]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هذا هو الوجه الحقيقي لأبي حامد الغزالي

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2013-01-03 ، الوقت: 19:11:40
  • تقييم المقالة:

 

 

لا شك أن الغزالي كان مؤمنا متعبدا، آمن بالله ربا وخاض غمرة الدفاع على أن هذا العالم من صنعه، وآمن بالنبوة رسالة واقتحم كل ورطة من أجل الدفاع عن السنة، وآمن باليوم الآخر وبالجنة والنار، وأعرض عن المال والجاه، وفارق شواغل الدنيا وعلائقها، وأقبل على ما أعتقد به وصدقه بكنه همته، وعاش بنفس مضطربة، وعقل حائر يبحث عن الحقيقة فلم يجدها، وظل يكابد من المشقة في استخلاص من اضطرابات الطوائف والفرق المختلفة، وكان التصوف الذي حصله بالذوق والحال وتبدل الصفات عنده الطريق الصحيح، فوصفه بالحالة التي تحصل باستيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة على معادن الجسد، غير أن هذا التعريف بعيد عن التعريف الحقيقي للتصوف، فالمتصوف يعكف على رياضات ومكاشفات لاستحضار أرواح تزعم أنها ملائكة أو تتشكل في صور تدعي أنها لأنبياء أو في صورة الجلالة وتظهر عوالم مزيفة، وكل ذلك لا علاقة له بالزهد والتقوى والورع وإنما هي عبادة لأرواح مضللة.

 

والغزالي أغتر بهذه الصور والتجليات وحسبها حقيقة لا تقبل الشك، ومن ثم فهو قد اغتر بما رأى من خلال المكاشفات كما اغتر غيره من الصوفية، وكما ضل الصوفية قبله وبعده، ضل هو كذلك عن الطريق الصحيح، وابتعد عن ما كان يسعى إليه طوال حياته، بل إن الغزالي قال بالحلول ووحدة الوجود عندما أسند فعل أي شيء إلى الله، رغم أنه أنكر ذلك على غيره، ونجى من ادعاء الألوهية والنبوة والولاية والكرامات.

 

لم يبلغ تصوف الغزالي ما بلغه كبار الصوفية، ولكنه لما سلك طريق الكشف والاستغراق والتأمل الباطني، كان كل ذلك دال على أن الرجل أنغمس في تحضير الأرواح سواء كانت بأذكار وأدعياء أو بتلاوة أسماء الله الحسنى التي هي غالبا ما تستخدمها الصوفية في تسخير الجن والشياطين، ويسمون تلك المرئيات بالتجليات والوساوس بالإلهام. وهو قد صرح مرارا أنه يفضل الكشف الذي يسميه علما إلهيا وإلهاما ووحيا، على العلم الذي يحصل من طريق الاستدلال والتعلم، وهو ممن يدعي رؤية ما في اللوح المحفوظ الخرافي أو الأسطوري.

 

قلنا اللوح المحفوظ قصة خرافية، لأنه لم يورد ما يدل على أن أعمال العباد محفوظة فيه، وأن الله قد ذكر هذا الاسم في قوله: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ)، ولم يشر ههنا إلى أي شيء يحفظ في هذا اللوح غير القرآن الذي حفظ فيه، وقال كذلك: ( والطور وكتاب مسطور)، لعله في هذه الآية يشير إلى أنه مسطور في هذا اللوح.

 

وأما في الأحاديث فقد أنفرد البخاري وحده بذكر اسم (اللوح المحفوظ)، ولم يذكر فيه ما يشير إلى أنه يحمل مقادير العباد وعمر الحياة الدنيا، وتجنب قتادة تفسير معنى اللوح المحفوظ. لكن الصوفية هولوا من أمر هذا الاسم، وادعوا أنهم يطلعون على ما فيه من أعمال العباد وما يخبئ للعالم في قابل الدهور.

 

قال الغزالي: " إن حقائق الأشياء مسطورة في اللوح المحفوظ، بل في قلوب الملائكة المقربين، فكما أن المهندس يصور أبنية الدار في بياض، ثم يخرجها إلى الوجود على وفق تلك النسخة، فكذلك فاطر السموات، كتب نسخة العالم من أوله إلى آخره في اللوح المحفوظ، ثم أخرجه إلى الوجود على وفق تلك النسخة. والعالم الذي خرج إلى الوجود بصورته تتأدى منه صورة أخرى إلى الحس والخيال، فإن من ينظر إلى السماء، والأرض، ثم يغمض بصره، يرى صورة السماء والأرض في خياله، حتى كأنه ينظر إليها، ولو انعدمت السماء والأرض، ولو بقي هو في نفسه لوجد صورة السماء والأرض في نفسه، كأنه يشاهدهما وينظر إليهما، ثم يتأدى من خياله أثر إلى القلب، فتحصل فيه حقائق الأشياء التي دخلت في الحس والخيال. والحاصل في القلب موافق للعالم الحاصل في الخيال، والحاصل في الخيال موافق للعالم الموجود في نفسه خارجا من خيال الإنسان وقلبه، والعالم الموجود موافق للنسخة الموجودة في اللوح المحفوظ. فكأن للعالم أربع درجات في الوجود: وجود في اللوح المحفوظ، وهو سابق على وجوده الجسماني، وتبعه وجوده الحقيقي، ويتبع وجوده الحقيقي وجوده الخيالي، أعني وجود صورته في الخيال، ويتبع وجوده الخيالي وجوده العقلي، اعني وجود صورته في القلب".[1]

 

 في هذا النص يقرر الغزالي أن حقائق الأشياء مسطورة في اللوح المحفوظ ومسطورة كذلك في قلوب الملائكة، وأن نسخة العالم الحالي والخالي والأتي كتبها الله في هذا اللوح، ثم أخرج العالم وفقا لتلك الصورة وأن ما يقع في العالم هو تكرار لما وقع أزلا، وضرب مثلا على صحة رأيه أن من ينظر إلى السماء ثم ينظر بعدها إلى الأرض ثم يغمض بصره، يرى صورتا السماء والأرض ما زالت تترأى له كما رآها وهو فاتح العينين، وسمى هذه المشاهدة بالخيال الذي يبقى بعد زوال الصورة الحقيقية منقوشا في القلب، وسيكون هذا الحاصل في القلب موافقا لما كان حاصلا في الخيال، وصورة الخيال تكون موافقة للعالم الخارج عن نفسه وقلبه، وتلك هي نسخة العالم الموجودة في اللوح المحفوظ. ثم جعل لهذا العالم الخيالي درجات، درجة عالم اللوح المحفوظ، ودرجة العالم الجسماني، ودرجة الوجود الحقيقي، ودرجة الوجود الخيالي،  ودرجة الوجود العقلي، والقلب في نظر الغزالي عالم العوالم الذي تتفجر منه الأسرار ويعبر من خلاله إلى ما وراء الظواهر. وكل هذا الكلام لا دليل على صحته، وأما انعكاس صورة السماء والأرض وبقاءها في منطقة الخيال حتى تترسخ في القلب كما يدعي الغزالي، فإن هذا لا ينطبق على جميع الناس، فمنهم من يملك هذه الحاسة ومنهم من لا يملكها، ثم أن هذه الصور زائفة يرسمها قرين الإنسان في عقله وهو من يوهمه بذلك، وهذا مجرب وأكيد.

 

قال الغزالي: " حتى شفاني الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقاً بـها على أمن ويقين؛ ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلةالمحررة فقد ضيق رحمة الله الواسعة".[2]

 

وهذا النور الذي يزعم الغزالي أن الله قذفه في قلبه مجرد أوهام قذفتها في قلبه تلك الأرواح التي سخرها بالرياضات والعزائم في خلواته، بدليل أن الروحانيين الهندوس وأصحاب الديانات الوثنية هم كذلك يقولون أن القلب يتلقى نورا من الطاقة الكونية كما ذكر في موضوعات سابقة، وقالوا من هذا النور تحصل السعادة والصحة، وقال الغزالي: من هذا النور ينبغي أن يطلب الكشف: " فمن ذلك النور ينبغي أن يطلب الكشف، وذلك النور ينبجس من الجودالإلهي في بعض الأحايين"[3].

 

عبد الفتاح بن عمار 

 

 

[1]إحياء علوم الدين للغزالي

[2]المنقذ من الضلال للغزالي

[3]المنقذ من الضلال


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق