]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

ملاك في المعتقل( قصة سجين مصري في عهد المخلوع مبارك )

بواسطة: عبدالرؤف حجر  |  بتاريخ: 2013-01-04 ، الوقت: 11:37:00
  • تقييم المقالة:

l# الخبر مصلحة السجون رفضت طلب من علاء وجمال مبارك بالانضمام إلى مبارك الاب في مستشفي السجن

هل يذكرني هذا بشيء ؟....طبعا

موقف ابكي كلما تذكرته
في اعتقالي الثاني الذي امتد لقرابة 6 سنوات حصلت كالعادة على حكم قضائي بالإفراج عني ..وكانت طريقة امن الدولة في الالتفاف على احكام الافراج ان يتم ترحيل المعتقل من السجن إلى مقر امن الدولة ثم يكتب الضابط مذكرة بالإفراج عنه . ويظل المعتقل حبيسا في زنزانة امن الدولة وفي اليوم التالي يكتب الضابط مذكرة اخرى يقول فيها أنه تم الافراج عن المذكرة وبمراقبته تبين أنه عاود نشاطه المتطرف مرة اخرى فتم القبض عليه وصدر بحقه قرار اعتقال جديد !!  
هذه المهزلة كانت تتقرر كل شهرين تقريبا ولك ان تتخيل أني قضيت 6 سنوات معتقل بلا تهمة ولكما حصلت على حكم قضائي بالافراج كل شهرين تقريبا تتكرر معي هذه المسرحية
وفي أحد هذه المهازل قررت وزارة الداخلية ان يتم ترحيلنا لأحد اقسام الشرطة القريبة من معتقل الفيوم الذي كنا فيه بسبب اجراءات أمنية في القاهرة  
تم ترحيلنا إلى قسم ابشواي بالفيوم وضعنا في زنزانة خاصة بنا ..وبعد قليل جاءت ترحيلة اخرى قادمة من معتقل الوادي الجديد كان يفترض بها ان تتوجه للجيزة... سياسة امن الدولة تتعمد تشتيت اهالى المعتقلين وإرهاقهم فيتم اعتقال شخص من الفيوم – مثلا- في معتقل بالوادي الجديد مع ان الفيوم بها معتقل كبير يسع قرابة عشرين الف معتقل .. وهكذا في كل محافظة يغرب المعتقل عن اهله لأبعد معتقل حتى يرهقوا الاهل ويذلوهم .  
كان في الترحيلة اخ اسمه رجب من محافظة الفيوم معتقل منذ ثلاث سنوات وغير مسموح لأهله بزيارته ، جلس بجواري وظل يقص عليّ اصنافا من التعذيب الذي يمارس عليهم في معتقل الوادي الجديد حتى أنه قتل منهم قرابة السبعين شخص في حفلات التعذيب التي يستقبلون بها المعتقلين وتسمى "حفلة الاستقبال"0
أحسست ان رجب لديه الم عميق يسري عنه بالحديث معي ظللنا نتبادل الحديث وابتسامته الصافيه لا تخفي ملامحه الحزينة ..وحين سألته "انت متزوج يا رجب " تلاشت عن وجهه الابتسامة وقال هامسا "ايوه الحمد لله"  
احسست بالحسرة تقتر من كلماته سألته عندك اولاد ؟
هناك اختنق صوته بالبكاء واغرورقت عيناه ..حاول ان يتصنع البسمة وهو يقول عندي عائشة ..اطرق رأسه ووضع يده على عينه يسمح دمعة متمردة لم تستجيب لرغبته في الكتمان وهو يقول اعتقلت وعمرها سنة واحد وحتى الان لم ارها .  
قال لي وهو يبكي: احد اخونا في معتقل الوادي اعتقل وطفله في سنة عائشة وحين سمحوا لأهله بزيارته بعد خمس سنوات وقف الولد ليقول ابيه الذي يراه للمرة الاولى "ازيك يا عمو"
كانت ملاحم رجب تمزق اوصالي اكثر من كلماته ..سألته اذا كنت من الفيوم وهنا الان فيها فلماذا لا نتصل بأهلك ونخبرهم بمكانك فيأتون لزيارتك قال طلبت من الضابط فرفض و فقال ممنوع  
قلت يا عم هو احنا في قسم يعني عشرين جنية لمخبر ولا شاويش هيخلص الموضوع ..قمت بالفعل وتحدثت مع الشاويش وكالعادة جرت مفاوضات ومقايضات اخذ الشاويش بعدها رقم تلفون بيت رجب واتصل بهم ليأتوا لزيارته ..


بعد ساعات قليلة وقف الشاويش على باب الزنزانة وقالي يا شيخ خالد أهل رجب بره بس مش هينفع يدخلوا عشان المأمور قعد ظابط يشوف الدخول لزيارة المسجونين والقسم اتقلب من ساعة ما قالوا السياسيين جيين  
قلتله يا عم يقولوا دخلين لأي متهم وخلاص ..قالي والله ما هينفع ده زوجته منقبة وهيعرف انها جايلكم و هيدخل معها لحد ما يشوف دخله لمين عرضت عليه اموال اخرى فرفض عرضت عليه فكرة ان تدخل ابنته مع اي أسرة داخلة لزيارة المحبوسين جنائيا ثم تاتي لزيارة والدها فوافق
أخبرت رجب ان يتهيأ لرؤية طفلته ... كانت المرة الاولى التي أرى انسان يرتعش من السعادة ...تتعثر قدماه ويعجز عن الوقوف ..عيناه تذرف الدمع صبابا..  
قام رجب فاخرج ثيابا بيضاء نظيفة وتعطر ومشط شعره ..وجلس بجوار الباب كأنه سيفتح الان ليخرج إلى الدنيا المحروم منها منذ سنوات
كنت اقف على شباك الباب ارقب القادم ورجب يجلس تحت قدمي حين دخلت طفلة تشع براءة تتلفت حولها تبحث عن ابيها وخلفها الشاويش يحمل كيس الطعام الذي عجزت يدها الرقيق عن حمله
كانت الطفلة تنادي :أبي ..أبي انتفض رجب واقفا ينظر لطفلته التي لم يرها منذ ثلاث سنوات ..ضغط على صدره بقوة لينطلق باسمها ..عااائشة بلا نحيب  
قلت للشاويش افتح الباب بسرعة ...ففاجئني قائلا بكل برود :مش هينفع والله يا شيخ خالد
صرخت فيه انت بتستهبل افتح الباب ..الراجل نفسه ياخد بنته في حضنه ..طأطا رأسه قائلا والله العظيم مفتاح الزنزانة دي في مكتب المأمور ذات نفسه ..ضربت رأسي في الحائط ونظرت إلى رجب الذي لم تترفع عيناه عن طفلته قلت للشاويش طيب شيل عائشة عشان تسلم على ابوها
حملها الشاويش على شباك الباب وأصبحت وجها لوجه امام ابيها لا يحول بنيهم سوى هذه القضبان الغليظة  
ليتني ما وقف ساعتها بجوارهم ..ليتني اصلا ما عرضت على الرجل رؤية ابنته ...ليتني ما رأيت هذا الموقف ولا سمعت هذه الكلمات التي لا تزال تعتصر قلبي كما تذكرتها
بكل براءة الدنيا مدت عائشة يدها الصغيرة بين القضبان إلى لحية ابيها المبتلة وهي تقول :وحشتني أوي يا أبي ..انا عرفاك كويس ...وبحبك اوي ..ماما بتوريني صورتك كل يوم الصبح وتقولي أبي في سبيل الله ..عايزه ابوسك يا ابي ..انا ببوس الصورة كل يوم الصبح .. بس عايزه ابوسك انت ..كانت اناملها تسرح بنعومة في لحية ابيها المبللة بدمعه الحار والذي لم يستطع ان ينطق بكلمة واحدة ... لم تفاجئني دموع الشاويش فلو شاهد الشطان هذه الموقف لبكي ... الا مبارك وزبانيته  
كانت عائشة ذات الاربع سنوات ترتجل لأبيها بكل الحب ما تستطيع قوله : امي واقفه بره مش عارف تدخل هي بتعيط ..بس هي اديتني الاكل وقالي لي ابوس ايديك واسلم عليك ... احنا مستنينك يا ابي في البيت ..انت مش هترجع يا ابي معانا ..طب هترجع امته ..
كنت اشعر بكلماته البريئة تكوي اضلع والدها العاجز حتى عن احتضانها ..كانت رجب يمسك بكف ابنته ويقبله ..حين قال الشاويش معلش يا شيخ كفاية كده والله العظيم لو بيدي كنت فتحت الباب ولا حتى روحته ...  
كانت عائشة ساكتة تنتظر من ابيها كلمة وهو الذي طال سكوته لعجزه عن الكلام
فقلت لها يا عائشة قولي لماما بابا كويس وبيسلم عليكم كلكم وان شاء الله هيرجع قريب وهيوديك المدرسة كل يوم



نطق رجب بكلمات متقطعة لطفلته :انا بحبك اوي يا عيوشة ... انت نور عيني يا حبيبتي ..قاطعه الشاويش والله ما هينفع اكتر من كده يا شيخ ياله يا عائشة .. قالت عائشة بسرعة وكانها تذكرت شيئا هاما لابيها ..ماما عملتلك الاكل الي بتحبه وجبنالك عنب وحاجة ساقعة ... وببراءة شديدة قالت مع السلامة يا ابي ..مع السلامة يا أبي ولوحت بيدها ثم اختفت .. انخلع قلبي من هذه الكلمة .. وضعت راسي بين ركبتي وانهمرت في البكاء ...كان الجميع يبكي ..يتالم ..يأن .يشكوا إلى الله هذه الطغيان الوحشي ..يدعو على مبارك واعوانه ..يطلب الرحمة من الله تعالى
لم استطع ان اقترب من رجب طول هذه اليوم ..وفي الصباح كانت قرارات الاعتقال الجديدة صدرت من امن الدولة عاد رجب لمعتقل الوادي الجديد ..وعدت انا لمعتقل الفيوم  
وظلت عائشة بيدها الناعمة وكلماتها البريئة تنغص عليّ حياتي وتسيل دموعي حتى لحظة كتبابتي لهذه القصة بعد سماعي خبر رفض طلب علاء وجمال الانضمام لمبارك في مستشفي السجن


اللهم فرق بينهم وبين ما يحبون ..كما فرقوا بين الاب وابنته وبين الام ووالدها وبين الزوج وزوجته

 


الموقع امة واحدة 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق