]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الصراع بين صورتين

بواسطة: محمد أكروح  |  بتاريخ: 2012-12-28 ، الوقت: 14:32:11
  • تقييم المقالة:

 

الصراع بين صورتين

 

        في إطار تتبعي لمجريات ما يحدث في مصر من صراع قائم عن محتَّمات نتجت عن الثورة، بين طرفين أحدهما يمثل السلطة المنتخبة من الشعب والآخر يسمى بالمعارضة التي تحمي أهداف الثورة، لاحظت الكم الكبير من الجماهير التي تناصر الطرفين، ومع تنوع الأهداف بين حماية الثورة وتمثيل إرادة الشعب وحفظ المصالح... ، نجد ما يثير الاهتمامَ، القدرة الكبيرة على حشد الجماهير المؤيدة.

        إن هذا يطرح سؤالا محيرا وهو كيف يستطيع طرفا صراع ما استقطاب الأنصار؟ وهل يكون الصراع دائما مدمرا أم أن هناك لحظات صراع تبني الوعي وتبدي المخفي وراء الصورة؟

        لا شك أن وسائل التواصل تلعب دورا كبيرا في إيصال الرسائل المعبرة والمؤثرة وخاصة عندما يكون المتلقي أميا أو قليل البضاعة في فهم جوهر الأعراض التي تمارس عليه كل يوم.

        الخطاب: يعد الخطاب وسيلة التواصل الأولى التي يستعملها الجميع، لكن ثمة قلة قليلة تجيد استخدام الخطاب بحسب الزمان والمكان والظروف المناسبة، إن من يملك آلية الخطاب الذكي يملك حقا زمام المبادرة دائما، ولا يتأثر كثيرا بمفاجآت الظروف التي غالبا ما تكون مؤثرة. لهذا نجد في مثل حالة مصر مثلا أن هذه الآلية تستعمل كثيرا في الصراع القائم، فكلا الطرفين يستعملانه وفق ما يتطلبه الظرف القائم، وهو ما يؤثر في تقدم هذا الطرف أو ذاك. وللخطاب وسائل كثيرة لا تدعو الحاجة لذكرها كلها، بل يكفينا أن نذكر الإعلام بشتى أنواعه.

        المال والمصالح: وفي مجتمع نسبة الفقر فيه مرتفعة جدا يصبح المال ورقة رئيسية في الاستقطاب، فقطيع كبير من العامة مستعد لتلبية رغبات سياسية لا يعرف عنها سوى أنها لقمة عيش. وكم مرت من أحداث وصراعات حسم المال فيها النتيجة لصالح طرف على حساب آخر، لكن بالمقارنة الشاملة نجد أن المال وسيلة يبقى تأثيرها محدودا في دائرة ضيقة لا تتجاوز دائرة الخطاب أو الميراث والتجربة التي مر منها مجتمع ما مثل حالة مصر.

        فمصر مجتمع شهد ثورة على نظام مستبد، ونفسية المجتمع الثائر لا تسمح له بمتابعة ما يحدث فقط، بل تدفعه فطرته إلى المشاركة في وضع الأساسات الكبرى التي يرتضيها والتي تدفع عنه رجوع تجربة الاستبداد.

        إن ما ذكرناه فوق، يبقى دائما مرهونا بوجود قيادة سياسية وثقافية في مستوى فهم واقع المجتمع وظروفه لكي تحسن استخدام تلك الوسائل، وذلك من كلا طرفي الصراع سواءً.

        فلا يمكن الجزم في غالب الأحيان بالصواب المطلق لطرف والخطأ المطلق لطرف آخر، فالنسبية هي القاعدة التي تحكم الصراع دائما. وإن كان البعض مشغولا فقط بالبحث عن صواب هذا الطرف وخطأ الطرف الآخر فهذا لا يمنع من القول أن أجواء الصراع بكل ما فيها من مساوئ لا يجب أن تحجب عنا حقيقة أن الأمور تتضح أكثر كلما طال أمد الصراع كيفما كان نوعه، وبالتالي بناء خلفية فكرية مجتمعية جديدة تأسس لما يسمى بالوعي الجماعي الذي ينظر إلى الأمور بنوع من العمق والتحليل، فالمجتمع أو الإنسان ــ بمعناه الاجتماعي وليس بمعناه التجمعي ـــ على حسب ما ذهب إليه ندره اليازجي في كتابه الفلسفي "الأعمال الكاملة ـــ يكتسب وعيه من لاوعيه الذي عاشه ومر به من قبل.

        وخلاصة الفكرة التي يجب استيعابها، هو أن نموذج الصراع المصري القائم دليل على أن الخطأ والصواب يقدره المجتمع عن طريق اكتساب آلية التفكير المبني على الخلفية الفكرية المتجذرة في أصوله، وإن كانت الصورة تبدي غير ذلك. 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق