]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

جرائِمُ الشَرَف.. وَقفةٌ شُجاعة

بواسطة: ليث العبدويس  |  بتاريخ: 2011-08-27 ، الوقت: 11:34:20
  • تقييم المقالة:

لستُ مؤهلاً رُبما للخوضِ في قضيةٍ من عيارِ "جرائِم الشَرفِ" في العالم العربي، كونَها تَحفَلُ بِجَدليّةٍ يمتّزِجُ فيها النَصُّ الديني بِبُعْدِهِ المُقدّس النازِعِ دوماً الى النَقاء والطُهر معَ الموروثِ الاجتماعي بِهيمَنَتِهِ النَفسيّة القائِمة على نَسَقٍ تربويٍ صارمٍ من التعاليم وَمنظومَةٍ تَسَلُطيّةٍ ذُكوريّةٍ "بطرياركية" تّضَعُ نُصبَ عينيها "الوجاهة" والسُمعة دونَ انْ تَكتَرِثَ كثيراً للمخبوءِ والمُتخفّي، والتَطرُّقُ لها يَقتَرِبُ كثيراً من مُغامرةِ إقحامِ المرءِ لِذِراعِهِ في جِرابٍ مليءٍ بالعَقارب، او السيرِ حافياً في سِكّةٍ وَعِرةٍ غيرِ مُمَهدة، مَزروعةٍ بالأشواكِ والعَقباتِ والألغام، مَعصوبَ العينين، مَعدومَ الدَلالةِ والمُعين، بيدَ أنها تُغري أنْ يُدليَ أحَدُنا بِدلوِهِ وَيطرَحَ رأيَهُ ويَرشِفَ من نَبعٍ لطالما صُنّفَ على أنهُ "مُحَرّم" وَخَطير، تَماماً كآلاف الشُرُفاتِ المُطِلّة على عُقَدِنا وتناقُضاتِنا، ممنوعٌ علينا ارتيادُها، ممنوعٌ علينا تَلَمُّسُ قِرميدِها العَتيق، مَمنوعٌ علينا البوحُ بِوِجهَتِها السِرّية.

 جريمَةُ الشَرَفِ في مَلَكوتِنا العربي أحاديّةُ الجانِب، يَقتَرِفُها في الأعَمَّ الأغلب طَرَفٌ يَنجو في خِتامِ المُسَلسَلِ الدَنيءِ من العقُوبة، مُثقّلاً باللعنات المؤبّدة، طَرَفٌ أحسَنَ صياغَةَ بُنودِ "قانونِ الخَطيئة" العُرْفي فَجَعَلَهُ – بإيحاءٍ من سَطوةِ الوَزنِ الرُجولي المُتَفَرّدِ – قانوناً نُخبَوياً قائِماً على الانتقاءِ والتمييز، يَمنَحُ بَركاتِهِ للزُناةِ وَيُرَتّبُ الموتَ على الزواني، لا لِشيءٍ سوى انَّ مفهومَ الوِصاية والقيمومةِ اُسيءَ تَطبيقُه واستعمالُه، فهل كانتْ "ثيميس" حاملةَ ميزان العدل الإغريقيةُ ضَريرةً حَقاً؟ وَهل كانتْ رَكيكةً الى هذه الَدَرَجة؟

 الذي لا شَكَّ فيه هو انَّ جرائِمَ الشَرَفِ، بِعلنيتِها الفَظّة وَعربَدة الاحتفال الَدموي الذي يُرافِقها كجُزءٍ مِنْ طَقس "غَسلِ العار" واحجامِ قوانيننا الجزائيّة عن وَطءِ طَرْفِها او تقليمِ انيابِها، واستمرار المُجتَمع في دَعمِ مُنفِذيها وَتبنّي وُجهاتِ نَظَرِهِم، لا زالتْ تُبرهِنُ على مدى تَمسُكِنا بشرائِع الغاب، وتُذَكِرُنا بِعُمقِ الجانِب المظلِمِ الذي رافَقَنا في مشوار التحول من الوثنيّة الجاهِليّة الهَمَجيّة الى السماويّة التنويريّة المَدَنيّة، فهي الجريمةُ الوَحيدَةُ في التاريخ التي يُستَهدَفُ فيها "جِنسٌ" بِعينِهِ ويُستثنى الآخر، كونُها لَصيقةٌ بالإناث دونَ الذُكور، وتُكالُ فيها التُهَمُ جِزافاً على أساسِ الشَكْ الراجح والظُنون الغالِبة، فاغلَبُ ضَحاياها كُنَّ لا زِلنَ عذراواتٍ بَعدَ تَنفيذِ الإعدام الاعتباطي، بِشهاداتِ الطِبّ العَدْلي، ويُصادَرُ فيها حَقُّ المُتَهَمِ في الدِفاعِ عن نَفسِهِ وِفقَ لائِحة اتهامٍ جاهِزة مُعدّة سَلَفاً، عادةَ ما يَضَعُها "ذَكَرٌ" هوَ في حقيقتهِ الخَفيّة مُجرّدَ "زيِرِ نِساء" اِرتَكَبَ ذاتَ الجُرمِ مِراراً دونَ رادِع، مُستفيداً من نِفاقٍ اجتماعي عالي التَردّدْ، وَزوّدَ احد المُتطوعين مِنْ أقربِ الناسِ للضَحيّة بِفتوىً وتَصريحٍ بالقتل.. أجواءُ مُحاكَمةٍ رَهيبةٍ يجتَمِعُ خِلالها صَولَجانُ الحُكمِ وَمِنبَرُ الإدِعاءُ وفأسُ الجلّادِ بِيَدِ طَرَفٍ لا يَعي ما يَقولُ ويهرِفُ بِما لا يَعرِف، سَخيفٌ زَعيقُ القَتَلةِ عن الشَرَفِ الرَفيعِ الذي لا يَسْلَمُ من الأذى مالم يُراقَ على جوانِبِهِ الدَمُ، فليسَ من الشَرَفِ من شيءٍ انْ نَستَلَّ سكاكيننا وَنُمارِسَ الذَبحَ بهذهِ العَشوائيّة التمييزية القَذِرة، وَلَئِن أذعَنّا لإمرِ السمَاءِ فتوقفنا بُرهَةً عن وأدِ الإناث، فإننا سُرعانَ ما وَجدنا أسوأ البدائِلِ التي تُمَكِنُنا من الاستمرارِ في مُمارَسَةِ هوايَتنا التي ميزَتنا، وَلِم لا ونحنُ مُذْ داحِسَ والغَبراء وَحربِ البَسوسِ كياناتٌ ذُكورّيةٌ جَلِفة بِجَدارةٍ، نُسَلّحُ ابنائَنا الذُكور بِكُلِ مَخالِبِ القَمعِ وأدواتِ التَسَلُّط من تفضيلٍ وتسهيلٍ وَتدليلٍ وَتخويل، وَنزرَعُ في ارواحِ بناتِنا انكساراتِ الأمَةِ وَهوانَ الجواري وَخُضوعَ "الغيشا"، وَنُلَقِنُهُنَّ قاموساً سَميكاً من مُفردات الذُلّ والعُبودية، ثُمَّ لا نَلبَثُ بِمُنتهى التلقائيّة أنْ نَلِغُ في شَرايينِهِنَّ – كأيِ جِراءٍ ظمِئة - بِوشايةٍ حَقيرة او نَبأ فاسِقٍ أفّاك، تُساقُ إحداهُنَّ الى جزّار "الشَرَفِ" المُتعَجْرِف ولِسانُ حالِها يَستَذكِرُ قولَ الشاعِرِ باكياً : "أنا اُنثى، أنا اُنثى، نَهاراً أتيتُ الى الدُنيا، وَجدتُ قرارَ إعدامي، ولم أرَ بابَ محكمتي، وَلمْ أرَ وَجهَ حُكّامي". وهكذا تَمضي الجريمة، بِهُدوءٍ وَمِن غيرِ جَلَبة، كأيّ حَدَثٍ يوميٍ عارِض، وَسَطَ اضطِراب التَفسيرِ البَشَري لِلنَصِ الديني المُتسامِح وَلَيّ أعناقِ الأحكامِ وابتزازِها وَنَشوةِ الكيانِ الاجتماعي بديمومةِ مَفاهيمِهِ المُعمّدة بالدِماء وَصَمتِ المؤسسة الرَسميّة وَضبابيّة الموقِف القانوني، ليسَ مُتوَقَعاً تلاشي هذهِ المُمارَسة الرَجعية او اختفائِها فُجأة، فنحنُ العَربُ وخِلافاً لِغيرِنا بَطيئونَ في المُراجَعة والنَقدِ الذاتي،  وسَتُقَدّمُ المَزيدُ من القَرابينُ الحيّة على مَذبَحِ "الشَرَف" قَبلَ إدراكِ أصحاب الأدمِغة البَليدة والحَميّة الغَبيّة الفارِغةِ أنَّ شَرَفَ اليعاريبِ غالٍ ثَمين، لَكِنَّ أنفُسَ القواريرِ العَفيفة أبهَظُ مِنْ كُلّ غِربانِ الشكُوكِ التي تَنْبِشُ في قُحوفِ جَماجِمِهِم.

 

ليث العبدويس – بغداد – alabedwees@yahoo.com


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق