]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

إشارات مرور على الطريق الثالث

بواسطة: محمد أكروح  |  بتاريخ: 2012-12-28 ، الوقت: 14:47:59
  • تقييم المقالة:

 

“هل يمكن أن نقول أنّ التجربة العربية من الممكن أن تنجح لكي تكتسب مدلولاً عامًا متوجا لطريق ثالث من خلاله لا يمكن للحضارة الغربية أن تستغني عن الحضارة العربية الإسلامية، والحضارة العربية الإسلامية بدورها لا يمكن أن تستغني عن الحضارة الغربية، إنها علاقة تشاركية توحي لمستقبل خلاق يدحض جدلية الإنتاج إلى جدلية حضارة تشاركية بدل حضارة أحادية تجعل من التفكير محور الإنسان وتجعل المقدس مفهوما تسامحيا” لكل مقدساته يحترمها الجميع ويقدسها المؤمن بها”.

 

هذه الفقرة كانت خاتمة المقال المعنون بـ: “واقع التفكير في منظومة الإنسان الحضارية“, وكنت قد استوقفتني عدة نقاط حاولت فهمها واستيعاب مضمونها، لكن أهم ما يمكن التوقف عليه في كل كتابة، هو الخاتمة، أو النتيجة، وبالفعل لقد استوقفتني خاتمة المقال التي نقلتها آنفًا كما جاءت.

 

إن هذا النظر أو هذا الطريق يحتاج لإشارات تضبط المرور وتيسره للفهم وعدم الخلط بين الثابت والمتحول!

 

شهد العالم الغربي المعاصر نظرتين حكمتا على نشوء حضارته، نظرة مادية في جوهرها مستمدة من معتقدات الحضارة اليونانية والرومية التي سادت الغرب قديما ونظرة دينية مسيحية (قديمة جديدة) ومادية اشتراكية حديثا, هذه الحضارة أعطت نتائج تاريخية كارثة على الإنسانية وتبشر بدمار المستقبل.

 

ويرجع سبب هذا المآل إلى نسياننا للذات الحضارية الإسلامية المعاصرة التي استغلتها الحضارة الغربية لتسمي نفسها حضارة الكون ومنقذته.

 

إنَّ الحضارة الغربية أنتجت علوما وتقنيات تكنولوجية عالية المستوى وهو ما تفتقده الحضارة المدنية الإسلامية، لكن للإنصاف فالتكنولوجيا والعلوم المعرفية تشاركتها الأمم منذ الوجود فهذه العلوم محايدة وغير منحازة فلا يمكننا تسمية التكنولوجيا بغربية أو شرقية  فهذه تقنيات يملكها البشر بصفتهم البشرية وليس بانتمائهم  لحضارة أو دين أو دولة.

 

من هذه النقطة نصل إلى أن المدنية والتقنيات ليست بمشترك حضاري وإنما مشترك إنساني يفرض نفسه سواء اتفقت الحضارات أو تصارعت.

 

يبقى أن نناقش فكرة “التشارك في الفكر”.

 

فاختلاف أسس الحضارتين واختلاف معنى المفهوم في الحضارتين يجعل من المستحيل توحيد منطلقات الفكر، لأن كل فكر عرفه الإنسان عبر التاريخ في جوهره هو أحادي النزعة.

 

بينما نجد الفكر الإسلامي خرق القاعدة بنزعته الثنائية، بين المادة والروح، الدنيا والآخرة.

 

فأسس الفكر الإسلامي منبثقة من مصدر سماوي ثابت ذو حقيقة مطلقة، بينما يرتكز الفكر الغربي على أساسين أولهما ديني مسيحي محرف وثانيهما مادي طبيعي أو بالأحرى عقلي مطلق. ويمكن جمع هذين الأساسين في المقولة الغربية الشهيرة: “ما لله لله وما لقيصر لقيصر”.

 

الفكر الغربي المنظر لأسس حضارته ينطلق في تفكيره من مسلمات غير ثابتة مختلفة ليصل في الخاتمة إلى نتائج متضاربة تصور أفقا غامضا للإنسانية.

 

أما الفكر الإسلامي فينطلق من مسلمة ثابتة في جوهرها متغيرة في أشكالها، ليصل في خاتمته إلى نفس جوهر مسلمة الانطلاق، وإن اختلف شكل هذه النتيجة.

 

وإذا سلمنا بأن ركيزة الحضارة هي الثقافة فإن ثقافة الغرب ثقافة مفلسة روحيا ومشوهة دينيا مما أنتج حضارة متقدمة علميا وفقيرة إيمانيا.

 

والعدميون والوجوديون والعبثيون مذاهب فلسفية دليل على إفلاس الحضارة الغربية ذات الاتجاه المادي الواحد.

 

والثقافة في جوهرها هي الدين أو هي رؤية شعب أو مجتمع ما للحياة وما بعدها.

 

وهذا هو هدف الدين، فالحديث عن الثقافة برغم تنوع تعاريفها هو حديث عن الخلق والخالق والحياة بعد الممات ويتجلى ذلك في عناصر الثقافة من الأخلاق والفن والعادات والتقاليد…

 

فالثقافة التي تعبر عن روح الحضارة الغربية ثقافة أحادية تخص كل فرد لوحده أي كل فرد وتصوره لوجوده ومصيره، ثقافة لا تعترف بجوهر أو روح جامعة. فالثقافة والحضارة في الغرب لا يرتبطان بأي جوهر!

 

بخلاف الثقافة في الحضارة الإسلامية التي بتمثلها في ميادين الحياة “تعبر عن روح الدين الإسلامي وإرادة الخالق في خلقه، (هنا تكون الثقافة الإسلامية هي الروح الساري، ومركب التفاعل، وأساس البناء الذي تقوم عليه الحضارة)”.

 

وهذا فرق كبير جدا بين الحضارتين يفرقهما بشكل مطلق ولا يدع منفذا للالتقاء أو التشارك.

 

إن الطريق الثالث الذي تحدث عنه صاحب مقال (…) لم يتحقق عبر التاريخ ولن يتحقق في المستقبل  فجدلية التشاركية ممكنة فيما هو قابل للإنتاج والاستهلاك وليس في مفاهيم تختلف معانيها كل الاختلاف عند كل طرف.

 

المقدس عند المجتمع الحضاري المسلم واحد ولا تسامح ـــ إذا كان التسامح يقصد به الاعتراف والإيمان، وإلا فالتسامح المتمثل في قوله تعالى:”لكم دينكم ولي دين” مطلوب من الحضارة الإسلامية ـــ. مع أي معتقد آخر مقدس لغيره.

 

يبقى السؤال  المطروح: ما هو الطريق؟ ويكون الجواب: الطريق هو طريق الحضارة الإسلامية الخالصة دون اقتباس أو تماه مع أي حضارة مبنية على أسس مغايرة لها.

 

فمنذ أول نبي مرسل لا وجود لطريق ثالث ولا رابع غير طريق يجعل من الإسلام بدايته ومنتهاه.

 

ولا ينبغي للفهم أن يصير إلى اعتقاد بانكفاء الحضارة الإسلامية وانغلاقها على ذاتها ، بل من مميزاتها الانفتاح وقبول الرأي المخالف على مستوى النقاش والتعايش دون دنية أو تماه.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

1 ـــ الإسلام بين الشرق والغرب. علي عزت بيجوفيتش.

 

2 ـــ طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. عبد الرحمن الكواكبي.

 

3 ـــ ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين. أبو الحسن الندوي.

 

4 ـــ عرض لكتاب الثقافة والحضارة مقاربة بين الفكرين الغربي والإسلامي. فؤاد السعيد ــ فوزي خليل.

 

5 ـــ نقلا عن كتاب الثقافة والحضارة مقاربة بين الفكرين الغربي والإسلامي.

 

ــــ ويراجع للاستزادة:

 

أ ــ الإسلام بين العلم والمدنية. محمد عبده.

 

ب ــ السياقات التاريخية لنشوء العلمانية: محاضرة صوتية. محمد عمارة.

 

 

 

   

 


http://feker.net/ar/2012/07/01/11524/ 

مقال نشرته بموقع مؤسسة يقظة فكر


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق