]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الغزالي كان من زعماء الحلول ووحدة الوجود

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2013-01-05 ، الوقت: 08:24:35
  • تقييم المقالة:

 

 

يقول المستشرق المسيحي نيكلسون: " إن الإسلام يفقد كل معناه، ويصبح اسما على غير مسمى، لو أن عقيدة التوحيد المعبَّر عنها بـ (( لا إله إلا الله)) أصبح المراد بها: لا موجود على الحقيقة إلا الله. وواضح أن الاعتراف بوحدة الوجود في صورتها المجردة قضاء تام على كل معالم الدين المنزل، ومَحْوٌ لهذه المعالم محواً كاملا ". هذه الحقيقة يقررها مسيحي مستشرق يتهم بها كهنة الصوفية الذين يزعمون أنهم أولياء الله وأئمة هذا الدين، فالمقام الرابع الذي تحدث عنه الغزالي في كتابه الاحياء لا يعدو أن يكون مقام القائلين: (( لا موجود إلا الله))، حيث زعموا أن عروجهم إلى سماء الحقيقة لم يظهر لهم في الوجود إلا الواحد الحق، ومنهم من زعم أنه وصل إلى هذه الحقيقة من طريق الكشف والإلهام والسكر...، حيث انتفت عنهم الكثرة بالكلية،  واستغرقوا بالفَرْدانية المحضة، ولم يبق عندهم إلا الله، ولذلك لما سكر بعضهم سكرا، وقع دونه سلطان عقولهم، فقال منهم: أنا الحق، أو سبحاني ما أعظم شأني... هذه الادعاءات يسميها الغزالي بحالات العشق ويعتبرها من أسمى مراتب التوحيد، يقول الغزالي: " كلام العشاق يطوى ولا يحكى وحكم في بعض أقواله أنه من اسمى مراتب التوحيد".[1]

 

 رد ابن الجوزي على من يستخدمون كلمة عشق بدلا من كلمة محبة قائلا: وهذا جهل من ثلاثة أوجه: أحدهما: من حيث الاسم فإن العشق عند أهل اللغة لا يكون إلا لما ينكح، والثاني: أن صفات الله عز وجل منقولة، فهو يحب، ولا يقال يعشقُ، كما يقال: يعلم، ولا يقال: يعرف، والثالث: من أين له أن الله تعالى يحبه، فهذه دعوى بلا دليل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من قال إني في الجنة فهو في النار".[2]

 

يقول الغزالي: " الكل من نوره، بل هو لا هُوِية لغيره إلا بالمجاز، فإذن لا نور إلا هو، وسائر الأنوار أنوار من الوجه الذي تليه، لا من ذاتها، فَوَجْهُ كلِ مُوَجَّه إليه ومُوَلٍ شطره، فإذن لا إله إلا هو، فإن الإله عبارة عما الوجوه مولية نحوه بالعبادة، والتأليه، أعني وجوه القلوب، فإنها الأنوار والأرواح، بل كما لا إله إلا هو، فلا هو إلا هو، فإن هو: عبارة عما إليه الإشارة، وكيفما كان، فلا إشارة إلا إليه، بل كلما أشرت، فهو بالحقيقة الإشارة إليه ".[3]

 

لا شك أن الغزالي كان ضالا وضلل الصوفية من بعده بافتراءاته على المسلمين باعتبار أن كل شيء في الوجود هو عين هوية الله، ولا يمكن أن تقع إشارة في الكون إلا عليه، فإن وجهت وجهك إلى عبادة صنم أو طوطم أو غيره من عناصر الطبيعة... فإن عبادتك تكون واقعة على رب الغزالي، لأن ماهية الصنم هي من عين ماهيته، وتلك هي العبادة الوثنية التي ابتدعها الغزالي للمسلمين وآمن بها الصوفية، بل قد وصى بها في كتبه معتبرا أن (( لا إله إلا الله) توحيد عوام الناس، وأما توحيد الغزالي ومعه الخواص ((لا هو إلا هو)) والإشارة هنا إلى كل شيء من جماد ونبات وحيوان وإنسان، فتوحيد إله الغزالي والخواص الذي تمثل في كل شيء ((لا هو إلا هو))، وهو عندهم توحيد الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة، ومنتهى معراج الخواص مملكة الفردانية... يواصل الغزالي حديثه عن الرب الذي ابتدعه بقوله: " له نزول إلى سماء الدنيا وأن ذلك هو نزوله إلى استعمال الحواس، وتحريك الأعضاء، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: ( صرت سمعه... ) ". وبما أنه يعتقد أن الله حال حلولا في جميع الموجودات وعينها فهو من يسمع بسمع الإنسان ويبصر ببصره وينطق بلسانه، بل الإسنان عبارة عن أداة يستخدمها الله كما يستخدم أي شيء آخر، وهذا الاعتقاد يكشف عن مدى إيمان الغزالي بوحدة الوجود وحلول الله في جميع عناصر المادة، بعدما قرر أن كل سامع وباصر وناطق هو الله.    

 

الحقيقة الباطنة للذات الإلهية هي الهوية عند الغزالي أو هي بالأحرى الذات قبل التعين في مادة أو الحلول فيها، ويزعم أن كل ما تحقق من إثبات الوجود، فباطنها هوية الله . رد الشيخ عبد الرحمن الوكيل عن افتراءات الغزالي بقوله: " يزعم أن الإيمان بما توجبه كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هو توحيد العوام! لأنه يثبت لله وحده الربوبية والألوهية، وينفيها عن غيره. ويثبت بالتالي وجود خلاق وخلق، وفي هذا، أي في إثبات وجودين، أو موجودين يغاير أحدهما الآخر ثنائية تناقض صرافة الوحدة، وهذا شرك عند الصوفية وكاهنهم، ولذا يبهت ( لا إله إلا الله) بأنها توحيد العوام. يبهتها بذلك، وهي توحيد الرسل جميعا!! أما توحيد الخواص عنده، فكلمته (لا هو إلا هو) لأنها تثبت وجودا واحدا وتنفي الغيرية والكثرة والتعدد، تثبت موجودا واحدا تنوعت مظاهره، فسميت خلقا،  وتنفي المغايرة بين من نسميهم الخلق وبين من نسميه الخلاق!! وتثبت أن وجود الأول عين وجود الثاني، فكما أنه لا وجود إلا وجوده، فكذلك لا ذات إلا ذاته، أما تلك الكثرة الوهمية في الذوات، فيؤمن بها عمى القلوب!! هذا دين الغزالي. إذ الرقى لا يُتَصَوَّر إلا بكثرة، فإنه نوع إضافة يستدعي مأمنه الارتقاء، وما إليه الارتقاء، وإذا أرتفعت الكثرة، حققت الوحدة، وبطلت الإضافة، وطاحت الإشارة، فلم يبق علو، ولا سفل، ولا نازل، ولا مرتفع، فاستحال الترقي، واستحال العروج، فليس وراء الأعلى عُلُوٌّ  ولا مع الوحدة كثرة، ولا مع انتفاء الكثرة عروج، فإن كان ثمَ تغيير من حال، فالنزول إلى السماء الدنيا، أعني بالإشراق من علو إلى أسفل، لأن الأعلى ـ وإن لم يكن له أعلى ـ  فله أسفل، وهو من العلم الذي هو كنهه المكنون الذي لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به، لم ينكره إلا أهل الغرَّة بالله".[4]

 

  لقد عارض الغزالي حقيقة استواء الله على العرش، وعروج الملائكة إليه، ورفعه للعمل الصالح، وأبى إلا أن يقف في وجه القرآن زاعما استحالة عروج الملائكة ورفع العمل الصالح واستواء الله على العرش، لكي لا يتناقض كل ذلك مع مبادئ وحدة الوجود والحلول، فعروج الملائكة حسب زعمه إلى السماء اثبات للتعدد أو الكثرة، وإثبات الله منفصلا عن المادة هو كذلك إثبات للتعدد، والقول بأن الله له عرش، هو كذلك إثبات للتعدد، وكل ذلك يتناقض مع دين الغزالي ويتناقض كذلك مع الوحدة المحضة ويثبت الثنائية، وأن عروج الملائكة كما جاء ذكره في القرآن لا يعدو أن يكون تعبيرا مجازيا محضا لا يعبر عن حقيقة العروج بمعناه الديني أو اللغوي، ولا يكون العروج إلا من الذات الإلهية نفسها إلى نفسها، فهو من يعرج في نفسه، وإذا ما قيل: " نازل أو صاعد، فالنازل هو الصاعد إذ هما ذات واحدة، والنزول عين الصعود، إذ هما وصفان متحدان في الحقيقة، مختلفان بالاعتبار، توصف بهما ذات واحدة في حال واحدة في آن واحد هي الذات الإلهية. فالملائكة الذين يعرجون إلى الله ( تعرج الملائكة والروح إليه) عين الذات الإلهية في أسماء أخر لها. والعمل الصالح الذي يرفعه الله إليه، هو عين الذات الإلهية في وصف آخر لها، وإلا قلت بالكثرة والتعدد، وبأن الله غير الخلق، هذا دين الغزالي فتدبره... لا تعجب حين ترى الغزالي يجنح في دهاء إلى السلفية في بعض ما كتب، فللغزالي وجود عدة كان يرائي بها صنوف الناس في عصره، فهو أشعري، لأن نظام الملك صاحب المدرسة النظامية أراده على ذلك ".[5]    

 

لقد أعترف الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال أنه كانت تعتريه حالات نفسية ووساوس داخلية كما كانت تعتري معظم الصوفية، ولم يكن يعلم أن تلك الوساوس الشيطانية التي يحسبها اشراقات إلهية هي من صنعت لهم هذه العقيدة الزائفة المضلة، وبرر أن ما كان يعتري هؤلاء بالاستغراق والعشق الإلهي وما إلى ذلك من الافتراءات على الله وعلى هذا الدين الذي هو منهم براء. يقول الغزالي: " عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد، بل يشبه الاتحاد، مثل قول العاشق في حال فرط العشق:

 

       أنا من أهوى، ومن أهـــوى أنـــــا       نحــن روحـــان حللنــا بــدنـــا

 

ولا شك أن الغزالي يستشهد بهذه الأقوال وهو يعرف جيدا أن قائلها الحلاج، وهو يعلم كذلك أن الحلاج يؤمن بثنائية الحقيقة الإلهية، ويزعم أن الإله له طبيعتان: اللاهوت والناسوت، وقد حل الأول في الثاني، وروح الإنسان هي لاهوت الحقيقة الإلهية، وبدنه ناسوته. فإذا كان الغزالي يزعم أنه ليس حلوليا ولا اتحاديا، فلما يستشهد في الكثير من أحاديثه بأقوال الحلاج؟   

 

عبد الفتاح بن عمار

 

[1]احياء علومالدين للغزالي

[2]تلبيس إبليسلابن الجوزي

[3]مشكاة الأنوار للغزالي  

 

[4]هذه هي الصوفية

[5]هذه هي الصوفية لعبد الرحمن الوكيل  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق