]]>
خواطر :
يا فؤادُ، أسمع في نقرات على أبوابك تتزايد... أهي لحب أول عائدُ ، أم أنت في هوى جديد منتظرُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ثورات الشعوب العربية بين فقهاء البلاط ومتطلبات العصر...

بواسطة: محمد ضياء  |  بتاريخ: 2011-08-27 ، الوقت: 05:34:19
  • تقييم المقالة:

 

الدكتور طاهر مهدي الجزائري

  ثورات الشعوب العربية بين فقهاء البلاط ومتطلبات العصر...
    نسكويمن /الشهاب/ بقلم الدكتور طاهر مهدي الجزائري  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

في الاجتماع...

ان من الملاحظ في مجال السياسة والاجتماع أن الامة العربية اصبحت تستهلك افكارا بالية اكل عليها الدهر وشرب، و أضحى العقل لديها مكبلا لا يكاد يتسلل اليه بصيص من نور الابداع. بل انسدت الافاق المستقبلية أمامها وكأن عليها من الحديد قطرا لا يستطيع المرء لها دفعا ولا هدما. وهذا ما ارهق شعوبها بفلسفات للحياة بالية وفقه جامد لا حياة فيه ولا دبيب مما اطفأ روح الالهام على مستوى كل طبقاتها حتى امست تنوء بأحمال مسيطرة على حياة الناس سادّة أمامهم كل السبل حتى ألقت على الأنظار غشاوة ظاهرها فيه رحمة وباطنها من قبله العذاب.

ولن تتمكن أمتنا العتيقة من التخلص من أطلالها الثقيلة المعيقة إلا باستكمال ثورة واستئناف أخرى في الأفكار والعادات والتقاليد لتعيد تعريف المواطن بإنسانيته أخلاقيا وقانونيا لتقلب العلاقة بين الحكام والمحكومين فتفهم الاوائل انهم خدم والاواخر انهم سادة. ذلك مصداقا لقول ابي بكر رضي الله عنه : عندما أصبح خليفه صلى بالناس في المسجد وقال : " أيها الناس قد وليتموني عليكم ولست بخيركم إن أحسنت فأعينوني وأن انحرفت فقوموني. الصّدق أمانه والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.لقد وليتموني ولست بخيركم"

وكل النظريات الاجتماعية التي تحدث عن مآلات المجتمعات قبيل الثورات العالمية الكبرى كالثورة الفرنسية مفيدة دراستها وتحليلها لفهم الحراك الذي بدأته الشعوب العربية وهي حتى كتابة هذه الكلمات مستمرة في ليبيا واليمن وسوريا بعد ان وطدت اركانها في كل من تونس ومصر ولم تزل تحت الرماد في كل من الجزائر والمغرب وموريتانيا. انه واضح كفلق الصبح أن الارهاق والتعب والنصب قد اصاب الامة من خلال فقه سياسي يمثل عبئا على الشعوب تثقل كواهلها وتسحبها الى الوراء عوض ان تدفعها الى الامام.

الامة وهاجس الخوف من الفتنة

لقد كانت روح المسلمين الاوائل وثابة الى الاصلاح تواقة للحرية ولكن ما لحق الامة بعد ذلك مما زرعه الأمويون من جرائم في القرن الهجري الاول ضد كل معارضة سياسية جعل التشاؤم يسيطر على النفوس واصبح خوف الفتنة اصل في الثقافة الاسلامية وهو ما جعل أي جهد للإصلاح السياسي يبوء مسبقا بالفشل.

و بظهور المعارضات المسلحة مثل التي قادتها الخوارج والتي استباحت المجتمعات الاسلامية باسم مقاومة ظلم الطغاة، ازداد التشاؤم ورسخت بذلك ثقافة الديكتاتورية بداعي تجنب الفتنة تنزيلا سيئا لقوله تعالى: {الفتنة اشد من القتل}

وهكذا وقعت الامة كلها في هاجس "الخوف من الفتنة" فاصبح عقلها مشلولا، واتسعت دوائر الخوف لديها حتى صار مانعا جماعيا ونفسيا تستبطنه النفوس مهما ساءت الظروف. وزاد الطين بلة أن تصدى فقهاء السلطان لترسيخ الخوف من الفتنة على وحدة وهمية لأوطان مقطعة الأوصال ومن ورائها على وحدة لأمة لا وجود لها في عالم الواقع بسبب نفس هؤلاء الحكام الذين يحرقون الاخضر واليابس من اجل المحافظة على كراسيهم. وهذه الفئة من علماء السلطة لا تقيم اعتبارا للشرعية فحسب بل تضحي بالحرية وتؤسس للقهر بديلا عنها بمساندتها للحكام الظلمة. و بئس التابع والمتبوع. و هم يتناسون أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بجهاد الأمراء الظلمة؛ ففي الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيكون أمراء من بعدي يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لا إيمان بعده. "

الاستبداد هو اشنع فتنة

ان اخطر واشنع فتنة على كل المستويات هي فتنة الاستبداد السياسي الذي يسنده علماء السلطان لقول النبي : "من أعان قومه على ظلمٍ فهو كالبعير المتردي ينزع بذنبه" . ولنا في تاريخنا القديم والحديث ما يكفينا من عبر لمن يريد ان يعتبر. وما ثورات اهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم التي ظلت تترى الا دليلا قاطعا على شناعة الديكتاتورية بالمصطلح المعاصر. يروي ابن عساكر في تاريخه ان الحسين بن علي رضي الله عنهما كتب الى معاوية بن ابي سفيان يقول له : "وما أظن لي عند الله عذرا في ترك جهادك، ولا أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة"

و يا ليت علماء السلطان لم يضفوا شرعية فقهية على الديكتاتورية، ولم يسوغوا للديكتاتوريين التسلط والقهر ولم يفرضوا على الناس الطاعة ونصرة المستبدين والله يقول في الحديث القدسي: "يا عبادي اني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا..." . لقد فعلوا كل ذلك واهملوا واجبهم في الجراءة على مطالبة الظالمين بكف الظلم عن الناس والعدل بين الرعية وتقوى الله : "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر..." .

إنه من المتعارف عليه لدى الفقهاء ان التشريع بالضرورة والحاجة التي تنزل منزلتها جائز في اطار مسوغاته ولا يمكن ان ينبني عليه تشريع مستمر، فاذا زالت الحاجة او الضرورة امتنع التشريع المبني عليهما تبعا للقاعدة الاصولية : "الضرورات تبيح المحظورات". وان الامور بمقاصدها وان الفروع ترد الى اصولها وان الاشباه تقاس بنظائرها. وعليه ففرض طاعة ولي الامر من السياسيين المستبدين هو في حد ذاته معصية خطيرة ليس على مستوى الفرد وحده بل على مستوى المجتمع كله لما له من تداعيات على المدى البعيد تؤدي الى انقلاب المعروف منكرا والمنكر معروفا مع أن الله فرض على المجتمع المسلم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله تعالى : {المؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله... } .

هناك عمى سياسي وتاريخي أصاب فقهاء السلطان بمكرهم فتعاموا عن حقيقة ان دولة الاسلام بحكمها الرّاشد سواء أكان ذلك في المرحلة النبوية أو إبان الخلافة الراشدة جاءت لترفع الظلم عن الشعوب وتحررهم من نير العبودية فلخص ذلك ربعي بن عامر عندما قال لكسرى : " انما جئنا لنخرج العباد من عبودية العباد الى عبادة رب العباد..." . و عندما انقلب الحكم الرّاشد الى حكم عضوض بدءا من بني امية ومرورا ببني العباس ومن بعدهم، تصدى لمقاومته خيرة الصحابة وبذلوا الغالي والنفيس في سبيل ذلك. ولقد تجسدت تلك المقاومة في ثورة الحسين بن علي، وثورة عبد الله بن الزبير، وثورة أهل المدينة ضد يزيد، وثورة التوابين بالعراق بقيادة الصحابي الجليل سليمان بن صرد، ثم ثورة الفقهاء بعد ذلك بقيادة عبد الرحمن بن الأشعث رضي الله عن الجميع.

فقهاء البلاط و تحريف تاريخ الثورات

لكن فقهاء السلطان الذين كتبوا تاريخ أمتنا السياسي اثناء سيطرة الديكتاتورية رصدوا تلك الثورات المباركة من خلال قاعات القصور الفخمة وعن طريق هواجس الخوف من الفتنة، فكانت النتيجة ان زَوّروا الشرعية الأخلاقية بناء على عدم وصولها الى الهدف المنشود في التغيير، والتمسوا النصوص تلو النصوص لبناء خلفية تراثية وتاريخية مشوهة تجعل من الخضوع للظالم تقوى والاستسلام للديكتاتور بل طاعته عبادة يؤجر عليها. واستعملوا لذلك ترسانة من النصوص المستلّة من هنا وهناك والتي لا يربط بينها وبين اصول الاسلام العامة التي تحث على مكافحة الظلم والنضال من اجل الحق دين ولا عقل كما في : "...اسمع واطع ولو ضرب ظهرك واخذ مالك ما لم يكن معصية... " . - أقول : وهل هناك معصية اعظم من الظلم؟

وهنا يظهر تعمد الخلط بين مسالتين مختلفتين كل الاختلاف وهما التكييف الفقهي والتوصيف الاخلاقي، حيث استغل اولئك الفقهاء فشل معظم تلك الثورات في صدر الاسلام في الوصول الى اعادة الحكم الرّاشد وطعنوا في سلامة نيات اصحابها وشرعية فعلهم، وهم بذلك التصرف يزورون الحقائق و يلوون اعناق النصوص لتوافق مبتغاهم وارضاء سادتهم الذين استمرأوا الظلم حتى جعلوا فقهاء بلاطهم يكيفون الفتاوى لتبرير الاستبداد رغم النصوص الصريحة من الكتاب والسنة، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: أعاذك الله من إمارة السفهاء، قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنّون بسنتي؛ فمن صدقهم بكذبهم وأعانهـم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون عليَّ حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردون عليَّ حوضي" .

ولقد خلص هؤلاء الفقهاء السلطويون الى نتيجة مفادها ان الثائرين فتّانون ومخالفون للجماعة التي تمثلها الغالبية العظمى، اذن فهم مذنبون ويستحقون العقاب ولو كانوا اصحاب نيات طيبة كريحانتي رسول الله ومن ذكرناهم سابقا. وبالتالي لبّسوا على الناس وافهموهم ان الخطأ خطيئة و أن الحكم على الأفعال بما تحققه في الواقع لا بما تنتويه من خير حتى ولو لم تحقق شيئا لقوله صلى الله عليه وسلم : "إنما الاعمال بالنيات..." .

وليس كل من اخطأ الحسابات الاستراتيجية العسكرية والسياسية ممن يطلب حقه وحق امته وشعبه على خطيئة وذنب بل شرعا يبقى صاحب حق مهما كانت النتائج. و بخاصة أن النتائج الدنيوية لمقاومة الظلم ليست مضمونة على الدوام، و تلك الأيام نداولها بين الناس. ولو أخذت الأحكام الشرعية في عين الاعتبار النتائج على الأرض فقط لاعتبرنا غزوتي أحد ومؤتة من اكبر الآثام التي ارتكبها الصحابة، وما قال بذلك مسلم فضلا عن عالم وفقيه حتى من علماء البلاط.

ولم يأت نص شرعي واحد يضمن النصر الدنيوي لمن يقاوم ويدافع عن حقه بطريقة اتوماتيكية ولكن المضمون هو نيل الحسنى سواء في الدنيا ام في الاخرة. اذن فالمعيار الدقيق ان نقول المهم ان تكون مقاصد الثائرين هي الحق والعدل والحرية بالتزام الشرع فحسب. فالله تعالى يقول: " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين" .

فاذا كان سيدنا الحسين بن علي قد اخطأ بالمبالغة في تقدير قوة أنصاره في العراق، وعدم إدراكه للمعادلات السياسية والاستراتيجيات العسكرية القائمة في عصر بني امية. بل لم ينتبه للتغييرات الأخلاقية والنفسية التي دخلت على الناس عند امتداد الفتوح وتطور الحضارة وتشعب العمران، مما جعل الكثير من الناس يتبع نظرية المداراة والامساك بالعصا من الوسط كي يكون ظاهرا مع المظلوم وباطنا مع الظالم.

فان أهل المدينة المنورة قد اساؤوا التقدير السياسي وجانبوا الصواب في الاستراتيجية العسكرية عند ثورتهم على يزيد بن معاوية، ولم يأبهوا الى الاختلال الكبير في موازين القوى ما جعل الثورة تنتهي بفاجعة "الحَرَّة" التي قضى فيها الكثير من الابرياء. و هكذا اتخذها الطاغية يزيد ذريعة ليعيث فسادا في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، ويقضي على بقية الصحابة رضي الله عنهم ويرتكب جريمة حرب بالمفهوم المعاصر.

وكذلك من الاخطاء أن يعوَّل عبد الله بن الزبير على مساندة أناس كذبوا عليه ووعدوه بالنصرة و سرعان ما انسحبوا من المعركة وتركوه يلقى حتفه مع ثلة من أصحابه الشجعان بعد مواجهة شرسة مع جيوش الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي .

وكان من الأسباب الرئيسية لتلك الأخطاء أن أهل المدينة والحجاز اعتادوا على جيوش المتطوعين ممن يبتغون وجه الله تعالى ولا يريدون جزاء ولا شكورا الا احدى الحسنيين النصر او الشهادة. كان هذا ممكنا في صدر الاسلام لوضوح العدو وعدم التباس الحق بالباطل. ولكن لم يعد هذا نافعا مع تحول جيوش الشام الى جيوش نظامية محترفة تقاتل بمهنية عالية وحتى ارتزاق وليس دائما لوجه الله تعالى. والسبب في ذلك ان معاوية وهو من دهاة العرب وصاحب حيلة سياسية وخبرة عسكرية قد ورث كل النظام الاداري والعسكري للدولة البيزنطية واستعمله ضد خصومه من الثائرين من آل البيت وغيرهم من الصحابة والعلماء.

ثم إن الفتنة قد ضربت اطنابها بعد أن اختلطت الرايات مع معركتي الجمل وصِفِّين ولم يعد بإمكان المتطوعين من الثوار في مثل تلك الظروف لينتصر على جيش نظامي من اعتى جيوش المنطقة ان لم يكن أعتاها على الاطلاق. هذه حقائق استراتيجية لم يستوعبها الثوار في تلك المرحلة العصيبة ابتداء من الحسين وأهل المدينة، وانتهاء بابن الزبير وابن الأشعث . اخطاء منهجية في التكييف الشرعي

وهنا يظهر باديا للعيان، لمن اوتي بصيرة المؤمن، الأخطاء المنهجية التي وقع فيها فقهاء كثر عندما ساووا بين الجلاد والضحية، و بين الخطأ السياسي والعسكري الذي يصدر عن اجتهاد في طلب الحق، والتزم قواعد الشرع في الغاية والنية، وبين الخطيئة الشرعية والمبدئية التي لم يستفرغ صاحبها جهدا في طلب الحق فيها مستهينا أو جاهلا وفي كلا الحالين هو غير معذور.

فالحسين وأهل المدينة وابن الزبير وابن الأشعث أخطأوا التقدير السياسي و العسكري ولكن هذا لا يجعلهم مذنبين، لأنهم اجتهدوا في طلب الحق، وبذلوا النفس في نصرته، فخطؤهم مرفوع وهم مأجورون ان شاء الله تعالى بقوله صلى الله عليه وسلم : "من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله اجر واحد..." .

هذا وبخاصة أنهم قاتلوا من أجل الحق والعدل والحرية، وقاتل خصومهم من أجل السلطة والثروة والديكتاتورية. وعليه فإننا نعتبر التسوية بين الطرفين من البلادة الحسية والهبوط الاخلاقي. بل ان تسمية ذلك كله فتنة يعتبر خلطا للأوراق وتركا للحابل على النابل. أفنجعل المجرمين، من ال يزيد الذين حركتهم شهوة الملك، كالمسلمين، من أل الحسين الذين ثاروا "غضبا لله وللدين وللحرية " . وأهل المدينة الذين "قاموا غاضبين لأعراضهم ولله" .

وقد كان ابن خلدون أحسن من كيف، تلك القضية الشائكة، تكييفا فقهيا واخلاقيا وخرج من مأزق الفقهاء عندما تحدث عن مفهوم الخطأ والخطيئة وبيّن ان الثائرين مخطئون استراتيجيا ولكنهم بعيدون كل البعد عن الخطيئة الدينية والاخلاقية، بينما أتباعهم وقعوا فعلا في الخطيئة الشرعية والاخلاقية.

ثورة الشعوب العربية اليوم

والتاريخ يعيد نفسه بكل تفاصيله، فكل من يثور من الشعوب العربية اليوم ضد الظلم السياسي والديكتاتورية مستخدما ما في وسعه من وسائل شرعية سواء وصل الى إزاحة الظلم وتحرير الأمة من الاستبداد أم مات في سبيل ذلك فهو شهيد.

وهذه المعادلة الاستراتيجية التي تميز بين الخطأ والخطيئة في تصرفات الثائرين هي التي يفتقر اليها الحَرفيون من فقهائنا اليوم وكذلك من فقهاء البلاط الذين هم اسرى مشاهد تاريخية جعلوها مصادر لفتاواهم الفقهية التي تهدم الاسلام من الاساس وتناقض مبادئه في العدل والحرية و حقوق الانسان.

ولذلك قال ابن حجر في تهذيبه ما معناه: إن مذهب السيف مذهب للسلف قديم، ولكن استقر الأمر على ترك ذلك مخافة الفتنة. و المقصود بمذهب السيف لدى السلف هو مقاتلة الحاكم الظالم الذي تمثله الديكتاتوريات عبر العالم العربي في ايامنا هذه. فيجب على كل من يدعون انهم سلفيون ومن اتباع السلف أن يأخذوا بمذهب السلف الصحيح، ويناضلوا لدفع الظلم الديكتاتوري عن أمتهم، وعليهم ان يحققوا المسائل الفقهية قبل استجلابها فما كان منها موافقا اصول الاسلام العامة ونصوص القران اخذوا به وما كان غير ذلك رموا به عرض الحائط. و ليحذروا اقوال الفقهاء المتأخرين فقد تركوا الكثير من أصول الاسلام ومبادئ الدين من أجل موافقة السلطان او خوفا من بطشه. و لنا جميعا في الصحابة الذين حملوا السيف ضد الاستبداد مثالا يحتذى لانهم أفقه في الإسلام من أي فقيه دعي يأتي بعدهم. وان هؤلاء الثوار الذين قاموا انما ثاروا لانهم ملوا حياة العبيد فلا فقه ولا فلسفة ولا سياسة سوف توقفهم عن تحقيق ما دونه حبل الوتين ومهج القلوب.

الثورة السلمية تكفي

واليوم ومع توافر وسائل المعارضة بشكل واسع ومتنوع فان ما ندعوا إليه ليس الخروج المسلح، وإنما الثورة السلمية، والعصيان المدني، والاضرابات الشاملة وغيرها من وسائل لم يكن فقيه العصر القديم يدري عنها، ولا أخذها في الاعتبار في صياغاته الفقهية اذا كان محايدا وليس من علماء البلاط. و لم تعد الحاجة ماسة إلى القتال اليوم مع توافر هذه الوسائل السلمية للشعوب الثائرة، إلا إن فَرضَ عليها القتالَ طاغيةٌ متعطشٌ للدماء وعدو لشعبه، مثل القذافي في ليبيا وبشار في سورية وعلي في اليمن.

و يكفينا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "سيد الشهداء عند الله حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" .

و نحن نشهد اليوم ثورات عارمة في وجه الديكتاتوريات الضاربة الجذور في اعماق الاوطان العربية وهؤلاء الثوار يبرهنون لنا على ان امهاتهم لا تزال قادرة على انجاب الأحرار الذين يستشهدون في سبيل الاوطان والحق والعدل والحرية والنصر ات وما ذلك على الله بعزيز.

وبالله التوفيق

« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق