]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هكذا زرت في حلم قصر الشيطان

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2013-01-05 ، الوقت: 10:49:28
  • تقييم المقالة:

 

شغلتني فكرة الشيطان مدة طويلة، وأردت أن أخصص بحثا لعالم الشياطين، وفي ليلة من الليالي دخلت غرفتي متعبا، فلما نمت رأيت نفسي كأنني ما زلت على حقيقتي. وفي أقل من لمح البصر وجدت نفسي مع شخص لا أعرفه، قال لي: أيها الباحث عن الحقيقة أتريد أن تعرف الحقيقة؟، قلت له: بلى وألف بلى: فقال لي تعال معي.

 

فأخذني إلى سفينة كانت راسية على شاطئ البحر، تبدو وكأنها أعدت لنا خصيصا ،فأشار إليَّ رفيقي بالصعود على ظهرها، ثم سرنا نحو أعالي البحر، وبقِيَّت هكذا تسير وتشق طريقها بين أمواج البحر العاتية إلى أن توسطت عرض البحر، فتوقفت، ثم نظرت في ما علا وسفل، فرأيت كل من حولي مظلما.

 

قال لي رفيقي: أنزل معي إلى قاع البحر. ثم أمسك بيدي ونزلنا سويا، وغاص بي إلى أعماقه، ولما لمست قدماي الأرض شعرت كما لو أنني نزلت على أرض خالية من المياه ،عندئذ تراءى أمامنا قصر ضخم، جماله لا يمثاله جمال على وجه الأرض، من حيث الجمال الهندسي والزخارف الطاغية على وجهه الخارجي ، وبدا مظهره الخارجي في نظري أنه أروع وأجمل القصور على الإطلاق بحيث النظر فيه يبهر العقول ويسلب الرشاد، وقد عجزت أجد مثله في سوابق القصص الأساطير، وقد يعجز أي فنان نقل صورته إلى واقع منظور !

 

ولما اقتربنا منه فتحت لنا باب ضخمة، فدخلنا، فإذا بنا نصادف العشرات من رجال الحرس القائمين على الاستقبال والتشريفات يقفون يمينا وشمالا على جنبات الطريق المؤدية إلى مجلس صاحب القصر، وهو طريق مفرش ببساط طويل يمتد من بابه الرئيس إلى مدخل قاعة الاستقبال ، كنت أمشي مع رفيقي المرشد جنبا إلى جنب إلى أن دخلنا قاعدة كبيرة حيث كانت مفروشة بالزرابي ومليئة بعشرات المقاعد والأرائك وتحتوي على كل أنواع الأثاث، وما يبهر البصر بجماله، ولا يوجد نفيسا لها وما عاد بإمكاني التمييز بين ما يحتويه من أدوات الجمال، وفي وسطها كان يجلس ملك على عرشه وفوق رأسه تاج ذهبي له قرنان، همس لي رفيقي في أذني وقال لي هذا قصر الشيطان وهذا ملك الشياطين يسكن في قاع البحر.

 

وأمام هذا الموقف الرهيب أشار إلي الشيطان الملك بالتقدم نحوه، ثم نظر إليَّ وأدام النظر. وقال لي:

ماذا تريد يا سليل الطين والحجر؟

 

قلت له: نريد من سليل النار وسقر الذي بفتنه أحرق الطين والحجر وهو الذي يجلس الآن في قاع البحر وجنده فوق الأرض كأنهم جراد منتشر، يقتلون الناس بالغواية والسحر،عصوا الرحمن فما أغنت عنهم النذر.

 

قاطعني ولم يتركني إكمال كلامي وقال لي: تمهل تمهل. ويحك توقف، مثلك يجرؤ لشتم ملك تتذلل أمام عزته وتتصاغر أمام عظمته الجن والبشر، أتشتمني وتهينني في مجلسي هذا ؟!

 

قلت له: كلا، ما شتمت وما أهنت كبير قومه في مجلسه، وهو في عزة سلطان وأبهة مقام ، وما هذا الذي ساغ فهمي لا في القول ولا في التفكير ، إنما الإحساس بالمعاني سبق اختراع الكلمات ؟

 

قال لي: طيب، تعاظمت ثم تواضعت. واصل الكلام. إذن، وما حاجتك يا هذا ؟

 

قلت له: أنت تعلم حاجتي وسبب مجيئي إلى هنا، لا أريد إسماعك كلمة نهي، لأنكم معدن لا يتغير ولا يحول بقدر ما أريد سماع منك كلمة لا تقبل اللبس ولا تدع السامع أن يطيل التردد حول الرأي فيها، كلمة تحمل في أطوائها دلائل صدق كبير قومه ولا سبيل فيها إلى المماراة واللجوء إلى المراوغة والملق ،أريد سماع منك كلمات تتيح لنا اكتشاف بعض الجوانب الغامضة علينا، ونحن لم يحملنا قدرنا إلى هنا للدفاع عن مصلحة مطلوبة أو مجرد المسابقة للفوز على الخصم وإفحامه في المناقضة واللجاج بالحق أو الباطل فتؤثر المغالطة على المصارحة ويصر كل طرف منا على الرياء والمكابرة وشهوة المغالبة لننتهي في الأخير إلى نتيجة خاوية من الحقيقة التي يريد أن يعرفها كل إنسان على الأرض.

 

ولم نقصد هذا المكان لمغالبة الخصم في مجال المنازعة والملاحاة والتأثير عليه في سبيل الإقناع بالحجة ، فنحن نبحث عن الحقيقة أيا كان حظها في بساطتها التي لا مجاز في لفظها ولا في معناها، بحيث تقوم عليها الشواهد في كل مكان، واقتصار الكلام على الضروري المفيد ونبذ اللغو والهذر والمجاملة المستسمجة بيننا حتى وإن دأبت نفسي أن تطلق للفكر عنان التصور والخيال بأنكم عش الغواية والضلال وحربكم مع الإنسان لا يفلح في منعها عصا الترهيب والترغيب ولا وازع الوجدان والإيمان .

 

قال لي:سأبدأ بما انتهيت إليه ، وأعلم يا أيها المغرور أن معركتنا ضد الإنسان لا لاكتساب أرض،نحن نكسب السماء والأرض، نحن في معركتنا لا نمل ولا نكل لكسب أدمغة البشر، نحن كسبنا أدمغة علمائكم بل نحن من صنعناها وأعطينا لهم ما نريد، وصنعوا ما نريد، ولن ينالوا إلا ما نريد، ونوجههم فيما نريد، ولن يصلوا في يوم من الأيام إلى ما يريدون!!.

 

نحن من رزع فيكم الأمراض، ولن تفلحوا في القضاء عليها ولا تكتشفون أسبابها .وستبقون هكذا إلى الأبد، وسنمنعهم من اكتشاف الدواء الذي يريحهم منها. بل نتركهم تصنعون من الأجهزة ما يكفيهم معرفة كل شيء. ولا تستطيعون القضاء بها على أي شيء!.

 

وما صنعتم من الأدوية إلا مسكنات تضركم أكثر مما تنفعهم. ولن تذوقوا طعم الراحة وحلاوة الحياة ، فالغني مهموم بماله والفقير يتألم من سوء حاله وهما في الجحيم سواء .

 

لكم أطباء يوصفون الدواء ولا يقضون على الداء،الدخول عليهم بالمال،ولا يكلمون الناس إلا بالمال، يحصلون الناس على أجرة يومهم ليضعونها بين أيديهم،خوفا من الموت والمرض وطمعا في الخلود وهم لا يشفون مرضا ولا يؤخرون يوم أحد.

 

نحن من يحتل أدمغة المجانين الذين تكتظ بهم المستشفيات والطرقات حيث صارت ملكا لنا ونحن من غيبنا عقولهم عن عالمهم، وجعلناها مخابر لمعرفة كيفية السيطرة على عقول البشر، ومن ثم نسبب لهم الصداع اليومي، نحن الصداع اليومي..!

 

لكل منكم دين وأكثركم على ديني، جعلنا منكم قبائل ومذاهب شتى، حتى يبقى يقتل بعضكم بعضا ولا يستقر لكم حال، وتنهكون أنفسكم في المال والرجال ولن تصطلحوا على شيء. 

 

بفضل وساوسنا جعلناكم تعبدون الحجر والشجر والحيوان والمظاهر الطبيعية، وفيكم من ما زال يعبد النجسات والقطط والكلاب والبقر والقردة وكل ما دب على الأرض، ولم نترك لكم شيئا من رفيع ووضيع إلا وأجبرناكم على عبادته والتوسل إليه، فالله له دين وأنا لي دين وأكثركم على ديني ؟!!

 

جعلنا الإنسان أحقر المخلوقات، يعبد،  ولا يعبد؟!!. كل ذلك بفضل سيطرتنا على هذا الدماغ الذي تحملونه فوق أجسادكم، وستبقى قوتنا إلى الأبد كامنة في السيطرة عليه لانجاز مشروع أبينا الأول، ونحن الجنس الذي لا يفشل ولا يعرف الفشل ولا يقبل الهزيمة.

 

نحن من جعلنا الخيانة غريزة في نفوسكم ومن طبائعكم ،تنمو في غرائزكم وتكبر معكم ،في بعضكم خيانة وفي أنفسكم خيانة وفي أعمالكم خيانة، فالمرأة تخون زوجها والرجل يخون زوجته والأولاد تربوا على الخيانة ونحن من زرع فيكم بذور الخيانة وستموتون على الخيانة ولا تذرفون إلا دموع الخيانة!!

 

وسيبقى عالمك يخضع لإرادتنا وفقا لمشروع الغواية، نحن نسيطر من خلف الستار على عقولكم، ونحكمكم ولا تستطيعون حكمنا، أبى من أبى وكره من كره ولا قدرة لكم من الانفلات من أيدينا مهما تغيرت الأحوال وتقدم علم الإنسان.

 

هذه هي عوامل التفوق التي نمتاز بها ونخضع بها عالمك لإرادتنا. فنوجهه إلى ما نريد ولا نترك له مجالا ليقرر بنفسه ما يريد. هذا هو هدفنا وبرنامجنا ومشروعنا من أزل الآزال وإلى أبد الأبيد.

 

نحن غالبا ما نعتمد في حربنا معكم على عناصر مادتكم ومع ذلك لا يحميكم منا أي سلاح امتلكتموه،حربنا ضد هذا العقل الكامن في أدمغتكم، والمعركة بيننا وبينكم سجال حول من يكسب هذا الدماغ ولن تستطيعوا تحرير عقولكم. أدمغتكم عوالم ونحن من نسكن هذه العوالم. نحن نوهم البشر بالخوف من المستقبل، من كله وبعضه وندخله دوامة القلق وهذا أسلوب آخر من أنجع الأساليب للتأثير على دماغه والسيطرة عليه. لتحقيق وعد أبينا، وليذهب كلكم، من أولكم إلى آخركم إلى الجحيم.

 

هل فهمت أيها الباحث عن الحقيقة المفقودة ؟ في عالم كله مزيف، في عالم منوم وعقول حكامه مبرمجة على التنويم  ها ها ها. ما أتعس هذا الرجل المسكين، يبحث عن حبة خردل في وسط كثبان من الرمال.

 

ثم وجم هنيهة وارتفعت له ضحكة عالية وأشاح بوجهه عني !

 

قلت لرفيقي:هيا هيا ... انتهى الكلام وليس بعد هذا الكلام كلام. لنخرج من هذا المكان اللعين، فلم يبق لنا ما نحتمل سماعه...عدت غاضا آسفا من هول ما سمعت ، وبقيت ترن في أذني كلمة " وليذهب كلكم إلى الجحيم" . ثم أمسك رفيقي بيدي وأشار إليَّ بالعودة. عدنا خائبين وكنت ألتفت مرة بعد مرة خلفي لترتسم في ذهني صورة ذلك الشيطان العنيد الذي أمطرني بسيل منهمر من عبارات الشتم والتهديد، بل بكلمات الوعد والوعيد!!.

 

قلت لصاحبي: آه من آه، ليتني لم أسمع كلمة واحدة منه ولم أدخل ذلك المكان المشئوم. عدنا ونحن نسأل أنفسنا إن كان ما قاله هو مجرد تطاول ومكابرة وكلمات رائقة معجبة تروع المسامع أم هي من قبيل الحقائق الواقعية التي تقوم عليها الشواهد في كل مكان وزمان. وكنت تارة أقول : قد أصاب فيما قال حتى وإن كان القائل شيطان.

 

خرجنا في صمت رهيب ينتابني شعور بغضب وذهول من هول ما سمعت حيث لم يكن سائغا ذلك في الأذهان ولا في التفكير ، عدنا وقلبي يملأه الندم والحسرة ونفسي تحدثني قائلا: يا لها من أضحوكة، يا لها من مهزلة !

 

رجعنا من حيث جئنا على الطريق نفسه حتى خرجنا من ذلك القصر المشئوم الذي يبدو ظاهره جميل وبداخله يسكنه شيطان لئيم يضمر حقدا وقسوة ، ثم تذكرت قوله تعالى وهو يحذرنا من الشيطان الرجيم باعتباره عدو أبدي مبين مشروعه الغواية والتزيين وصد الناس عن السبيل﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل ﴾، ﴿ وأن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ..﴾.

 

ثم صعدنا من قاع البحر فوجدنا السفينة ما زالت راسية في مكانها كما تركناها ،فركبنا على متنها وعدنا على الطريق ذاته إلى أن وصلنا إلى شاطئ البحر ثم نزلنا.

 

قلت لرفيقي: فما رأيك فيما سمعت؟ قال لي: كلام يغنيك عن ألف حديث وعن ألف تعبير، وكفى أسئلة، وها قد وصلنا إلى نقطة الوداع نسال الله أن لا تكون نهاية النهاية وفراق ليس بعده لقاء ، وها قد انتهت رحلتك إلى عالم الشيطان بعدما عرفت ما أردت معرفته ورأيت ما رأيت وسمعت ما سمعت. الوداع يا رفيقي.

 

استيقظت مفزوعا وقلت في نفسي: إنما كنت في حال كرقدة في حلم، وظليت طوال يومي مفزوعا.

 

عبد الفتاح بن عمار

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق