]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أيام من العمر . . . . ضاعت ! !

بواسطة: عطر الوداد  |  بتاريخ: 2012-12-28 ، الوقت: 06:04:57
  • تقييم المقالة:

إنها أمل . . تلك الفتاة الجميلة ، التى تبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً ، من أسرة ريفية فى إحدى قرى صعيد مصر ، أسرة متوسطة الحال ، ورب الأسرة كان يعمل موظفاً بسيطاً فى إحدى المصالح الحكومية ، والأم ربة منزل ، ولها ثلاث شقيقات وأخ وحيد . . كانت أمل فى السنة النهائية من التعليم الفنى التجارى المتوسط ( دبلوم تجارى ) ، وكانت تتمتع بدرجة من الجمال والرشاقة فى حركتها وسكنتها ، والأناقة فى الملبس وحسن الهندام ، وكانت جميع الأنظار تتابعها بالإعجاب ، بما فى ذلك زميلاتها فى المدرسة ، وكل شباب القرية التى تقطن بها ، وكانت هى تدرك ذلك الأمر جيداً ، وتعمد بدورها إلى المغالاة فى تأنقها ورشاقتها .

وذات يوم من الأيام . . فى آخر أيام الإمتحانات فى العام الدراسى الأخير لها ، عادت أمل إلى البيت ، فوجدت فى إنتظارها خالتها التى تقطن بأحد أحياء القاهرة ، وقد أتت إليهم فى زيارة مفاجئة ، لم تخبرهم عنها قبل المجئ ، ولم تكن شقيقتها – أم أمل – تعلم من أمرها شيئاً .
وبعد أن تناول الجميع طعام الغداء ، وجلسوا سوياً يتبادلون أطراف الحديث ، فاجأتهم الخالة بطلب لم يتوقعه أى من الجالسين ، ألا وهو طلب خطبة أمل لإبنها حاتم ، الذى كان قد سافر للعمل مدرساً بالمملكة العربية السعودية منذ حوالى خمس سنوات ، وكان يكبر أمل فى العمر بحوالى إثنى عشر عاماً تقريباً . . كان وقع المفاجأة سعيداً على جميع أفراد الأسرة ، إذ وجدوا فيه ذلك الخطيب المناسب ، والزوج المثالى للإبنة أمل . . لا سيما وأنهم وجدوها فرصة سانحة لرد الجميل إلى الخالة التى طالماً ساندت الأسرة فى العديد من الأزمات المالية المتتالية التى كانت تعانى منها الأسرة من فترة إلى أخرى ، وكانت بالنسبة إليهم طوق النجاة ، فى أكثر من موقف ، وأكثر من أزمة طارئة .

أما أمل . . فلم تكن تدرى شيئاً عن حاتم – ذلك الخطيب الذى تقدم لخطبتها – سوى أنه إبن خالتها ، القريبة جداً من الأسرة ، فهى لم تكن قد تعرفت إليه من قبل ، ولم تحادثه أو تتعامل معه قط ، فكان بالنسبة إليها مجرد عريس ، نال الرضا والقبول من كل أفراد الأسرة ، بعد أن أخبرتهم الخالة بأنه عقب إنتهاء عمله بالخارج سوف يقيم بمنزل العائلة فى القاهرة مع أمه وخالاته الأخريات ، فالحياة فى القاهرة ، عاصمة البلاد ، كلها إنطلاق وحرية ، ورحلات ونزهة ، بعكس الصعيد ، الذى هو فى كل الأحوال ، مجتمع مغلق على من فيه ، زاخر بالعديد من القيود والأغلال التى تحد من حركة الناس ، ولا سيما النساء منهم .

لم تعترض أمل على إتمام الخطبة من إبن خالتها على الفور ، ثم كان الزواج بعد أيام قليلة ، بسبب قرب إنتهاء إجازة حاتم ، وعودته إلى عمله بالسعودية . . لم ينقض سوى أسبوعان فقط ، وكان قد حل موعد سفر حاتم ، تاركاً أمل وحدها فى القاهرة ، حيث بيت العائلة الذى تعيش فيه خالاتها وباقى أفراد الأسرة . . ومع سفر الزوج حاتم ، بدأت رحلة أمل مع المعاناة والألم ، من الإحساس بالوحدة ، وإنغلاق الحياة فى وجهها ، بعد أن كانت تمنى نفسها ، بالحياة المرحة السعيدة بالقاهرة ، برفقة زوجها ، والإستمتاع بما لا تستمتع به صديقاتها وقريناتها فى قريتها بالصعيد ، ولكنها لم تكن تعلم ما تخبئه لها الأيام .

حاولت أمل بعد سفر زوجها ، أن تعود إلى قريتها بالصعيد للحياة هناك بين أهلها وأخواتها ، لحين عودته فى إجازته السنوية ، إلا أن طلبها قوبل بالرفض القاطع ، بسبب عادات الصعيد ، التى كانت تحظر على الزوجة العودة إلى بيت أهلها ، إلا بعد أن تنجب أول أطفالها ، وإلا فلا عودة حتى يحدث ذلك . . وإزاء ذلك الأمر ، لم يكن أمام أمل بد من البقاء مع خالاتها بالقاهرة ، وكانت كل أيامها تمر على نسق واحد لا يتبدل ، ووتيرة واحدة لا تتغير ، تصحو من نومها كل يوم قبل الظهر ، ثم تنتقل إلى حيث شقة خالتها فى ذات المنزل ، فتتناول طعام الإفطار معها ، وتقوم بأداء بعض الأعمال المنزلية المعتادة . . أما فى المساء ، فتصعد إلى شقتها ، حيث تجلس وحيدة ، أمام شاشة التلفاز ، تتابع بعض الأفلام والمسلسلات ، حتى يحين موعد النوم ، وبذلك ينقضى اليوم ، ليعقبه يوم ثانى وثالث ورابع ، وهكذا دواليك ، تمر الأيام ، ولا يفترق يوماً عن سابقه ولا عن لاحقه . . فكل الأيام صارت لها نفس المذاق ، بذات اللون ، وذات الرائحة . . وبدأ الملل يتسلل إلى نفس أمل ، وبدأت حالتها النفسية والجسدية تسوء من جراء ذلك الأمر .

إنقضى العام الأول . . وسار الزواج على ذات النحو ، وعاد حاتم من السفر ، فى إجازته السنوية ، ولم تكن فترة الإجازة أفضل حالاً من سابق الأيام . . تباعدت المسافات بين أمل وزوجها ، بعد أن إعتاد على السهر يومياً مع أصدقائه ، حتى وقت متأخر من الليل . . وإنقضت أيام الأجازة ، وحان وقت سفر حاتم إلى عمله مرة أخرى ، وعندئذ طلبت أمل من زوجها الخروج من البيت للعمل ، وقتل الفراغ والملل ، وتحسن حالتها النفسية سيما وأنهما لم يرزقا بعد بأولاد .
عرضت أمل أن تعمل بالمحل الخاص بالأسرة مع والده ، الذى كان يشاركه فيه أحد الجيران ، وإختارت أمل أن تعمل بالمحل فترة الصباح ، على أن تعود إلى بيتها فى المساء ، وبذلك تقلل من فترات الفراغ ، وقد كان لها ما أرادت ووافق الزوج .

ولكن . . بمرور الأيام . . إتسعت الهوة بين أمل وزوجها ، وقد ساعد على ذلك ، أنها تعرفت على عاطف ، ذلك الشاب الوسيم ، إبن شريك الأسرة فى المحل الذى تعمل به أمل . . إرتاحت أمل إليه ، ومال عاطف إليها ، وبدأ التقارب بينهما رويداً رويداً ، حتى تعلق كلاهما بالآخر ، وصارا لا يفترقان يوماً أبداً . . وجدت أمل لدى عاطف كل ما كانت تبحث عنه ولم تجده فى زواجها من إبن خالتها حاتم ، وجدت الحب والحنان والإهتمام ، وجدت الدفء والراحة والهناء . . إرتبط كلاهما بالآخر إرتباطاً وثيقاً ، وصار كلاهما للآخر هو الملجأ والملاذ ، والحب والغرام


لم تمض شهور قليلة على سفر حاتم إلى عمله ، حتى أرسلت له أمل تطلب عودته على عجل ، لأمر هام وضرورى . . حاول حاتم إرجاء طلبها حتى عودته فى إجازته السنوية ، ولكنها أصرت وألحت على سرعة العودة . . وبالفعل إستجاب حاتم لطلبها ، وعاد من سفره فى إجازة قصيرة عدة أيام ، كى يستوضح من أمل عن سر إصرارها وإلحاحها على عودته سريعاً هكذا . . فاجأته أمل بطلب الإنفصال ، وأوضحت له ما وصل إليه سوء الحال فى العلاقة بينهما ، وأن تلك الحياة التى تعيشها معه ، ما كانت هى ذات الحياة التى تحلم بها قبل الزواج . . فى بادئ الأمر ، رفض حاتم طلبها بالإنفصال ، ولكنها تمسكت وهددت بالإنتحار ، إن لم يقع بينهما الطلاق . . فما كان من أمر حاتم إلا أن إستجاب لطلبها وأوقع الطلاق ، فهى إبنة خالته ولا يريد للقرابة أن تنهار ، وتركها لتعود إلى بيت أهلها ، وغادر هو عائداً إلى عمله خارج البلاد ، وبعد وقوع الطلاق . . وبمجرد إنقضاء فترة العدة ، تقدم عاطف لخطبة أمل ، وتمت الخطبة ،وكان لهما ما أرادا .

وذات مساء . . جلست أمل فى حجرتها وحدها ، تستعيد ذكريات الماضى القريب ، وتسترجع أيام مضت ، عاشتها فى وحدة ومعاناة وألم ، دون أن تحياها مرحة وسعيدة ، ودون أن تنعم فيها بالود والحب اللذان كثيراً ما حلمت بهما قبل الزواج من إبن خالتها . . جلست لتستعيد كل ذلك وتسترجعه ، يوماً بيوم ، وساعة بساعة . . . وبدون أن تدرى . . تساقطت الدموع من عينى أمل ، وإنحدرت على وجنتيها ، فإمتدت يدها لتجفف دموعها . . دموع الندم على قرار إتخذته بالزواج من إبن خالتها على عجل ، ودموع الحسرة على ما فاتها من أيام حلوة وليالى هنيئة على مدى شهور مضت . . أيام من العمر إنقضت . . وعلى الفور نهضت أمل واقفة ، إتجهت نحو نافذة غرفتها ، وأرسلت بصرها نحو السماء ، وهى تردد وتقول : الحمد لله . . الحمد لله . . قدر الله وما شاء فعل . . قدر الله وما شاء فعل . وإلى مقال آخر إن شاء الله . . بقلم / عطر الوداد .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • | 2012-12-28
    أستاذة (عطر الوداد): قصة جميلة و نهاية رائعة حتى و إن كانت بعد معاناة لكنها حصلت على ما تريد في النهاية...........ننتظر المزيد..........
  • د. وحيد الفخرانى | 2012-12-28
    الصديقة العزيزة / عطر الوداد . . جميلة هى قصتكِ ، وبديع هو أسلوبك ، وأصيلة هى فكرتكِ ، ورصين هو تعبيركِ ، وقوى هو ترابط أفكاركِ ، وسخى هو خيالكِ ، وزاخر بالجمال بيانكِ . . طبتِ لنا وطاب مقامكِ ، ودنوتِ منا بقدر ودادكِ ، وظللتِ منا قرب الفؤاد ، وعشتِ لنا بطول الحياة . . مع دعواتى لكِ بدوام التوفيق وتمام النجاح ، يا وردة ندية فى بستان الكتاب . . مودتى لكِ وتحيتى وخالص تقديرى .

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق