]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رأي وموقف الغزالي من علم الكلام

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-12-31 ، الوقت: 11:01:09
  • تقييم المقالة:

 

 

أخذ بعضهم القرآن على معناه الحرفي وعدوه صفة من صفات الله، ومنهم الغزالي الذي استعمله في علم الكلام، وصار بالنسبة لهؤلاء علما قائما بنفسه يبحث في ذات الله وصفاته، وسمي كذلك بهذا الاسم لأنه ينشئ جدلا وحجاجا في الشرعيات، والكلام هو مقابل للفعل، وأصحاب هذا المذهب يبدو كلامهم نظريا، لأنهم يتكلمون على أشياء ليس تحتها عمل، بخلاف الفقهاء وعلماء الدين الذين يبحثون في الأحكام الشرعية والعملية. وأصحاب هذا العلم يسمون بالمتكلمين ويسمون كذلك بعلماء التوحيد، ويطلقون على هذا العلم اسم: ( علم الإلهيات الإسلامية) كونه يبحث في ذات الله وصفاته وأفعاله وكل ما يتعلق بالعقيدة والدين. والفرق بين الفلسفة وعلم الكلام، هو أن الأولى تبحث عقليا خالصا في الموجود بما هو موجود، على حين فإن الثاني يبحث بحثا على العقل وصحيح النقل.

 

فموقف الغزالي من علم الكلام تم تحديده من خلال ما صرح به في هذا النص: " ثم إني ابتدأت بعلم الكلام فحصلته، وعقلته، وطالعت كتب المحققين منهم، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف، فصادفته علما وافيا بمقصوده، غير واف بمقصودي، إنما المقصود منه حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش أهل البدعة، فقد ألقى الله تعالى إلى عباده على لسان رسوله عقيدة أهل الحق، على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار، ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورا مخالفة للسنة، فلهجوا بها، وكادوا يوشوشون عقيدة الحق على أهلها، فانشأ الله تعالى طائفة المتكلمين، وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة على خلاف السنة المأثورة، فمنه نشأ علم الكلام وأهله... فلم يكن الكلام في حقي كافيا ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا. نعم لما نشأت صنعة الكلام، وكثر الخوض فيه، وطالت المدة، تشوف المتكلمون إلى محاولة الذب عن السنة بالبحث

 

عن حقائق الأمور. وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها، ولكن لما لم يكن ذلك مقصود علمهم، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى، فلم يحصل منه ما يمحق بالكلية ظلمات الحيرة في اختلاف الخلق، ولا أبعد أن يكون قد حصل ذلك لغيري، بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة، ولكن حصولا مشوبا بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات. والغرض الآن حكاية حالي، لا الإنكار على من استشفى به، فإن أدوية الشفاء تختلف باختلاف الداء، وكم من دواء ينتفع به مريض، ويستضر به آخر".[1]

 

إذن، الغرض من علم الكلام بالنسبة للغزالي هو حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش أهل البدعة والرد على المبتدعة الذين ألقى الشيطان في نفوسهم أمورا مخالفة للسنة. ولا ندري إن كانت توجد بدعة في الدين أكثر من تلك التي أبتدعها الغزالي باعتماده على الكشف والاستبصار كمصدر للمعرفة والتشريع ومشاهدة الحقائق وكونه قد أنشأ كذلك على طريقته صوفية تأملية مشابهة نهجا وطريقة للمدارس التأملية البوذية وأوجب معرفة الحق من خلالها.

 

 وإذا كان المعتزلة قد ذهبوا إلى وجوب معرفة الحقائق بالعقل، وادعوا أن بالعقل يستطيع الإنسان معرفة الحسن واتباعه وادراك القبيح واجتنابه، فإن الغزالي جعل من الكشف مفتاحا لجميع الألغاز لمعرفة الحقائق الإلهية. 

 

وإذا كان سائر المتكلمين يثبتون تقدم النقل على العقل، لأنه لولا الدين لما استطاع عقل الإنسان معرفة الله، فإن الأشاعرة هم أول من يدعمون هذا القول ويرون أن العقل لا قيمة له إلا إذا كانت براهينه مبنية على نصوص الشرع، غير أن جماعة المعتزلة ترى أن كل برهان سمعي لا يدعمه العقل فهو مردود.

 

ورأي الغزالييبدو مختلفا تماما عن رأي الفلاسفة والمعتزلة فيما يخص النقل والعقل لأنه لم يبنِ المعرفة على أي واحد منهما أو عليهما معا، وإنما بناء المعرفة يجب أن يكون على تجارب الخلوات والكشف والمشاهدة، إضافة إلى أنه قسم الإيمان إلى ثلاثة أقسام: إيمان العوام أو إيمان أهل الظاهر حسب الاصطلاح الصوفي، وإيمان المتكلمين المرفوق بنوع من الاستدلال، وإيمان الخواص أو العارفين من أهل التصوف أصحاب الكشف الذين يرون الله بدون حجاب ويكلمونه دون وسيط. 

 

أكد الغزالي في مواطن متفرقة أن الذين حذوا حذو الفلاسفة في تحصيل المعرفة على طريق الاستدلال والتعلم قد أهملوا نصيبا من العلم الحاصل في النفس من طريق السمع والمشاهدة والكشف، فقد تجدهم يفنون أنفسهم في تجريد المعاني الكلية من الكيفيات الجزئية، ولا يدرون أن أهل الخصوصيات يبلغون في الرياضة والمجاهدة درجة يحصلون معها علما لدنياً، لا يطلع عليه إلا بالاستنباط العقلي ولا يصل إلى تلك الدرجة إلا القلة القليلة من الخواص. وبالتالي فإن الغزالي حدد صفة العلم اليقيني أو المعرفة اليقينية كما قال ذلك في كتابه المنقذ من الضلال: " وأن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارنا لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلا من يقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا لم يورث ذلك شكا وإنكارا".

 

فهو يتحدث عن علم يقيني مصدره الكشف والاستنزال وفي سبيل الحصول عليه شكك في حقيقة العلوم المبنية على التقليد والمحسوسات وفي الأوليات العقلية ولم يعد يقبل إلا بما زعم أنه نور من الله قذفه في قلبه والذي أعتبره مفتاح كل العلوم، ولولاه حسب ظنه ما تخلص من وساوس كانت تنتابه وهواجس تضايقه وتطارده.

 

فقد حدد نطاق ما يمكن وصول العقل المجرد عن الشرع إليه وبيّن أن إدراكه قاصر في أمور التجربة، وأما الذين آمنوا بسلطان قدرة العقل لحل المشكلات ولم يصلهم التعليم من طريق الأنبياء فبوسعهم أن يمدوا أبصارهم إلى الحقائق الأبدية كما قال: " إن محاولة معرفة الأمور البديهية بطريق العقل وحده فضول، وطمع في غير مطمع، لأن هذه الأمور ليست مما تتسع له القوى البشرية، وهي لا تنال بطريق النظر العقلي، بل تنال بطريق آخر، وهو طريق الكشف الباطني".[2]

 

ليس شرطا أن يكون الحق عند الغزالي مؤيدا بالبرهان العقلي فقط، بل يجب أن يكون موافقا للقرآن والسنة، ويقسم المعرفة في بعض أقواله إلى قسمين، قسم المعرفة العقلية وقسم المعرفة الدينية، وهذا ما يبين أسباب الخلاف بينه وبين الفلاسفة وتناقض استنباطاتهم للأمور الإلهية على طريقة العلماء، فهم لم يكتفوا حسب رأيه باستنباط الخبر كما ثبت عن الأنبياء ولا حاولوا الارتقاء في المعارف اللدنية إلى المشاهدة والمكاشفة، ولكنهم اعتقدوا أن الحقيقة الإلهية توزن بميزان العقل، وبهذا الميزان يمكن استنباط أحكاما هي في الحقيقة لا تكون بطريق الوحي والإلهام، فلذلك وقعوا في التخبط، فالعقل عنده محتاج إلى اهتداء الشرع لتحقيق معارفه بطريق الاتصال الوجداني بالله لأنه مصدر كل حق ومعرفة، بخلاف علماء الكلام الذين يعتمدون على البراهين العقلية المبنية على معطيات شرعية دون الرجوع إلى معطيات الكشف الباطني والاتصال الوجداني. إن للغزالي أقوالا عديدة يشير فيها إلى عجز العقل لإدراك الحقائق الإلهية لأن ذلك ليس مما تتسع له قوة العقل البشري.  

 

وبالإجمال فإن موقف الغزالي إزاء العقل هو أن أحكامه صادقة بالكلية وإن كانت تشوبها بعض الأخطاء، وأن اعتماد العقل على الشرع يهدي صاحبه إلى الأمور الإلهية التي لا تتجلى لأحد إلا من طريق الوحي والإلهام، والإلهام هنا يقصد به الكشف الذي هو مصدر تعاليم الديانات الوثنية .      

 

وموقفه كذلك من العقل شبيه بموقف الأشعري الذي صان للعقل حقوقه في قدرته على فهم أحكام الشريعة، غير أن الغزالي بالرغم من أنه حث على استخدام العقل لفهم الشرع إلا أنه استحدث طريقة ثالثة (الكشف) لتحصيل العلم والمعرفة، وقد نجده يومئ في بعض أقواله إلى أن استخدام هذه الطريقة تجعل صاحبها يستغني عن طريقتي العقل والنقل. وبما أنه مر على مرحلة من مراحل الشك جعلته وسيلة للكشف عن الحقيقة كما هي ذاتيا لا تقليديا.

 

عبد الفتاح بن عمار

 

[1]المنقذ من الضلال للغزالي

[2]تاريخ الفلسفة العربية    


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق