]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لا بد من قول كلمة في الفكر الفلسفي للغزالي.

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2013-01-05 ، الوقت: 08:56:13
  • تقييم المقالة:

 

مهما كان حجم ضلال فكر الغزالي فإنه يعتبر محطة من أهم محطات الفكر الفلسفي والصوفي في التأريخ البشري بحيث أرسى قاعدة للتصوف في كتبه وخاصة في كتابه (إحياء علوم الدين)، وبما أن الصوفية جعلوا منه حجة للإسلام فقد صار عند الصوفية حجة على العموم وملاذ العصمة عندهم.

 

لقد مرت حياة الغزالي الفكرية على مراحل عدة، فخاض الفلسفة وسبر أغوارها ثم رد على أصحابها، وخاض في علم الكلام وأتقن مقدماته وأصوله، ثم رجع عنه بعدما تبين له عيوبه وفساده، ثم ذمه ورجع عنه، ثم خاض في علوم ما وراء الظواهر وسلك مسلكهم وأخذ بأفكارهم، ثم تبين له زيغهم وكذبهم، فكتب على بطلان عقائدهم وحيل تلاعبهم بالنصوص، فعكف على دراسة كل واحدة منها على حدا فأحدثت في نفسه اضطرابا وشكا في الاعتقاد، وظل حائرا أيهم أصح من تلك المسائل وأيهم أقرب لطريق الحق والنجاة، وهو لا يدري في أي جهة يضع قدمه؟ ثم أعقب تلك المراحل من التقلبات بين مختلف المذاهب والفرق من أصحاب الملل والنحل بإصدار كتابه المشهور ( المنقذ من الضلال) الذي أظهر فيه كيف أنقذ نفسه أولا من  وساوس الشياطين التي كانت تنتابه ثم من وساوس العلوم التي خاضها وذهب فيها إلى آخر طريق.

 

لقد عاش الغزالي في زمن صراعات المذاهب والفرق، في زمن كثرت فيه الآراء الفلسفية وعلم الكلام وبروز عقائد المتصوفة، وظلت رياح هذه المذاهب تنقله من جهة إلى جهة بعيدا عن الهدي النبوي الصحيح، بعيدا عن الهدي القرآني المنير.

 

وكان يعد من أبرز الشخصيات الفكرية والدينية الراجعة عن منهج التأويل والمنتقدين لعلم الكلام وأهله رغم أنه كان منهم. فذمه في آخر أيامه وأعتبره بدعة مخالفة لنهج أهل السنة وتعطيلا، وأفتى بحرمته وخوض العلماء في التأويل. ورأى أن علاج وهم التشبيه أهون من علاج التعطيل.

 

وقد قيل أنه صحح أخطاءه بعدما ترك تلك المذاهب الفلسفية وأحسن مسلكها، بإصدار كتاب سماه ( إلجام العوام عن علم الكلام) الذي أشاد فيه بمذهب أهل السنة مبينا أنه الطريق الصحيح الذي يجب التمسك به، وأنه من خالف مذهب الصحابة والتابعين فهو مبتدع، لأنهم أخذوا من الرسول عليه الصلاة والسلام مباشرة، مؤكدا أن الخير كل الخير من أتبعهم وأن الشر كل الشر من أبتعد عنهم، مضيفا أن الإتباع دون الابتداع هو الطريق القويم، ونظرا لشدة خوضه في علم الكلام والفلسفة ونقدهما بقي متأثرا بكل واحدة منها ولم يسلم من الاضطرابات النفسية والفكرية حتى وإن كان ما قاله في كتابيه (الإلجام وبغية المريد) يعتبر جيدا في نظر أهل السنة.

 

ورغم أنه ترك إرثا يتضمن أباطيل كثيرة ممثلا في كتاب (إحياء علوم الدين) الذي اتخذته الصوفية دستورا لها في زمنه وبعد مماته وما زال إلى يومنا الحاضر يتخذونه حجة على صحة دعواهم، ويعتبر في نظرهم من أهم المراجع التي يجب الاعتماد عليها في أمور التصوف، إلا أن الغزالي لعله تدارك تلك الأخطاء في مرحلة حياته الأخيرة وتراجع عن أقواله السابقة وترك الاعتقاد القائل بأن العرش يحمل الله عز وجل، وقيل أنه نزهه من تنزيه إلى تنزيه ونفى عنه التشبيه مطلقا، وعلل أن القول بذلك يستلزم الحيز وتحديد الجهة والمكان والله متنزه عن التشبيه وعن كل ما يخطر بالبال والخيال من التكييف والتمثيل كما جاء في رسالة بغية المريد في رسائل التوحيد: " وليس العرش بحامل له سبحانه، بل العرش وحملته يحملون لطفه وقدرته، وأنه تقدس عن الحاجة إلى مكان قبل خلق العرش وبعده، وأنه يتصف بالصفات التي كان عليها في الأزل... وهو سبحانه مقدس من صفات المخلوقين، منزه وهو في الدنيا معلوم وفي الآخرة مرئي، كما نعلمه في الدنيا بلا مثل ولا شبه، لأن تلك الرؤية لا تشابه رؤية الدنيا ".

 

يقول في كتابه (إلجام العوام...): " ... الحق مذهب السلف، وأن من خالفهم في ذلك هو مبتدع" ، والإشارة هنا إلى مذهب الصوفية الذين ابتدعوا في الدين شيئا كثيرا وجاءوا بعقائد تخالف أهل السنة وإجماع العلماء واعتبروا ذلك وحيا من الله.

 

لكن لعلها كانت مراحل تقلبات وعدم الثبات حتى في آخر حياته، نظرا لورود بعض الروايات القائلة بأنه أتخذ بعد عودته إلى مدينة طوس لنفسه معلمين يحفظ عنهما الأحاديث الصحيحة لكل من صحيحي البخاري ومسلم وترك ما عداهما كما ذكر في طبقات السبكي.. فضلا عن ما نقل عن تلميذه (عبد الغافر الفارسي) الذي قال: " وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى ومجالسة أهله ومطالعة الصحيحين اللذين هما حجة الإسلام ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام ".

 

 وأما ابن كثير فقد روى هو الآخر في البداية والنهاية عن عودة الغزالي إلى فضاء أهل السنة وتخليه عن أوهام الفلسفة وهذيان علم الكلام وعن ضلال التصوف وإيحاءات الشيطان كما هو في هذه الرواية: " ثم عاد إلى بلده طوس فأقام بها، وابتنى رباطا، واتخذ دارا حسنا، وغرس فيها بستانا أنيقا، وأقبل على تلاوة القرآن وحفظ الأحاديث الصحيحة ".

 

 قد تكون هذه الروايات صحيحة وقد يكون جزء منها صحيحا، نظرا لما نقل عن أبي بكر بن العربي الذي قال في كتاب سير أعلام النبلاء أن: " شيخُنا أبو حامد بلع الفلاسفةَ،وأراد أن يتقيَّأهم فما استطاع".

 

وأما الذهبي فقد قال في شأن توبة الغزالي من هذيان كتبه وخاصة فيما جاء في الإحياء أنه رجع ووجد راحته في رحاب أهل السنة: " يقولون: إنه ختم له بخير، فترك التصوف والفلسفة، ومات وصحيح البخاري على صدره، فكان ماذا؟ وهل كان هذا الإمام غافلا عن البخاري وقد أودع منه أحاديث في كتابه ( الإحياء)، بل قد جاء في ترجمة ( الحافظ أبي الفتيان عمر الرواسي): أنه قدم طوس في آخر عمره، فصحح عليه الغزالي الصحيحين".[1]

 

إن الحديث عن الغزالي يقودنا إلى الحديث عن مراحل حياته من بدايتها إلى نهايتها وتقلباته النفسية والفكرية، ولعل ذلك كان سببا جعله يحظى بكثير من الاهتمام وبهذه المرتبة المهمة بين مراتب الفكر الإسلامي، بل وحتى بين الفكر العالمي، وربما لم تكن له هذه المكانة المرموقة إلا لأنه لم يسر في خط أحد ممن سبقوه في علم الكلام والفلسفة، ولم يجامل أحدا في رأيه. لقد بنى نفسه وفكره ثم دخل هذا المعترك بقوة على أساس هدم جميع أبنية سابقيه من فلاسفة المسلمين الذين جاملوا الفلسفة الإغريقية في كل نظرياتها وألقوا أنفسهم في أحضانها ووضعوا أسس فلسفتهم عليها، فجاء دوره ليدرس جميع نظرياتها ..وخلص بعد دراسة جميعها إلى إنشاء نظرية خاصة به على أساس المعرفة.

 

لم يكن عمله مجرد نقد الفلسفة الإغريقية أو الإسلامية على غرار بعض الفلاسفة الآخرين وإنما كان عمله هادفا لبناء فلسفة جديدة ربما تكون أقرب إلى العقيدة الإسلامية لولا أنه جعل الكشف مصدرا للمعرفة. ولكن الشكوك التي كانت تراوده غدت العامل الرئيس للتشكيك في كل شيء بحيث لم يصمد على موقع ثابت.

 

عبد الفتاح بن عمار

[1]سير أعلام النبلاء للذهبي  

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق