]]>
خواطر :
(مقولة لجد والدي، رحمه الله ) : إذا كان لابد من أن تنهشني الكلاب ( أكرمكم الله)...الأجدر أن اسلم نفسي فريسة للأسود ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

دوي الحرب

بواسطة: hajer  |  بتاريخ: 2013-01-03 ، الوقت: 13:57:12
  • تقييم المقالة:

 

كانت السماء تمطر دما و الريح تحمل صيحات النساء الثكلى و الطقس بارد برودة الجثث المرمية هنا وهناك و حيثما تلتفت ترى السواد والحزن والحيرة فلا تدري أتهرب و تترك الجرحى أم تنتظر حتفك تحت القنابل... هذا جل ما فكرت فيه و أشلاء طفل بجانبي، لم أستطع أن أبكي فآثرت الجلوس أنا و زميلي تحت الحائط بانتظار ساعة الفرج.

 

نظر إلي مبتسما و كانت تلك الابتسامة آخر ما أذكره من وجهه البشوش قبل أن تهوي قذيفة فوق رؤوسنا و تفجر المبنى المتهالك، وقعت تحت الركام وكان هذا آخر شئ أراه...

_ سيدتي سيدتي

 

أنظر بعينين مرهقتين : من أنت؟

_ أنا الممرض، هل تحسين بألم؟

_ أشعر أن جسدي مرهق هلا ساعدتني على النهوض؟

_  لا أنت بحاجة إلى الراحة

_ و أين كمال؟

_ من هو كمال؟

_ هو زميلي رجل أسمر طويل

_ أنا آسف لقد عثرنا على جثته

 

الآن أحسست بشعور عائلات الشهداء الآن أعرف معنى حزنهم الآن أتفهم شعورهم، كنت أنظر إليهم بشفقة لكن الآن أنا أبكي مثلهم أبكي لبكائهم و قد اختلطت دموعي بدمائي حتى لم أعد أستطيع تجفيفها فحملت ما تبقى معي من أغراض و توجهت صوب أول باب ومشيت و مشيت و أنا أنظر يمنة و يسرة، لم اعرف أين أتجه لكني كرهت صوت النواح في المستشفى و كرهت صوت الأنين، أنا لا ألومهم لكني لم أعد أحتمل، فصرخت في صدري بصوت عالي : أريد العودة إلى المنزل...

سرت حيث قادتني قدماي فوجدت نفسي في نهاية طريق رئيسية قد هدمت الحرب جل مبانيه، وقطاع الطرق و نشالوا الجثث لا يتوانون عن النظر إليك بريبة فأنا امرأة أسير وحدي في مكان شبه خال و على يميني مبان مهجورة و على شمال أراض محروقة ,و أمامي قاطعوا الطريق يتربصون بأي مار كي يأخدوا منه ما تقع عليه أيديهم.

 

أمضيت تلك الليلة في العراء ، كنت أنوي الذهاب إلى العاصمة حيث سفارة بلادي لكن خانتني قدماي و لم أستطع البحث عن سيارة تقلني إلى هناك، بدأ ت أحسس بالجوع و العطش، لقد ندمت لأني تركت المستشفى فقد كان بإمكاني إستعارة هاتف و أتصل بأحد موظفي السفارة. غفوت قليلا لكن القتال قد عاد بين طرفي النزاع و وجدت نفسي بين نارين، و إذا برجل يطلب مني الإبتعاد عن المكان، لكن وضعي لم يكن يسمح بالتفكير فوقفت عاجزة عن الحركة فما كان منه إلا أن سحبني من يدي و جرني إلى مكان بعيد، كنت خائفة فطمأنني قائلا: "إبقي هنا سأعود إليك "

 

إنتهى القتال بعد ساعة و انا ألزم مكاني بين البراميل الحديدية فجاءني الرجل و هو يحمل سلاحا و قال لي: "هيا أخرجي المكان آمن، عودي إلى منزلك"  فقلت له بصوت مرتجف: " ليس لي منزل" و من لهجتي عرف أني لست من بلده ففكر قليلا و قال :" أنا لست قادرا على مساعدتك لكني سأدلك على عائلة تأويك هذه الليلة فقط هيا إتبعيني" خرجت من مخبئي و الدم يسيل من يدي و قدمي و سرت معه ، فجاء زميله و هو يحمل بندقيته الحربية و قال :" من هذه المرأة" فأجابه:" لقد ضلت طريقها، وهي  غريبة عن بلدنا، سآخذها إلى مكان آمن" فأجابه صديقة بصيغة الأمر:" لا تتأخر"

 

سرنا بين الموتى و الأطلال و بدى لي وكأننا نسير منذ ساعات، لم أتمالك نفسي فأمسكت بقميص مرافقي و بدأت بالبكاء نظر إلي  وقال:" أسرعي بالذهاب إلى سفارة بلدكم و غادري قبل إغلاق المجال الجو" أومأت برأسي بالإيجاب . حين وصلنا إلى وجهتنا قال لي، هذا هو المنزل الذي ستبيتين فيه" لقد كان منزلا متهالكا كباقي المنازل لكني سمعت أصوات خلف الباب و سرعانما فتح لنا طفل لا يتجاوز عمره العاشرة فقفز في حضن المحارب و قال له بعد تقبيله:" الحمد لله على سلامتك يا أخي" و في تلك اللحظة تجمع كل من في المنزل و جاءت والدته العجوز و آحتضنته بقوة و قالت :"لقد خفة عليك يا ولدي أين كنت؟" في تلك اللحظة عرفت أن المنزل منزله و أنني سأحل ضيفة عليهم. دخلت بآستحياء وسط ترحيب الجميع و بقيت أنظر إلى أفراد عائلته التي ظهر على أفرادها جل أنواع المعانات والفقر و مع ذلك لم يتوانى الجميع في تضميد جروحي و إعطائي ما بقي لديهم من طعام . عندما هم المحارب الذي يدعى "محمد" للرحيل" لحقت به لأتحدث معه على آنفراد أمام الباب :

_" أشكر على حسن ضيافتكم لي لكني لا أستطيع البقاء"

 فتبسم قائلا :" أين ستذهبين في هذه الساعة؟" 

_ سأعود إلى المستشفى

_ لكن المستشفى بعيد و العدو في كل المكان

فأجبته  بتردد :" نعم أعرف"

فمسكني من يدي و دفعني داخل المنزل و قال :" ستبيتين هنا الليلة و غدا إذهبي حيث تشائين"

نظرت إليه و قلت: " شكرا لك" تبسم إلي و رحل متسائلة هل سأتمكن من رؤيته غدا.

 

في فجر ذلك اليوم ، دوت صفارات الإنذار من جديد و بدأ القصف العشوائي يهدم المباني السكنية القريبة ، شعر الجميع بالهلع و بدأ الأطفال بالبكاء فما كان مني إلا أن أهدأ روع الجميع لكن القصف كان قريبا ، فلم نستطع العودة إلى النوم و كانت إبنت شقيقة "محمد" تتمسك بي و هي ترتجف من الخوف فبدأت أسير  داخل المنزل ذهابا و إيابا  و من ثم توقفت عن الحركة و خرجت إلى الشارع لأرى حجم الدمار وأنا أدعو الله أن لا تطالنا القنابل ، وفي لمح البصر هدمت المباني المجاورة فوقع بعضها على  حائط المنزل المتهالك أصلا فركضت بما بقي لدي من قوة ،و صرخت على بعد أمتار لكي أطلب من الجميع الخروج لكن ملك الموت قد سبقني و أخذ أرواح الجميع على مرأى من الطفلة التي بقيت متشبثة بي طوال الوقت. نظرت حولي كان الدمار يعم المكان و قد نجى من أسعفه الوقت للخروج من منزله، فهب الجميع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أشخاص و أغراض، و الطفلة في أحضاني تبكي و تصرخ "ماما، أختي، أخي" تركض جيئة و ذهاب علها تجدهم تحت الركام. حملتها بين يدي و أنا أفكر ماذا سأفعل؟ سأت بعض المتواجدين عن مكان "محمد" فأخذت الطفلة و ذهبنا إليه. حالما رأته الصغيرة ركضت إلى أحضانه و قالت له :

_"لقد ماتوا يا خالي ، لقد مات الجميع"

 نظر إلي محمد نظرة المغشي عليه فوضع الطفلة جانبا و قال:" عليكما مغادرة المكان فورا"

 فصرخت في وجهه:"إلى أين سنذهب؟"

_خذيها معك

نظرت إليه بدهشة و لم أجد ردا فتبسم و الدموع تملأ خديه: _ سآخذكما إلى السفارة هيا إلحقا بي

 

بعد رحلة الصمت التي دامت ساعات وصلت في نهايتها إلى سفارة بلدي، تعبنا حتى تحصلت على إذن بالسفر و أخذ الطفلة معي

_ ستذهين مع الآنسة اللطيفة إلى مكان جميل

الطفلة و هي تتمسك بعنق خالها :_ إلى مكان بعيد؟

 يبتسم و هو يمسك دموعه : _ لا إلى مكان ليس فيه حرب

أخذت الطفلة من أحضانه و قلت: _ طائرتنا ستقلع الآن،علينا الإسراع، إحتفظ برقم هاتفي و إياك أن تضيعه

_ حسنا أعد بأن أتصل بك إذا بقيت حيا ، مع السلامة

 

مضت الأسابيع و الأشهر و الأعوام، والطفلة تكبر أمام عيني بعيدا عن خالها تكبر لتصبح شابة جميلة لكن فراق عائلتها خلف جرحا كبيرا في قلبها وذات يوم دخل "محمد" مكتبي و تبسم إلي وقال : مرحبا سيدتي" تملكتني رغبة في آحتضانه  فأجبته و أنا أبكي من شدة سعادتي :"لقد إنتظرناك طويلا"

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق