اليمنى ثم وقَّع على الرقعة ".

 

استنادا لرواية هذا الكاتب زعم البعض أن صلاح الدين تفاجأ بأمر فتوى الفقهاء، ولم يكن وقتها بوسعه تعديلها أو التخفيف من أمر العقوبة، واستجاب طواعية بالتوقيع على الوثيقة دون النظر في أبعاد القضية وتداعياتها السياسية أو التاريخية.

 

كل ما يعرف عن هذه القضية أنها تمت في ظروف غامضة، ولم يتسرب منها إلا الشائعات ونسج حولها روايات قد تكون أبعد ما تكون عن الرواية الحقيقية وشكل تطبيق العقوبة، ولكن الذين نسجوا خيوط قصة السهروردي اتفقوا على شيء واحد وهو تاريخ الإعدام الذي جرى سنة 1191م.

 

لقد صنع الغربيون من قصة السهروردي صورة قاتمة عن صلاح الدين وسموا الفقهاء في كتبهم التاريخية بمحاميي الشيطان. ونسوا أن الفلسفة التي كانت يعتنقها السهروردي هي صناعة من صناعات السحر، وأنه كان صوفيا يؤمن بوحدة الوجود والحلول وعقيدة النور والظلمة التي تنفي وجود الله وتتعارض مع مبادئ الدين الإسلامي، وكان القول بهذا كافيا لجعله خارج عن ملة الإسلام. ونسى مؤرخو الغرب جرائم الكنيسة التي لم تقتل ساحرا واحدا في العصور الوسطى، وإنما قتلت عشرات الآلاف في حملة قام بها رجال الكنيسة، وكان كل من تثبت ضده مخالفة تعاليم الكنيسة يعدم دون محاكمة تنظر في حقيقة التهم الموجهة إليه.

 

إذا كان مؤرخو الغرب يعتبرون السهروردي شهيد الرأي، فماذا نقول في الذين أعدموا على خلفية كتب أصدروها ولم تتطرق إليه الأقلام الأوروبية ولو بإشارة، لأن الكاتب الغربي هو وجه آخر للسلطة السياسية.

 

وإذا كانت هذه الأقلام ترى في إعدام السهروردي جريمة، فلم لا تتناول جرائم الصليبية بكل موضوعية وحرية وتتجرأ على كشف الجرائم الحقيقة التي ارتكبها الاستعمار الأوروبي الذي لم يسكت قلما واحدا بل أسكت أقلاما وأصواتا وقتل أصحاب الرأي المعارض أثناء احتلاله للبلدان الإسلامية.

 

لقد ربط بعضهم ظروف تنفيذ حكم الإعدام في السهروردي بحصار الملك الصليبي ( ريتشارد قلب الأسد) لعكا الذي دام سنتين من ( 1189 ـ 1191). وفي هذا العام الأخير صادف  تنفيذ حكم إعدام السهروردي.

 

ولنبقى في سياق حدود التاريخ الذي نفذ فيه حكم إعدام السهروردي ولا نذهب بعيدا عنه لنذكر هؤلاء الذين يتباكون عن السهروردي ويجعلون قصته جريمة أرتكبها الفقهاء بموافقة صلاح الدين خاصة لإسكات صوت الرأي الآخر في الدين والفكر كما يدعون. والرواية كما يرويها الكاتب أمين معلوف عن رواية بهاء الدين كاتب السلطان صلاح الدين أن الصليبيين لما استولوا على حامية عكا ارتكبوا في حق الأسرى والنساء والأطفال والشيوخ أبشع جريمة إنسانية ومع ذلك لا يعتبرونها جريمة من الجرائم في التاريخ الأسود للصليبية.

 

يقول أمين معلوف: في أوائل صيف 1191، ما عادت نداءات المحاصرين سوى صرخات قنوط، واستسلم صلاح الدين للانهيار. وفقد كلَّ أمل بإنقاذ المدينة، فبكى بدمع سخي، وخاف خواصُه على صحته،ووصف له الأطباء أشربة لتهدئته. وبعد حصار سنتين برزت فجأة في الحادي عشر من تموزمن عام 1191 أعلام صليبية فوق أسوار عكا...  كان الفرنج يهلِّلون، والناس في معسكرنا أصيبوابالخبال؛ فالجنود يبكون وينتحبون، والسلطان كالأم الثكلى. وذهبت لرؤيته جاهداً في إدخال العزاء على قلبه، وقلت له إنه ينبغي بعد الآن أن يهتم لمصير أسرى المسلمين في عكا".

 

وكانت قد وصلت المفاوضات بين قيادة صلاح الدين والصليبيين من أجل إطلاق الأسرى والنساء والأطفال مقابل فدية إلى باب مسدود، وبعد وقت قصير وصل إلى صلاح الدين خبر إبادتهم جميعا كما جاء في نص الرواية التي يرويها كاتب صلاح الدين: " فجُمِعألفان وسبعمائة جندي من حامية عكا عند الأسوار، ومعهم ثلاثمائة امرأة وطفل من أسرهم،ورُبِطوا بالحبال، فلا يؤلِّفون إلا كتلة بشرية واحدة، وقُدِّموا إلى المقاتلينالفرنج الذين انهالوا عليهم بسيوفهم ورماحهم وحتى بالحجارة، إلى أن لم تعد تُسمَع أية آهة".

 

يمكن القول أن في مثل هذه الأوقات الحرجة برزت قضية السهروردي كأداة مناصرة للغزاة، بدليل أنه أتهم بمناصرته لهم، لذا لم يتمالك صلاح الدين أعصابه فأمضى على عقوبة الإعدام في لحظة غضب. وكيف يتساهل مع شخص اتهم صراحة بالكفر ونشر الزندقة وهو في حرب مع عدو أصبح على مشارف القدس، وكان أحوج ما يكون أن يرضي حكم الفقهاء الذين يعتبرون عقل الأمة لتعبئة الناس بدلا من غض البصر عن رجل كان بوسعه أن يسبب انقساما بين الشعب والسلطة، وهي في أمس الحاجة لتكاتف أبنائها لمواجهة الصليبية، وكان ضروريا أن لا يتساهل في أمر يعد مساسا بقدسية الدين وبث سموم التشويش في عقيدة الناس، فوجد نفسه ملزما بالأمر الواقع ومجبرا أمام موقف الفقهاء بتوقيع أمر الإعدام.  

 

وروى بعض المؤرخين عن الملك الظاهر ابن صلاح الدين الذي كان وسيطا في هذه القضية بين الفقهاء ووالده، أنه تراجع عن موقفه من عقوبة الإعدام وأقتص من خصوم السهروردي الذين كانوا سببا في قتله. ولكن، لا يمكن إهمال نقطة مهمة في قضية السهروردي وربما تكون هي السبب الرئيس في قتله، وذلك في مقولة مشهورة كان يرددها ( لا بد أن أملك الأرض)، وهذا القول لكاف لتوجيه تهمة تحريض الشعب على السلطان ومحاولة اغتصاب السلطة والانقلاب عليه وعلى مملكته، وهذه العبارة كان يرددها الحلاج من قبله الذي لقي المصير نفسه.

 

ومهما كان نوع الاتهام الذي واجهه فإن كتب الصوفية مليئة بالافتراءات والخزعبلات التي تطعن في الإسلام بتفاسير باطنية، ومع ذلك لم يتعرض أحد منهم إلى المتابعة القضائية والقتل، فضلا عن أن الأمم الإسلامية عرفت ملحدين كثيرين اعترضوا على نبوة محمد والإسلام، وبرغم ذلك عاشوا في كنف الدولة الإسلامية آمنين مطمئنين. وتعد ادعاءات الشيخ التيجاني أعظم بكثير من ادعاءات السهروردي في هذه المسألة ومسألة الحقيقة المحمدية وادعاؤه أنه سيكون الشفيع لكل الناس يوم القيامة. ويبدو أن الحرية الدينية وحرية الرأي كانت مضمونة في أطوار الحضارة الإسلامية بشهادة كتب مختلف التيارات التي هي الآن بين أيدينا.

 

عبد الفتاح بن عمار

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق