]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اطروحة ( العدول في القران الكريم ، دراسة اسلوبية ) دراسة منهجية نقدية

بواسطة: Steel Princess FarahAlfadly  |  بتاريخ: 2011-08-25 ، الوقت: 18:52:46
  • تقييم المقالة:

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

جامعة الكوفة / كلية التربية للبنات

الدراسات العليا / ماجستير

 

                                                    أطروحة

 

                     (  العدول في القرآن الكريم على وفق نظرية التلقي ، دراسة أسلوبية )

 

                                           قراءة منهجية وتقويمية

 

 

 

                                                 إعداد الطالبة

 

                                          فرح باقر أحمد الفاضلي

 

 

1432هـ                                                                                               2011م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإهــــــــــــــــــــــــــــــداء

 

 

 

 

إلى من خلقني الله من نفسه ... ...

فربطتني به مودةٌ ورحمة ... ...

إلى من تحمل من أجلي صّعابَا .. ...

فلازم الصّبرَ طويلا ... ...

هذا جهدٌ ، وإن كان زهيدا ؛

أهديك نصفه ؛ لأن نصفه الآخر.. ..

 ملكك أصلاً ، هبه من تشاء ..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فرح

 

  

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقدِّمة

 

          الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين ، وعلى آله  وصحبه الهُداة المطهّرين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين .  و بعد :  

فقد وقع الاختيار ، على نموذجٍ من الدراسات التي نوقشت في جامعة البصرة ، و لم يكن اختيار الرسالة عشوائياً ، بل اعتمدتُ في انتقائها على معيارين : أوّلهما : غزارة المادة في فصول الأطروحة . والثاني : الآراء التي أثيرت في هذه الفصول وجهد الباحثة في عرضها ومناقشتها .

وقد اتّبعتُ في دراستي هذه منهجاً عمادُهُ الوصف والتقويم ؛ فجاء البحث موسوما بـ : أطروحة  : " العدول في القرآن الكريم على وفق نظرية التلقي ، دراسة أسلوبية " دراسة منهجية تقويمية .  متخذا الأطروحة ميداناً في التعرف على مستويات الباحثين ، ومُنطلقاً منه للنفاذ إلى اعتماد المنهج العلمي ؛ إذ هي خطوة لابُدّ منها لتبيّن جهد الباحث في مجال تخصصه ، وهل ثمّة ما أضافه على مَنْ تقّدمه ؟ أو كان نقطة بداية لمن جاء بعده . و حاولت الابتعاد عن التكلّف والتعسّف اللذين قد يصاحبان مثل هذه الدراسات لغةً وأسلوباً وطريقةَ عرضٍ ومناقشةً للآراء وقراءةً للأفكار.

قسمت الدراسة على مطلبين : انصب المطلب الأول على عرض الأطروحة ومنهجيتها في توزيع المادة على الفصول ، فالمباحث ، اعتمد البحث في ذلك منهجا وصفيا ، حاولت  قدر استطاعتي توخي الدقة والإيجاز في آن واحد ، فضلا عن الاستشهاد ببعض الأمثلة  التي توقفت عندها الباحثة في فصول بحثها .

         أما المطلب الثاني  فقُسم على محورين : الأول يتعلق بتقويم الأطروحة بوجه عام ؛ والثاني يتعلق بتقويم الأطروحة من حيث أجزائها . هذا المطلب : خلاصة جهدي وما خرج به البحث ، من خلال القراءة النقدية لسطور الرسالة وفصولها ، فتارة وقفت مع الباحثة - غالبا - وتارة أناقش آراءها ، وقد أعارضها في أحيان أخرى ، ففي قراءة السطور تجلت  لغة الباحثة و أسلوبها ، أما في الفصول فتكمن قدرة الباحثة على الربط   بين الفقر والجمع بين  المصادر المتنوعة ، والتقسيم بوضع كل مفردة من مفردات البحث في مكانها المناسب بين الفصول ، فضلا عن النظر إلى النتائج التي خرجت بها الباحثة ؛ ولست في كل ذلك ممّن يدعون  رجاحة الرأي ، أو الفكر النقدي العميق ، فلست إلاّ طالب علم ، ما زال يتعلم من الآخرين ؛ فيسير على خطاهم عند الصواب ، ويعدل إلى خطىً أخرى إن تبين له خلاف ذلك .

          لم أعد في كتابة هذا الصفحات إل كثير من المصادر ؛ إذ استندت إلى ما تعلمته في سني الدراسة ؛ عدا الرجوع لبعض المصادر لأتثبت من صحة ما ذكرته الباحثة  .   

وأخيراً أشكر أستاذي  الدكتور سيروان ؛  فلم يُقصِّر بنُّصح أو توجيه ؛ وإتاحته الوقت الكافي لكتابة هذا البحث . وختاما فهذا جهد المقل ، أضعه أمامكم ، فما جانب منه الصواب ، فهو فضل من الله يؤتيه من يشاء ، وما جاء منه من هنات وتقصير ، فمني لقصور في الهمة ، ولقلة الخبرة ، وحسبي في ذلك أني بشر أخطئ وأصيب . وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين .                                                        

                                                                                        الباحثة                                      

المطلب الأول : القراءة المنهجية

 

ملخص الأطروحة

 

        عنوان الدراسة (ظاهرة العدول في القرآن الكريم على وفق نظريَّة التلقِّي ، دراسة أسلوبية) حاولت أن توضح شيئاَ من بيان التعبير القرآني وإعجازه الذي يمثِّل النموذج الأعلى في اللُّغة العربية ، فقسمت الباحثة دراستها على أربعة فصول يسبقها تمهيد وتعقبها خاتمة  ، كل فصل يحتوي مبحثين .

 تناولت الدِّراسة في التّمهيد : أوليَّات نظرية التلقِّي وارتباطها بالأسلوبية فشرحت مفهومه اللُّغوي والاصطلاحي وأوليَّات الدِّراسة وأثر المتلقِّي ، ووجوب معرفة أحواله النَّفسيَّة والاجتماعية وربطها بمقتضى المقام وداعية الحال ، ثم توجيهه للنَّص على وفق تراكمه الثَّقافي والمعرفي ومعطيات عصره وأعطت بعض الأمثلة التي تؤكد أن فهم المتلقي لآي القرآن الكريم يختلف من عصر لآخر ، و أثبتت من خلالها أن النص القرآني يتلاءم مع معطيات كل عصر منها : قوله تعالى: (لَقَدْ أرسلنا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَـاتِ وأنزلنا مَعَهُمُ الْكِتَـابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ الناسُبِالْقِسْطِ وأنزلنا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنصرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّاللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحديد:25) علماء علوم الأرض اليوم اكتشفوا إعجازاً علمياً جيولوجياً في هذه الآية. ففي الإنزال إيماءة بالنزول بقوة وثقل ، كما فيها إشارة إلى  أن الحديد أنزل إلى  الأرض من عل، فهو ليس منها وأنزلنا أي قدَّرنا وخلقنا لكم وأنعمنا به عليكم . وأثبت العلم الحديث-علم الأرض- أن الحديد أنزل إنزالاً فهو لا يخلق إلا في نجوم بعينها خاصَّة وحرارة خاصَّة ليست موجودة في نجوم كوكبنا وعندما أنزل أدت كثافته العالية إلى  قوة اختراقه الأرض فإذا كانت كتلة الأرض تزن ستة آلاف مليون طن فإنَّ الحديد يعادل سدسها فهو عنصر فريد لم تسم سورة بعنصر آخر سوى سورة الحديد ([1]).

وقوله تعالى : (وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً*وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً) (النبأ8:7) (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا) (النازعـات:32) . أثبت العلم أن الجبال ليست ما فوق الأرض فقط بل لها امتداد داخل الأرض يتراوح (من عشرة إلى  خمسة عشر ضعفاً) مما هو على سطح الأرض . ولفظة الأوتاد هي أجمل ما يعبر به عن الجبال وأكَّد العلم أن ذلك يرسي الأرض (الجبال أرساها) الضَّمير يعود على الأرض أي أرساها بالجبال فهي تدور حول محورها، حول الشَّمس وتهتز في دورانها ، هذا الاهتزاز لولا الجبال لجعل من الأرض ، أرضاً غير صالحة للحياة بسبب فقدان التَّوازن، لكن الجبال جعلت من الكتلة الأرضيَّة كتلة متزنة    ([2])  وكلَّما تطوَّر العلم وتقدَّم يثبت الكثير من الإعجاز الَّذي أشير إليه مجملاً في القرآنالكريم .

       وفي قوله تعالى: (وَالأرْضِ ذَاتِ الصَّدع) (الطّارق:12) قالت الباحثة : استهلت السُّورة بالقسم وجاءت حبلىبالآيات الكونيَّة، لذلك كان للقسم وظيفة لتنبيه المتلقِّي على ما جاء به القسم من أمر مهم . وفسَّر الأقدمون الصَّدع : الشِّق "ذات الصَّدع" ذات النّبات لتصدُّعها وانشقاقها عنه، وأصل الصَّدع الشِّق وأطلق على النَّبات مجازاً ، وزاد علماء العصر الحديث المعنى معنىً أكثر عمقاً فتوصَّلوا إلى  أن الصُدوع تشقق الأرض ، والأرض  بها مواد متفجِّرة، لولا الصُدوع لتفجَّرت الأرض. لذلك يسميها العلماء صمَّامات أمان الأرض هذه ، الصُدوع تمزِّق الأرض حتَّى منطقة الضَّعف الأرضي ويتراوح عمقها من خمسة وستين إلى  مائة وخمسين (من الكيلومترات) ([3]).  وحاولت الباحثة إلى حد ما أن تبيّن الصِّلة بين  نظريَّة التلقِّي و البلاغة والأسلوبيَّة والعدول ثم عرجت إلى شرح مفهوم العدول وتعدد الألفاظ الدالة عليه . وخلصت إلى أن العدول في القرآن الكريم مظهرٌ أسلوبيٌ  يتحقق في المنثور والمنظوم من القول، ويرتبط بالتَّجدد والتَّفرُّد ومن ثم الإبداع بالخروج عن المألوف والمعروف ضمن معايير بعينها . مشيرة إلى مناهج القدامى والمحدثين من علماء العربية والعلماء الغربيين ، فتحدثت بإيجاز عن إدراك العلماء العرب القدماء العلاقة بين اللفظ والمعنى ومنهم الجاحظ (255 هـ)،  وعبد القاهر الجرجاني (474هـ) ، وسِبقهم في الإشارة إلى ظاهرة العدول .

  أعقب التَّمهيد ، الفصل الأوَّل تحت عنوان : العدول الصَّوتي .  وشمل مبحثين، درس  الأول : العدول الصَّوتي ونظريَّة التلقِّي وتناولت الباحثة فيه : المقاطع الصوتية والعدول، والعدول الصَّوتي والمحاكاتي (الأنوماتوبيا) ، والعدول الصَّوتي ، والتِّكرار والصَّوت وإيحاء المعنى والعدول في بنية اللَّفظ على وفق السِّياق بحذف الصَّوت وذكره ، وبالإدغام وفكَّه ، وبإبدال صَّوتٍ بآخر .

وجاء المبحث الثَّاني : العدول الصوتي والفاصلة : دارساً عدول الفاصلة ، مؤكدة أن اللغة العربية لا يمكن فهم نحوها وصرفها فهماً صحيحاً إلا بدراسة الأصوات فتناولت المعاني الوظيفية التي يؤديها الصوت من ناحية المقاطع الصَّوتيِّة ، والانوماتوبيا ، فذكرت ما قاله الباحثون : إنها عملية تجسيد الصوت للمعنى فيكون الشكل بذاته دالاً على مضمونه أو تسمية الأشياء بحكاية أصواتها ، كالقهقهة للإنسان ، والصهيل للفرس ، والخرير للماء .

ثم أعطت أمثلة قرآنية منها التعبير عن اسم يوم القيامة بـ (الطامة) في سورة ثم العدول عنه إلى (الصاخة) في سورة أخرى ، وغيرها مثل :في قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا ءاتَيْنَاكُمْبِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:63) (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (النِّساء:154) (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا ءاتَيْنَاكُمْبِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأعراف :171) . استدعى سياق التَّهديد وشدته لفظة (الجبل) فعدل إليها عن (الطور) ، والجبل اسم لما طال وعظم من أوتاد الأرضوذلك لا يشترط في الطور ويجئ الجبل في مقام الهول والشّدّة وبيان المقدرة العظيمة وتغاير الاختيار عن الفعل (رفعنا) وعدل إلى اختيار (نتقنا) وتوحي لفظة (النتق بالقوة والعنف والشّدّة لأنَّ المقام يقتضي ذلك فسورة الأعراف ملئت بذكر صفات بنيإسرائيل الذميمة ومعاصيهم ولم يكن ذلك في سورة البقرةفحسب. فجاء كل تعبير في مكانه. وفى نتق الجبل غرابة وقوة وتهديد وفيه من القوة والشّدّة ما ليس في رفعه  وتساوت اللفظتان في الوزن وعدد المقاطع والزمان المتَّصل بحدوثهما وجاء العدول بسبب أصواتها وجرسها لما لها من أثرفي مدلولها وإيحاءاتها. فالألفاظ الَّتي تطلق لم تكن أصواتاً محضة وإنَّما هي أصوات دالة وبينها وبين الموضوع ملاءمة فالمعنى والصوت يرتبطان ارتباطاً لا يقبل التفرقة، ويكون هنالك تأثير للكلمات منظوراًإليها في تفاعلها وتقاليبها وتعاقبها أو ما يعبر به بالانسجام وموسيقى الشِّعر (Rythem)فلا ينظر إلى الأصوات المقطعية ونوعها بل إلى تموجات الأصوات وهذا الانسجامهو أكبر عامل في الإيحاء ([4]) .

ثم تناولت الصَّوت وتكراره ، الصَّوت وإيحاء المعنى، العدول بحذف الصَّوت وذكره وبالإدغام وفكِّه وبإبدال الصَّوت بآخر، والعدول في الفاصلة عن   توقعات المتلقِّي  وتحولات الفاصلة ذات الأثر الصَّوتي ، وتعاورها على السِّياق واتساق النَّغم .

وقد ضربت أمثلة لكل لنوع ، منهاالعدول إلى جمع ما أصله أن يفرد قوله تعالى : (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ) (إبراهيم : 31) عدل عن (خلةالمفردة وهي التي تناسب قياسيا إلى لفظ (خلال) الجمع الذي يتسق مع الفواصل ويتفق معها في البنية الأسلوبية لنماذج الفاصلة التي تنتظم عن طريق خلق مواءمة تعبيرية فبنية الفاصلة هي ركيزة الإيقاع والدلالة  . ثم قالت : إن اختيار لفظة دون أخرى يعتمد على سعة الاستعمال محققة التجانس والتناسق المتكامل وينظر إليها – في ذلك كله– من أحوال التَّخاطب وأفعال الكلام وأوضاعه في التلفظ المؤدي إلى إفهام المتلقِّي في حالاته المخصوصة بتدرج منطقي يمثل الإحساس، لأنَّ الُّلغة معطى من المعطيات الحسية لذلك تشبع إحساس المتلقِّي وتبث أفكار الباث بأنماط مخصوصة من الحدث الكلامي وإيقاعه تنم عن فهم أسلوبيات الإدراك الذهني في عملية التَّواصل بين الباث والمتلقِّي "([5]).

أمَّا الفصل الثَّاني فكان بعنوان : العدول في الصيغ والأساليب والموقعيَّة : بيَّنت الباحثة في المبحث الأوَّل : العدول في الصيغ والبنى التركيبية : الصيغ الفعليَّة ، والصِّيغ الصَّرفية -  المشتقات - قد بينت الباحثة كل ذلك من خلال التطبيق والاستقراء للآيات القرآنية ، من ذلك

"  في قوله –تعالى-(فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) (الطارق:5-6) عدل عن اسم المفعول (مدفوق) إلى اسم الفاعل (دافق) ويفسر ذلك العدول الشَّريف الرَّضي فيقول)) :وعندي وجه آخر، وهو أن هذا الماء لما كان في العاقبة يؤمل أن يخرج منه الإنسان المتصرف والقادر المميز جاز أن يقوى أمره فيوصف بصفة الفاعل لا صفة المفعول تمييزا له عن غيره من المياه المهراقة و المائعات المدفوقة وهذا واضح لمن تأمله)). وهنا يؤكد ويسوّغ مجيء العدول على وفق مقتضيات السِّياق فالماء ليس بماء عادي فهو وسيلة يبدأ بها خلق الإنسان. وثَمَّة دلائل وقيم علميَّة وإعجازية أثبتها العدول فمجيء الوصف للماء بأنَّه دافق يثبت الحياة والحركة فيه، فلفظة دافق تقال لمن يقوم بفعل التدفق ويستطيعه. ولقد أثبت العلم – علم الأجنَّة - أنَّماء الرَّجل فيه حركة وإرادة تَنَقُّل فالحيوانات المنوية تحيا لأكثر من يوم وتتحرك في رحم الأنثى حركة سريعة وقوية لتلتقي بالبويضة. فناسبت اللفظة (دافق) المقام والمنطق العلمي فالماء ليس جماداًبل هو ملئ بالحياة المسوّغة للحركة والتنقل" ([6]).

 وتطرقت للعدول بالمورفيم لبنية الصِّيغة العدديَّة والعدول بمعنى الأدوات عن مستوى إلى آخر وبالأسلوب إلى التَّوكيد على وفق سياق المخاطب وحالته فجاء بيان العدول في أسلوب نداء الأنبياء، وفي طرائق التَّكلم والخطاب والغيبة، والعدول بالخطاب عمَّا يتوقع المتلقِّي ثم العدول في أسلوب حذف الفاعل والمفعول . ومن الأمثلة التي ذكرتها الباحثة للعدول بتبادل المورفيمات في الصيغ للدلالة العددية والنوعية :

 )وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّار إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قلّ اتَّخذتم عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أم تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)(البقرة: 80)(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّار إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)(آل عمران: 24)إن الوصف في سورة البقرة جاء مفرداً وجمعاًفي آل عمران إيجازا وإسهابا فناسب الإفراد الإيجاز كما ناسب الجمع الإسهاب في توافق مع نسق الكلام وحال المتلقِّي وهذا ما يجعل من القرآن الَّذي أنزل على سبعةأحرف احتمال خطابه لعدَّة وجوه، ومعنى ذلك ))أن طبيعة الخطاب القرآني بما هو خطاب لغوي ذو خاصيَّة في التَّركيب والمعنى يفرضان على متلقيه ودارسه نوعاً من القراءة الدَّقيقة المتأنيَّة)).

فالتَّغاير في البنية اللَّفظيَّة للمفردتين حمل معه التَّغاير في دلالتيهما ونشاهد أحياناً في التَّعبيرات القرآنيَّة استعمال المفردة جمعاً دون المفرد وتارة أخرى المفرد دون الجمع في نسق لا يمكن تغييره أو تبديله أوإحلال أحدهما محل الآخر. ونلحظ في لفظ الأرض وروده مفرداًدوما فلم تأت الأرض جمعاً مطلقا وهذا بخلاف(السَّماء) الَّذي جمع على (السَّموات) وفي سياقات يأتي مفردا (السَّماء)ولعلَّ السَّبب في هذا اختيار الأليق للسَّياقات والأخف نطقاً وأوقع جرساً.

وفي (السَّماء) وجمعها (السَّموات) نلحظ انه إذ أريد العدد جاء التَّعبير بصيغة الجمع الدال على سعة العظمة وإذ أريد الجهة كان التَّعبير بصيغة الإفراد (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّموات وَفِي الأرض يَعْلَمُ سرَّكم وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) (الأنعام:3) (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّموات وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الحديد:1) (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّموات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(الحشر:1) (يسبِّح لِلَّهِ مَا فِي السَّموات وَمَا فِي الأرض الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)(الجمعة:1) (يسبِّح لِلَّهِ مَا فِي السَّموات وَمَا فِي الأرض لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كل شَيْءٍ قَدِيرٌ)(التغابن:1)ويعدل التَّعبير القرآني عن الإتيان بجمع (الأرض)(أرضين، أرضون) (اللَّهُ الَّذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَواتٍ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كل شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكل شَيْءٍ عِلْماً)(الطلاق:12) فعدل عن جمع الأرض بتعبير يوحي بعددها المساوي لعدد السموات-ولعل السَّبب في تفادي القرآن لجمعها أن صيغة الجمع منها مستقلة لفظيا كما أن الأرض ((هي دار الدُّنيا التي هي بالإضافة إلى الآخرة شيء قليل، ... ولم يذكر الدُّنيا إلا مقلاً لها ومحقراً لشأنها ولذلك لم تجمع (أرض) إذ الجمع فيه معنى التَّعظيم)).لذلك ترد الأرض مفردة حتَّى لو انتظمت مع السَّموات في سرد وسياق واحد ويرى الرّازي في جمع السَّموات إلى مالها من تأثير في الأرض وأحداث تغيرات فيها ((إن السَّماء جارية مجرى الفاعل والأرض مجرى القابل فلو كانت السَّماء  واحدة لتشابه الأثر وذلك يخل بمصالح هذا العالم، أمَّا لو كانت كثيرة لاختلفت الاتصالات الكوكبية فحصل بسببها الفصول الأربعة وسائر الأحوال المختلفة وحصل بسبب تلك الاختلافات مصالح هذا العالم. أمَّا الأرض فهي قابلة للأثر والقابل الواحد كاف بالقبول)).

يقول تعالى: (مَثَلُ الَّذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كل سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(البقرة:261) (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمَانٍ يَأْكلهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ واخر يابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأَ أفْتُونِي فِي رُءيايإِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ)(يوسف:43)((فالمعدود واحد والعدد واحد ولكن التَّمييز المفسر- جاء مختلفا وذلك بالعدول عن سنابل إلى سنبلات وتفيد سنابل (على وزن فعائل(جمع الكثرة في حين تعبر )سنبلات) عن القلة. ونلحظ أن آية البقرة جاءت في سياقات الكثرة ومضاعفة الأجر مقابل الإنفاق لمن يشاء ومن ثمَّ تناسب جمع الكثرة مع بنية الآية الدلالية أمَّا في سورة يوسف فإنِّما بناؤها على أخبارالملك عن رؤياه سبع سنبلات فلا طريق هنا للحظ كثرة ولا قلة ؛ لأنَّه إخبار برؤيا فوجهه الإتيان من أبنية الجموع بما يناسب المرئي وهو قليل لأنَّ ما دون العشرة قليل فيلحظ في آية البقرة ما يعده ممَّا يتضاعف إليه هذا العدد وليس في آية يوسف ما يلحظ فافترق القصدان وجاء كل على ما يجب ويناسب)). فالنص القرآني يرتبط بوشائج متينة مع المتلقِّي ومن عناصر ضبط فهم الرِّسالة، معرفة المتلقِّي بشفرات وأداة رسالة الباث وإلا لما فهمت ([7]).

أما من أمثلة العدول في أسلوب نداء الأنبياء فقد ذكرت الباحثة مجموعة من النصوص القرآنية ، كان أبرزها :  في الآيات التي خاطب فيها تعالى رسوله – صلَّى الله عليه  وآله  وسلَّم- فلم تأت المناداة (بـ يا محمد)  بل عدل عن هذا النَّمط إلى أسلوبيَّة أخرى (يا أيها النَّبي) ومثال ذلك ، قوله تعالى :

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) (الانفال: 64-65). (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ)(التوبة: الآية73) (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) (الأحزاب:45). (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنّ)(الأحزاب: الآية50). (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الممتحنة:12). (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَـاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التحريم:1). (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التحريم:9).

  ونلحظ التَّغاير بين أساليب التَّخاطب – النِّدائي- وسياقه بين من نودي من الأنبياء – عليهم السَّلام- وبين نداء سيدنا محمَّد – صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - وتعدَّدت تبعاً لذلك مستويات الخطاب على وفق تعدد السِّياق الخارجي وأحوال المخاطبين . 

كان النِّداء بالأداة (يا) متلوَّة باسم النَّبي المخاطب ولكن عدل عن هذا النَّمط إلى آخر في خطاب محمَّد- صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - ومناداته وهو (يأيها النَّبي) وفي ذلك بصمات اعتمدت على المفاجأة للتأمُّل بفعل دخول المتلقِّي – المنادَى- في حالة من التَّوتُّر تجعله مستعداً للتلقِّي استعداداً ينبع من الدَّهشة وشد الانتباه . ففي (يأيها) النِّداء والتَّنبيه الَّذي أعقب بذكر (النَّبي) وليس اسمه  تميّز وبيان أشار إليه وروده المتكرِّر ممَّا جعل له خصوصيَّة .

وفي الآيات السَّابقة في النِّداء لم يخاطب الرَّسول - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم -  إلا بلفظ النّبوة والرِّسالة وفي ذلك تعظيم لشأنه وتفخيم لأمره ومقامه. وثَمَّة دلالات يقدمها هذا الأسلوب منها تعليم الأمَّة بالأدب في حضرة المصطفى -عليه الصَّلاة والسَّلام- وذكره مع الإجلال فلا يدعوه دعاء بعضهم بعضا ، ولا يرفعوا أصواتهم عنده إلى غير ذلك من ملامح التَّأدب معه وإكرامه فهو خاتم النَّبيين والمرسلين وسيِّد الأولين والآخرين وإمامهم .  فكان مفتتح آيات مناداة النَّبي – صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - بمثابة مقدمة تكشف عمَّا كانت تمهيداً له وتشويقاً، والمفاجآت كذلك مصدر من مصادر التَّشويق في الأسلوب القرآني فهي تتخلَّل السَّرد القصصي للأحداث فتثير الشَّوق في نفس المتلقِّي ليتابع الأحداث ويتجدَّد نشاطه وتزيد حدة الانفعال . ويطلقون على إثارة الاهتمام بأول كلمة – في اللُّغة الانجليزيَّة - تعبيراً خاصَّاً هو The first striking، ومعناها الحرفي : الضَّربة الأولى : ويقرِّر النُّقاد أنَّها  أعظم أنواع التَّشويق في الفن القصصي بل من أصعب ألوان التشويق ([8]).

ثم تناول المبحث الثَّاني : العدول في الموقع والرتبة فسلط الضوء على مسألتين : 

    التَّقديم والتّأخير وفق منطق العلم ؛ لأنَّ التَّركيب اللُّغوي يقوم على الترتيب المنطقي للألفاظ مراعياً العلائق بين الألفاظ بما يجاورها فتتحرك الألفاظ جار ومجرور، ظرف ، مسند، ومسند إليه. وشرح العدول في الرتبة حسب السِّياق لإفادة التَّوكيد، والاختصاص .

ومن التَّرتيب المنطقي العلمي قوله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) (المؤمنون: 12-16) . ففي هذا التَّرتيب إعجاز علمي - طبي- لما يتناول من العلوم الطبية : أصل الإنسان وعلم الأجنة ، مراحل النَّمو وعلم طب النِّساء والأطفال وطب الشيخوخة ويتدرج السَّرد بتدرج أطوار خلق الإنسان ثمَّ موته، ثمَّ البعث يوم القيامة فكل دورة وجود الإنسان, حيا وميتاً حتَّى يوم النشور . وهذا كلام شديد الإعجاز والدقة، لأنَّ الذّكر هو الَّذي يحتوي على نوعين من الكروموسومات" (x,y)  والأنثى تحمل "كروموسوم (X)– بصفة دائمة. فإذا كان من الرَّجل (Y)يكون المولود ذكراً وإذا كان (×) أضيف لكرموزوم الأنثى وهو (×) فيكون المولود أنثى. وهذا الاكتشاف يؤكد قوله تعالى المعجز (الزوجين الذّكر والأنثى) فالرجل مسؤول عن تحديد نوع الإنجاب ذكراً كان أم أنثى لأنَّه هو الَّذي يحمل النوعين من الكروموسومات (x,y)فإذا تغلب واحد على الآخر واتحد مع كروموسوم الأنثى الثابت (×) تحدد بذلك نوع الجنين ([9]). 

 

وفي الآيات قدَّم الذّكر على الأنثى لقوامة الذّكر حتَّى في الكروموسومات الَّتي تمنى وأعقب ذلك قوله تعالى (وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى) (النجم:47). ففيها إجمال لما فصل في آيات (المؤمنون) وتشير الآية ضمناً لأطوار التكوين ومراحله ثمَّ موت الإنسان ثمَّ بعثه (النَّشْأَةَ الأُخْرَى). فقد قرر علم الأجنة أن مناطق تكوين العظام تبدأ في الطَّبقة الوسطى من خلايا المضغة وفي هذه المضغة أيضاً يظهر (ميزاب) يتكون منه العمود الفقري ثمَّ بعد ذلك نرى العظام وقد بدأ يكسوها هذا اللحم الَّذي يتكون بصورة سريعة نتيجة للانقسام المتوالي وتتكاثر خلاياه في أزمنة قصيرة نسبياً إذا ما قيست بأيةفترة من فترات نمو الجنين . وأول علاقة على وجود عضلات الأطراف تظهر في الأسبوع السَّابع نتيجة لتكثف خلايا غير متمايزة في قاعدة برعم الطرف العلوي والسفلي. وفي الجنين فإن مصدر هذه الخلايا هو الخلايا المتوسطة (الميزودرمية) الآتية من الكتل البدنية الَّتي تهاجر منها إلى براعم الأطراف ويتضح من هذا أن تكون العظام يسبق تكون العضلات، ثمَّ تكسو العضلات العظام. فوافق العدول في التَّرتيب والتدرج للألفاظ،الإعجاز القرآني في حقيقة النشأة للإنسان([10]).

 

        و من أمثلة التقديم على وفق سياق الاختصاص :

  يقول تعالى (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا)(هود: الآية62). كانت لسيدنا صالح -عليه السَّلام- مكانة بين قومه ومقدماً عليهم يعقدون عليه آمالهم لما يتصف به من رجاحة العقل ونفاذ الرأي ونبل الأخلاق والمقام هنا مقام رفض لدعوة صالح -عليه السَّلام-؛ لذلك عدلوا إلى تقديم الجار والمجرور (فينا) ليظهروا عزتهم بأنفسهم واعتدادهم بمكانتهم ويسلبونه مكانته الَّتي كان يحظى بها وسبقت هذه الآية بقوله –تعالى-(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) (هود: 61). فقول صالح -عليه السَّلام- هنا يفيد الاختصاص في مقام الدَّعوة إلى التوحيد وذلك بذكر آلاء الله ومن ثمَّ قدَّم المسند إليه والتَّقديم من أكثر الوسائل الَّتي توضح حالة المخاطَب والمخاطِب الَّتي نلحظها من السِّياق ([11]).

2-  العدول على وفق متطلبات السياق وشمل :

 

    الترتيب وفق الأفضلية . تقول الباحثة في تحليلها لنص من النصوص القرآنية ويجيء التَّقديم لمزية الفضل السَّلبيَّة مثل قوله تعالى (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) (الجاثـية:7) تقدمت لفظة (أَفَّاكٍ) على (أثيم) تفضيلاً سلبياً، ولأن الإفك هو سبب الإثم . ومثله قوله تعالى (مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) (القلم: 12) فالإثم ناتج ومسبب عن الإفك فتقدّمت لفظة (معتد) لمزية الفضل السَّلبيَّة . ويقول تعالى (فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً) (يونس: 59). جاء التَّقديم للفظة (حراما) توافقاً للمقام ومقتضى السِّياق المشحون بالتشنيع. ويقول تعالى (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً)(النور: 3)، نلحظ في هذه الآية تغاير الموقعيَّة والعدول إلى تقديم الزاني بعد أن سبق تأخيره عن الزانية في قوله (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كل وَاحِدٍ مِنْهُمَامِائة جَلْدَةٍ...) (النور:2) . ففي الآية الأولى قدَّم الزانية ثمَّ عدل عن ذلك إلى تقديم الزاني في الآية الأخرى وقد سبقت تلك الآية لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة هي المادة الَّتي منها نشأت الجناية، لأنها لو لم تطمع الرَّجل ولم تومض له ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن فلما كانت أصلاً وأولاً في ذلك بدئ بذكرها، وأما الثَّانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه هو الراغب والخاطب ومنه يبدأ الطَّلب . ونلحظ في هذه الآية تقديم الزانية للتفضيل –السَّلبي-وقد توافقت الآيتان مع السِّياق ومقتضى المقام  ([12]).   الترتيب للأفضلية على وفق مقتضى السياق . واستشهدت بالعديد من النصوص القرآنية ، فعلى سبيل المثال ذكرت الباحثة أن " القرآن الكريم لم يجمع بين السَّمع والبصر إلا قدَّم السَّمع على البصر على وفق أهميته ومزيَّة تفضيله, ولكن عدل عن هذا النَّسق التَّرتيبي إلى تقديم البصر على السَّمع في موضع واحد لا غير وذلك توافقا مع السِّياقإذ يقول تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ ربّهم رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ)(السجدة:12) فكان الأليق في السِّياق تقديم البصر وتأخير السَّمع والمقام في الآية مقام وصف لمشهد من مشاهد يوم القيامة ولعلَّ سرّ العدول عن تقديم السَّمع إلى تأخيره وتقديم البصر هو أنَّ يوم القيامة يوم مرئي مشاهد لا مسموع فيه فجاءت الآية بترتيب توافق مع منطق الواقع، فكان المجرم يسمع عن مشاهد يوم القيامة ولكن عندما مَثُل المشهد أمامه ورآه رأي العيان نكس رأسه وتمنَّى طالبا الرّجوع للدُّنيا تارة أخرى ليعمل صالحاً وندم إذ لا ينفعه النَّدم. ([13])"

أمَّا الفصل الثَّالث : العدول وبناء الأسلوب فقد تناولت الدِّراسة في المبحث الأول : أسلوب التّفصيل والإجمال وتعاورهما . شارحة الملامح الأسلوبيَّة التَّي يضفيها العدول عن أسلوب إلى آخر من إذ التَّفصيل والتَّفسير إلى الإجمال بين السُّور والآي أو في الآية نفسها على وفق مقتضى السِّياق وداعية حال المتلقيِّ ومقامه فيكون العدول  من إجمال إلى تفصيل ومن تفصيل إلى إجمال ومن إجمال في سورة إلى تفصيل في أخرى أو أخريات. وتناول الإجمال في سورة لآية تفصل وتفسر في أخرى أو أخريات. كما شرح العدول عن الإجمال إلى التفصيل في الآية نفسها والعدول إلى الإجمال بعد التفصيل في اتساق مع التماسك النَّصي والعلاقات الرأسيَّة بين السور والآي بحسب اقتضاء المقام .

 يقول تعالى (ثمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شرب الهيم) (الواقعة: 51-55) جاء ذكر شجرة الزقوم وأمرها مجملاً بلا تفسير أو استرسال في الوصف وعدل عن هذا الأسلوب الإجمالي إلىأسلوب تفصيلي في موقع آخر إذ يقول: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ *طَعَامُ الأثيم *َكَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ *كَغَلْيِ الْحَمِيمِ‎*خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إلى سَوَاءِ الْجَحِيمِ* ثمَّ صُبُّوا فَوْقَ رأسه مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ*ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ)   (الدخان: 43-49). وفي هذا التغاير الأسلوبي -التفصيلي- المنزاح إليه عن إجمال خاص بشجرة الزقوم، نلمس دلالات تفيد تنفير المتلـقّي من العمل السيءحتَّى لايكون نصيبه طعام الضالين المكذبين الآثمين.وهذا النَّمط من أساليب القرآن في رسم الصُّور المخيفة المنفرة الَّتي يتخذها مجملاً على العمل الصَّالح والإيمان بعيداً عن الضلال والكفر, فتجيء الأنماط حاملة الترغيب والترهيب على وفق داعية الحال ([14]).

 وكان المبحث الثاني: بناء الأسلوب وتبادل الألفاظ وفيه حاولت الباحثة أن تبين تبادل المورفيمات والأدوات والحروف وأثرها في تحقيق القيم البلاغية.  وفي اختيار وتبادل الألفاظ بيَّن البحث مسوغات الاختيار للفظة دون مرادفها أو ما يماثلها من أجل فوائد بلاغيَّة ، في إحداثها للتغاير الأسلوبي الدلالي المرتبط بتضام الألفاظ وتناسبها مع المقام . أبرزتلك الوقفات التي توقفت عندها الباحثة  :

    في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساَكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (النمل:18) جاء اختيار لفظة (يحطمنَّكم) للنَّمل دون غيرها من الألفاظ الَّتي تؤدي معنى الهلاك والموت ، فاللفظة تناسب ما هو قابل للتكسير من زجاج وغيره وتناول العلماء قديماً معنى اللفظة على وفق سياقها إلى أن ظهر عالم استرالي أجرى بحوثاً طويلة على تلك المخلوقة الضعيفة فوجد أن بالنملة نسبة كبيرة  من مادة الزجاج فكان اختيار اللفظة في مكانها المناسب.والنملة من المخلوقات التي ليس بهيكلها "كالسيوم" وهو هيكل خارجي مغايرٌ للهيكل الداخلي لدى الإنسان والحيوان، وخارجية الهيكل اتسقت مع طبيعة اللفظة –يحطمنَّكم- والزجاج حالة من حالات المادة –طور زجاجي- فكل أكاسيد المعادن عندما تحترق في درجة حرارة عالية يكون الناتج المبرد هو الزجاج وجسم النملة فيه نسبة عالية من الأكاسيد .     

 قوله تعالى: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) (الطور:6) أقسم المولى تعالى بالبحر المسجور ولم يُستَوْعَب قديماً كيف يسجر البحر أي يحمي وهو في الأصل ماء، لكنَّ ثبت أخيراً للعلماء بأن بالبحر صخوراً. ففي قيعان المحيطات صخور محماةونسبة للتوازن بين الماء والحرارة لا يطفئ الماء الحرارة ولا الحرارة تقضي على الماء كما أثبت العلم حديثاً دلائل إعجاز علمي في اختيار بعض الألفاظ من ذلك لفظة (جمع) في قوله تعالى : (فإذا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ) (القيامة:7-10). فقد توصَّل علماء الفلك إلى أنَّالقمر في حركته يبتعد عن الأرض بمعدل ثلاثة (سنتمترات) في كل عام ، وسيؤدي هذا التباعد التدريجي في وقت من الأوقات إلى اقتراب القمر من الشَّمس ومن ثمَّ إلى دخوله في جاذبيتها والتي تفوق جاذبية الأرض، وعندها ستبتلعه الشَّمس وكلما بَعُد القمر عن الأرض ضَعُف ضوءه وكأنه يخسف حتَّى يدخل في جاذبية الشَّمس وعندها فقد جُمِع الشَّمس والقمر وثمة ملامح أسلوبيَّة في ترتيب الألفاظ ، فلفظة الشَّمس سبقت لفظة القمر فهي الأقوى وهي الَّتي تبادر بجذب القمر حينما يقترب منها  . ويقول تعالى : (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (الزمر:6) . ففي هذه الآية معجزة علميَّة للقرآن الكريم، واختيار (ظلمات ثلاث) عن غيرها جاء موافقاً ومناسباً، فأخبر العلماء أنَّالجنين له ثلاثة أغشية سَّماها المولى ظلمات – هذه الأغشية صماء لا ينفذ منها الماء ولا الضَّوء ولا الحرارة([15])0

 

    وردت ألفاظ السَّلام في القرآن ولكن عدل عن معنى التَّحيَّة كقوله تعالى لموسى و هارون عليهما السَّلام عندما أرسلا إلى فرعون (قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَاءيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى* إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (طه: 46-48) . وقول موسى عليه السَّلام لفرعون ليس بتحية فانحرفت اللفظة وتمردت على ملامحها الدلالية، فعدل بدلالة اللفظة ، كما عدل بتعريفها ب (الـ) وجاءت دلالة (السَّلام على من اتبع الهدى) بأن خبر محض وليس دعاء –  ففي السَّلام التَّحيَّة تنبيه لفرعون وترغيب له وقد فطرت الأنفس على حب السَّلام وإيثاره فان اتبع الهدى كان من أهل ([16])

ثم جاء الفصل الأخير : جماليات العدول في النص القرآني وهو في مبحثين ، فشرح المبحث الأوَّل : جماليَّات (الاختيار) فتناول : جماليَّات العدول والقصص القرآني  على وفق سياق تلقِّي القصص ، وجمالية السَّرد القصصي والاختيار بالتَّصوير والوصف في السَّرد التَّصويري ، وأوضح إلى حد ما جماليَّة اختيار المفردة والعبارة ، وجماليَّة الاختيار المنطقي والإعجاز العلمي . وقد ضربت أمثلة لكل لنوع ، منها :

في خطاب موسى (عليه السَّلام ) يخاطب خادمه - في قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ ءاتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً) (الكهف:62). فعدل لاختيار (غداءنا) ولم يقل (غدائي) فالغداء مشترك بين العبد وسيده ومن جماليَّة هذا الاختيار ما توحيه اللفظة المختارة من خلق قويم وأدب في سلوك سيدنا موسى -عليه السَّلام- وهو اختيار توافق مع داعية الحال فهم في رحلة معاً يؤازر أحدهما الآخر فلا مجال للفاضل والمفضول. ومما يزيد السَّرد جمالاً ردّ العبد بقوله (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أنسانيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً) (الكهف:63) وأعقب قوله بقول سيدنا موسى -عليه السَّلام- (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً) (الكهف:64). ونلحظ أن العبد قال (نسيت) ولم يقل (نسينا) وقد أشارت الآية (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً) (الكهف:61) ورغم هذه الآية نسب النسيان إلى ضمير المتكلم -  نفسه - وأوضح أن الشّيطان كان وراء ذلك فتأدب في اختيار ألفاظ الحوار حتَّى لايقترن اسم سيده بالنسيان أو بفعل الشّيطان …([17])

وبين قصتي آدم و إبراهيم-عليهما السَّلام-جماليات فيها دلالات وعبر، فذُكِر اسم آدم (عليه السَّلام) في القصَّة الأولى ثمَّ النَّص على إبراهيم-عليه السَّلام- بذكر اسمه في القصَّة الثَّانية فاتفقت القصتان في إبهام الأسماء باستثناء آدم وإبراهيم -عليهما السَّلام- ويعدل عن ذكر الأسماء لهابيل وقابيل إلى قوله (فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر)(المائدة:27). وعدل عن ذكر اسم إسماعيل(عليه السَّلام) إلى قوله(فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) (الصَّافَّات:101). فالعدول عن التعيين والذكر إلى الإبهام للأسماء فيه سمات أسلوبيَّة مفادها عدم استهداف القصة للأسماء وقد ربطتبين الشخصيات الثلاث (قابيل، هابيل، إسماعيل) سمة الخضوع والاستسلام مع الفارق بين مدعاة الاستسلام وجمالية المفارقة بينهما من فضل هابيل ونجاة إسماعيل. هذه السِّياقات تلمسناها في ورود القصَّة الأولى في سورة المائدة والثانية في سورة الصَّافَّات.

أما جماليَّة اختيار المفردة والعبارة، فمنها :

على لسان أيوب -عليه السَّلام- وهو يدعو ربّه يقول تعالى (أَنِّي مسَّني الضُّر)(الأنبياء: 83) فلفظة المس أفادت إحساسه بأنّمصابه خفيف لذلك عدل عن اختيار لفظة تدل على الشّمول والتمكن نحو (أصابني) أو (ضربني) وفي هذا تأدب. ولم يعقب لرفع الضر عنه تأدباً، وترك ذلك لربّه واكتفى بقوله (وَأَنْتَ أَرْحَم الرَّاحمين) (الأنبياء: 83) وفي هذه العبارة الإيحاء المكثف لقدرة الله وخضوعه إليه فهو القادر على كشفه وناسب أسلوبه هذا وحاله مقال الله تعالى فيه (عبدنا أيوب)، (نعم العبد) فكان تأدب سيدنا أيوب لتناسب مقام المخاطب –الله تعالى- وللفظة عبد دلالاتها الأسلوبيَّة الَّتي تفيد الصلاح ([18])0

و فيما يخص مسألة الإعجاز العلمي ذكرت الباحثة نصوصا عديدة فمثلاً :

" يقول تعالى: (مَثَلُ الذين اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أولياء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت:41) تفيد الآية لفت انتباه المتلـقّي إلى العنكبوت ودقة مسكنه ووهنه وفي الآية إشارة علميَّة حيث يقول عزَّ وجلَّ (اتَّخَذَتْ) بصيغة الفعل المؤنث. وإشارة أخرى في اختيار (لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ) ولم تكن العبارة (كخيط العنكبوت) وسياق الآية يوضح مَثَلَمَنْيتَّخذ من دون الله أولياء، وحالته وضعفه فالعلائق والصلاتمع دون الله سبحانه وتعالى ضعيفة واهية كضعف بيت العنكبوتووهنه. وثَمَّة ملامح أسلوبيَّة أضفتها (اتَّخَذَتْ) فهي تدل على الأنثى والأنثى هي الَّتي تصنع البيوت، كما ثبت علميا فهي تفرز المادة الَّتي تنسج منها البيوت ففي الآية إعجاز علمي اجتماعي. وعلميا ثبت أنَّخيط العنكبوت كخيط يعد من أقوى المواد، أقوى من الحديد والالمنيوم كخيط من النَّاحية العلميَّة (الميكانيكيَّة) ولكن المقصود بالوهن هنا ... الوهن الاجتماعي ففي دراسة علم الحشرات وسلوكها وجدوا أنَّبيت العنكبوت من أوهن البيوت اجتماعيا، فالأنثى (العنكبوت) عندما يلقحها الذَّكر تقوم بقتله بعد التَّلقيح ... وعندما تفقس البيوض وتنتج العناكب ... فانها تقتل بعضها بعضا ويحصل التَّآكل فيما بينها . ففي الآية إشارة إعجازية رائعة على وهن البيت اجتماعيا بسبب الفتك وتقطيع أواصر الصلات بدءً من قتل الزّوج .. ثمَّ الأخوة فيما بينهم. ومثل هذا الوهن، وهن من يتَّخذ من دون الله أولياء فهو في وهن اجتماعي وضعف يؤدِّي إلى عزلة " ([19]).

وكان المبحث الثَّاني : جماليَّات السَّرد وإيقاعه : مشتملاً على : بيان جماليَّة السَّرد وإيقاعه من السُّرعة إلى البطء ومن البطء إلى السُّرعة ، و جماليَّة التَّعريض والتَّصريح في العدول إليهما. وسعت الباحثة فيه تبيين بعض من  جماليَّة العدول عن التَّصريح بالاسم إلى الضِّمنيَّة ، والعدول عن التَّصريح باسم المكان . مثال  بطء السَّرد وجماليَّة التَّدرُّج ، قالت الباحثة : " يقول تعالى (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (البقرة:266). نلحظ الاستقصاء في السَّرد والاتيان بالشَّرح والتَّفسير للجنَّة وسار الوصف بإيقاع بطئ يدعو إلى التأمل والتفكر ويعمق حجم مصاب صاحب الجنة وعظم رزئه بفقدها فلم يكتف بذكر (الجنَّة) فحسب بل أضاف بيان أوصافها ومحاسنها وأنهارها ويحس المتلـقّي بالجنَّة مشاهدة أمامه: النخيلوالأعناب, والأنهار, الَّتي تجري من تحتها وتنوّع ثمراتها. ويدلف إلى وصف صاحبها.. وكيف أنَّالكبر قد أصابه وله ذريَّة ضعفاء هم أحوج للجنة وخيراتها من بعده وينتقل بطء السَّرد الوصفي إلى الخسران وفقدان الجنَّة ونعيمها عندما أصابها الإعصار "فيه نار". وفي ذكر (احترقت) احتراس عن أن يحمل المتلـقّي الاحتمال إلى أنَّالنَّار قد لا تقضي عليها أو لاتكون من القوَّة الَّتي تقود إلى هلاكها. وإذا تأملنا الآية نجد في صدرها الاستقصاء البطيء والسَّرد المتأني ويعدل عن هذا إلى سرعة إيقاع الأحداث في عجز الآية (فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت) فيسرع المتلـقّي بخياله لسرعة الاستئصال للجنة بفعل الإعصار. والاستقصاء هو أن يتناول المعنى فيستقصيه فيأتي بجميع عوارضه ولوازمه بعد أن يستقصي جميع أوصافه الذَّاتيَّة بحيث لا يترك لمن يتناوله بعده فيه مقالاً وشمل الآية تناسق زمني مفاده تناسب عرض الصورة مع الغرض الَّذي ساقه الباث فمن المشاهد ما يعرض بطيئا يسوده التراخي والتؤدة حتَّى تتأمله الأفكار وتتملاه  العيون " ([20]).

  وأخيرا الخاتمة إذ بينت الباحثة فيها أبرز النَّتائج الَّتي توصَّل إليها البحث ، ومن أبرزها :

    سبق العرب غيرهم لمفهوم النظرية ومن أهم مقاييسهم مناسبة الكلام لمقتضى الحال  . الأسلوب عدول عن النسق المتعارف عليه ، وتتصل الأسلوبية بالعدول ؛ لأنَّ العدول يتحقق في النَّص عند استعمال اللفظ في غير ما يوضع له ومع تعدد الألفاظ الدالة على مصطلح العدول ؛ إلا أنها كانت الأنسب ؛لابتعادها عن السلبية في مضمونها. وبهذا فالعدول أحد أشكال التغاير، وتفترض طبيعة العدول معايير وأحكاماً للأصول المعدول عنها ويتخذ العدول شرطاً لجوازه هو أمن اللبس . للعدول سبل منها التصور، والتخيل  والمبالغة ويتحقق في المنظوم والمنثور من القول . كل ظاهرة بلاغية هي عدول عن القاعدة على وفق نمطية لها مسوغاتها . وجاء في القرآن الكريم عدولٌ عمّا تعارفه البشر في الكلام وهذا سر من أسرار إعجازه.عجازه. زيادة المبنى تؤدي إلى زيادة المعنى ويكسب تعدد المقاطع الصوتية للألفاظ مطاوعة لتعدد الدلالات ؛ ومن ثم تختلف المعاني باختلاف البنى اللَّفظيَّة من ترتيب وتكرار وتضعيف للأصوات .  زيادة المبني تؤدي إلى زي يعدل ببنية اللفظة الصرفية وصيغتها وفق مقتضيات المقام وكما يحدث العدول عن النمط القاعدي تغايراً في الشكل يحدث كذلك تغايراً على الدلالة وانزياحها عن أدائها العادي الإخباري (الإبلاغي) إلى المستوى الإبداعي (البلاغي). يقوي العدول في الفاصلة المعنى ويحسنه بفعل الإيحاءات وتحولات البنى التركيبية والترتيبية كالحذف والاختطاف والاختزال والتقديم والتأخير في السياق مع التماسك النصي وعلى وفق داعية الحال ومن ثم تضفي السوابق واللواحق آثاراً وظيفية دلالية في محيط السياقات وقرائنها. مما يزيد النَّص ثراء والمعاني ظلالاً لتحقيق الأغراض البلاغية. يعدل بالأدوات والحروف عن معناها من مستوى إلى آخر وبالأساليب في تغاير على وفق حالة المتلقِّي ومقتضى السياق فلكل أداة، أو حروف قيم أسلوبية ذات وظيفة دلالية إذا ما عدل بمعناها إلى آخر. تتغير الدلالة الزمنية للفعل مع ثبات صيغته وتنصرف إلى أزمنة متغايرة تفهم من السياق ومما يقتضيه داعي الحال للمتلقِّي أو المقام. يعدل بالأساليب الخطابية لشد انتباه المتلقِّي وتناسباً مع حالته . ويكثر هذا في جمل الأمر والنهي والإرشاد والاستفهام. وبهذا يبرز العدول في الصيغ الخطابية المعاني ويثير بالانزياح عن المألوف، الانتباه وشحذ الهمَّة لتلقِّي المرسلة؛ وذلك لأنَّ المتلقِّي محور أساسي في فهم المرسلة وتحديد سمات النَّص. العدول عن أسلوب في الكلام إلى آخر مغاير يشمل سائر الالتفاتات وبهذا فكل التفات عدول إذا حقق إبداعاً. تتنوع أساليب السرد وتتغاير في إيقاع سرعتها وتداعيها مضفية جمالاً وتماسكاً على النَّص في اتساق مع حال المتلقِّي وما يقتضيه المقام مما يزيد من حيويَّة النَّص وتجدُّده. يحفز العدول والتَّغاير طاقات المتلقِّي ويفجِّر قدراته للتحليل وإكمال النَّص عندما يكون عن التصريح إلى التعريض أو التلميح والكناية . يحدِّد السِّياق وجوب العدول عن ذكر الاسم إلى الضَّمير أو الضِّمنية أو الصيغة من أجل فوائد بلاغيَّة تتحقَّق مع سياق النَّص وما يحسن معه .

ثم ألحقت آخر الصفحات ثبتاً لأهم المصادر والمراجع التي رجعت إليها ، والبحوث الإلكترونية ، فضلاً عن المصادر الأجنبية ، ثم ثبتت ملخصاً للبحث باللغة العربية و الانجليزية .

 

 

المطلب الثاني : القراءة التقويمية

 

               قبل الشروع بتقويم الأطروحة ؛ هناك بعض الخطوط العامة وضعتها أمام الرسالة ، هي حصيلة جمعت بعضها من حضور المناقشات ، وبعضها الآخر تعلمتها  من أساتذتي في سني الدراسة ؛ فضلا عن قراءتي لكتب منهج البحث . وهي - كما فهمتها - متعلقة بشكل الرسالة يسبقه المضمون  ، وهذه الخطوط :

    الأسلوب: هو القالب التعبيري الذي يحتوي العناصر الأخرى ، وهو الدليل على مدى إدراك عناصر البحث وعمقها في نفـس الباحث ، وإذا كانت معاني البحث وأفكاره واضحة في ذهن صاحبه؛ أمكن التعبير عنها بأسلوب واضح، وتعبير مشرق . والحقائق العلمية تستوجب تدوينها في أسلوب له خصائصه في التعبير والتفكير والمناقشة، وهو ما يُسمَّى بالأسلوب العلمي، وهو أهـدأ الأساليب وأكثرها احتياجاً إلى المنطـق والفكر، وأبعدها عن الخيـال الشعري، لأنَّه يخاطب العقل، ويُحفِّزُ الفكر، ويشرح الحقائق العلمية التي قد لا تخلو من غمـوض وخفاء. وأظهر ميزات هذا الأسلوب الوضوح، الذي يجب أن يبدو فيه أثر القوة والجمـال ، وقوته في سطوع بيانـه ورصانة حججه ، وجماله في سهولة عباراته ، وسلامـة الذوق في اختيار كلماته ، وحسن تقريره المعنى مـن أقرب وجوه الكلام . وفي سبيل التعبير بأسلوب علمي جذَّاب ، ينبغي أن يكون اختيار الجمل دقيقاً، والأسلوب متنوعاً، غير مسترسلٍ ، و الأساس في أسلوب الكتابة هو الكلمة، فمنها تنتظم الجملة، ومن الجملة تتكون الفِقرة، ومن مجمـوع الفِقرات تتكون نقاط الموضوع، ومن مجموع هذه النقاط يكتمل الموضوع  . ويشترط في الأسلوب العلمي الآتي: الوضوح والسهولة ، بحيث يُفهم لأول وهلة . البعد عن غريب اللفظ والزخرفة (أي المحسنات البديعية) . الاعتماد على المنطق السديد . التأكيد على الأفكار التي يريد الباحث أن يبرزها . التسلسل المنطقيّ للموضوع وتفريعاته . خلوه من الأخطاء الهجائية واللغوية . عنوان الرسالة: ويُعرف بأنَّه أصغر ملخص لمحتوى الرسالة . والعنوان الجيد هو الذي يراعي الأمور الآتية : أن يكون مفصحاً عن موضوعه (التحديد اللفظي الدقيق) . الوضوح  والجدة ، والابتكار0 ولوضوح العنوان ودلالته بعدٌ آخر؛ فلا بد من التأكد من تميز كلماته بحيث يكون مفتاحاً لمضمون الرسالة ، دالة على موضوعها ، يساعد على تصنيفها وفهرستها بشكل صحيح . أن تتبين منه حدود الموضوع وأبعاده . أن يكون قصيراً بقدر الإمكان، ويكون إيحاؤه بالأفكار الرئيسة بصورة ذكية . خطة البحث : هي الهيكل التنظيمـي للرسالة، ويشمل ذلك عناصر الخطة جميعها ، لا تقسيمات موضوعات الرسالة فحسب،ومهما اختلفت البحوث وتنوَّعت مجالاتها فالمفروض أن تتضمن الخطة العناصر الآتية : عنوان الرسالة : تقدم بيانه . التعريفات: ويفضل أن تكون في البداية ، وتتضمن مختصراً لتعريف المصطلحات والمتغيرات الأساسية للبحث .  المقدمة : وتهدف إلى تهيئة ذهن القارئ ، وتتضمن : تمهيداً عاماً عن مجال البحث . نتائج لدراسات سابقة . مسوِّغات دراسة الموضوع ، مشتملة على الأهمية النظرية والتطبيقية المتوقعة من هذا البحث . منهج البحث وإجراءاته : والغاية من المنهج بيان ما سيلتزم به الباحث من الأسس والقواعد والإجراءات للوصول إلى نتائج علمية سليمة . تقسيمات الرسالة: وتقسم الرسالة إلى فصول تحوي عناوين رئيسة وعناوين فرعية ، وربما تحوي تقسيمات أصغر، حسب طبيعة البحث . و هذه التقسيمات تأتي بحسب ما يقتضيه موضوع البحث ، ويراعى الآتي :  ليس هناك عدد محدد للفصـول (أو الأبواب) متفق عليه ، بل ذلك خاضع لموضـوع البحث وما فيه من مشكلات .  كمـا أنَّه لابـد لموضوع البحـث من عنوان ، فكذلك لابد لكل فصل من عنوان، فلا يجوز تركه غُفْلاً لا عنوان له .  لابد من الترابط بين عنوان الموضوع وفصوله ، وهكذا، حتى يظهر البحث كتلة واحدة مترابطة الأجزاء.  ينبغي أن تكون هذه العناوين شاملة لما تدل عليه ، مانعة من دخول غيرها فيها ، قصيرة بقدر الإمكان ، موضوعية تتحرى الصدق والحقيقة ، غير متكلفة في عبارتها. فضلاً عن الترابط والتدرج المنطقي بين أبواب البحث وفصوله، حتى الوصول إلى النتائج المرجوَّة . الخاتمة :هي النتيجة المنطقية لكل ما جرى عرضه ومناقشته ، والإضافـة العلمية الجديدة التي تُنسب للباحث ، و لأنهاتترك الانطباع الأخير؛ تحتاج إلى ترتيب الأفكار، وجودة في الصياغة، واختيار الجمل والعبارات ، يحس القارئ  من خلالها أنَّه وصل إلى نهاية البحث بطريقة طبيعيـة متدرجة دون تكلُّف . فيركز على النقاط الرئيسة  ذات الصلة الوثيقة بنتائج البحـث ، يرسم صورة يُبيِّن فيهـا آراءه ووجهات نظره، ومواطن الكشف والتجديد في بحثه ، سواء بالنسبة لجوهر الموضوع أو بالنسبة لجزئياته ، ويُبيِّن النتائج التي انتهى إليها البحث ، ومدى قوة هذه النتائج أو ضعفها. روافد البحث التي وقعت بين يدي الباحث و أشار إليها ، وتتكون من : مصادر قديمة أصيلة ، و مراجع حديثة ومصادر ومراجع إلكترونية ، وبحوث ومجلات  ، ورسائل ماجستير و أطاريح دكتوراه . فضلا عن توخي الدقة عند النقل ، والدقة في الإحالة إلى المصدر ، وأخذ المعلومة من قائلها ، وليس ممّن نقلها ، فقد يكون النقل خاطئا أو حذف منه ، أو زيد فيه ، وغيرها من الأسباب . 

       وهناك بعض الملاحظات سجلتها على وفق النقاط المذكورة آنفاً ، ولست بصدد أن أرصد الأخطاء التي وقعت بها الباحثة ؛ فهو أمر طبيعي يتعلق بالبشر، ثم غايتي الأولى التعلم من تجارب الآخرين ، فأجنب نفسي الوقوع بما وقعوا فيه ، فضلاً عن أني لا أقطع فيما لاحظت ، فقد أكون مخطئة في مواضع كثيرة ؛ لأني لم أصل بعد إلى مرحلة تسمح لي بتقويم الآخرين ، فقصدي ليس النقد أو التقويم ، بل هو اختبار لقدرتي و معلوماتي ، ثم لأنني مقبلة على كتابة بحث الماجستير - إن شاء الله - فلابد من الدربة ، فالتنظير دون تطبيق لن يخلق من الطالب باحثا، و فيما يأتي أبرز الملاحظات  :

تقويم الأطروحة بشكل عام

 

    أسلوب الباحثة في كثير من الأحيان سلس ومفهوم ،فالبساطة والإيجاز أفضل السبل لتوصيل الأفكار دونما لبس أو تشويش .حتى عند استعمالها للمصطلحات الحديثة ، وإن كانت هناك بعض الهنات ، فهي لا تنقص من قيمة البحث العلمي . وجهد الباحثة يبدو واضحا في أكثر من موضع ، إذ حاولت أكثر من مرة الربط بين النظرية والتطبيق . فسطور الرسالة بشكل عام تكشف عن ثقافة واسعة ، مع قدرة عالية على توزيع المادة ، فضلا عن اللغة التي لم تكن قديمة جدا فتبتعد عن المتلقي ولا حديثة فتُأَثر على أصالة اللغة أو رصانتها 0     كان الموضوع من حيث عنوانه والمادة التي بثتها الباحثة ، جديدة إلى حدٍ ما ، ومرغوبة ، كذلك قلة التطرق إلى المواضيع النقدية الحديثة ، لاسيما توظيفها في تحليل الخطاب القرآني فهي من المواضيع التي قد يتردد الباحثون قبل الدخول فيها ، تارة خشية التعامل مع النص القرآني ، وتارة أخرى الخوف من الدراسات النقدية الحديثة ؛ التي نقلت مفاهيمها ومصطلحاتها من الغرب  . كفاءة الإطار العام للبحث وعرضه للموضـوع عرضاً واضحاً سليماً، وبيان الهـدف منه، والطريقـة التي جرى السير في ضوئها لمعالجة مباحثه ، وصياغة العناوين الرئيسة، ووضعها في أماكنها المناسبـة . في بعض الأحايين الباحثة تستعمل أسلوب القطع عند عرض آرائها ، والمعروف في منهج البحث العلمي أن مسألة الجزم والقطع ليست محبذة .  فضلاً عن أن الجزم في مسألة تأويل القرآن و آياته غير وارد البتة ، من ذلك قول الباحثة في ملخص الأطروحة : تناولت الدراسة ظاهرة العدول .... وأوضحت سر بيان التعبير القرآني .. ([21]) وكان الأولى أن تقول : وحاولت أن توضح بعضا من سر بيان التعبير القرآني ...إذ يفترض تجنُّب الاعتداد والفخر، فهما يتركان أثراً سيئاً في المتلقي . كان البحث متنوع المادة فيه الصوت والصرف والنحو والبلاغة وغيرها من فروع العربية .  استعانت الباحثة بالمخططات والرسوم التوضيحية في مواضع عديدة من الرسالة ، والتي من شأنها أن توصل الفكرة إلى القارئ  خصوصا عند التطرق لقضية الإعجاز العلمي  ([22])0  راعت الباحثة  التسلسل المنطقي للموضوع وتفريعاته . طبع الرسالة كان جيدا فالأخطاء الطباعية - وإن لم تخل الرسالة منها - قليلة إذا ما قورنت بحجم الأطروحة ؛ لكن يمكن القول : إن من طبع الرسالة كان دقيقا  إلى حدٍ ما ، ومن بعض الأخطاء التي وجدتها في الصفحات :22 كلمة حمالة ، 44في الهامش تقديم وتأخير ، و 45 في الهامش أيضا، وغيرها . وردت لفظة اهتم واهتمام ، ويهتم في عموم الرسالة ، إذ لم تخل - تقريبا – أي صفحة من ورودها على الأقل مرة واحدة ، من الصفحة الأولى إلى آخر صفحة ، ومن الطريف أنها وردت في إحدى الصفحات تسع مرات ([23])  مع أن هناك الكثير من المفردات التي تؤدي المعنى بدلالة أفضل . أعطت عناية كافية لنقل الآيات القرآنية ، ورسمها رسماً مطابقاً للرسم العثماني، ونسخها بوساطة الحاسوب من المصـاحف الإلكترونية ،في البحث بأكمله – تقريبا- والتزمت الباحثة إحالتها في المتن لا في الهامش ، وأظن أنها على صواب في ذلك .    الرسالة كانت مشكلة عموما ([24])؛مع العناية بعلامات الترقيم ، إذْ هذا جانب أساسي في وضوح الصياغة، والبعد عن الوقوع في اللبس؛ بيد أنها كانت تخلو من التشكيل في بعض الأسطر من صفحات الرسالة  ([25])، كذلك أهملت ضبط همزة (ان) في عموم الرسالة ، ولم تفرق بين همزة الوصل والفصل ؛ فضلا عن إهمال الباحثة لوضع علامات الإعراب في أواخر الكلمات ؛ ولو أنها ضبطت همزات (ان) وإعراب الكلمات وعدلت عن وضع الحركات في بنية الكلمة لكان أولى ، إذ تبادر إلى ذهني أن الباحثة لم تحرك أواخر الكلمات ولم تضع الهمزات قصدا ، ربما خشية وقوعها في الخطأ ولا أدري أيحسب هذا للباحثة أم عليها ، ولا أظن أنها مسألة أخطاء طباعية لأن الخطأ يرد مرة ، أو مرتين ، لا في الرسالة كلها0 سلامة الجُمل، والعبـارات من الأخطاء النحويـة واللغوية مع مراعاة قواعد اللغة والإملاء ؛غير أنها لم تخلُ ؛إذ وردت بعض الأخطاء الإملائية مثلا في الصفحة 235 كلمة : مّمادة ، والصواب : من مادة ، فقد كتبتها الباحثة عروضيا ، وورد في الصفحة نفسها خطأ نحوي : وهو هيكل خارجي مغايرا... والصواب : مغايرٌ .

تقويم الأطروحة على فق تقسيماتها :

 

    عنوانالرسالة ينطبق إلى حد ما ومحتوى البحث . للعدول مرادفات كثيرة مع أن الباحثة رجحت مفردة العدول ، لكن قد يرى البعض أن هناك لفظ آخر يناسب المعنى أكثر ، فمفردة الانتقاء أو الاختيار تصلح لأن تحل هذا المحل فكون الله تعالى يعدل عن صوت إلى غيره ، ولفظة إلى غيرها ، وسياق إلى غيره ، فهو يمثل انتقاءً واختيارا ، أو قد يسميه البعض دلالة ، أليست دلالة التقديم والتأخير عدول ؟ والذكر والحذف والإيجاز والإطناب والمساواة ...أليست جميعها عدول من أسلوب لآخر ، فقد يرى كثير من الباحثين ، أن الباحثة جاءت بالأمثلة نفسها ، ولكنها غيرت العناوين ، وأدخلت بعض المصطلحات النقدية الحديثة التي قد يرى بعض الباحثين أيضا أن لا مبرر لوجودها . في السطر العاشر من الإهداء ، لو أن الباحثة قالت : وهم متابعون لأخبار العراق ، لكان التعبير أكثر تأثيرا من : وهم يتابعون ... فهي أشعرتني أن أهلها يتابعون أخبار العراق فقط لأن ابنتهم تدرس فيه ، لا لكونه بلدا شقيقا يتعرض للاضطراب ، سيما وأن تاريخ مناقشة الرسالة كان يمثل أصعب مدة مرّ بها العراق على الإطلاق . عند قراءتي الشكر والتقدير لفت نظري شيء جعلني أظن أنه إسقاط فرض لا أكثر ، وهذا ما منحته ( لعلّه من الواجب ...) في السياق ثم العطف المتكرر في الفقرات المتتابعة . في  قائمة المحتويات  في التمهيد خاصة ، قدّمت الباحثة نظرية التلقي عند الغرب على جذورها في التراث العربي ؛ مع أن العرب سبقوا أهل الغرب في ذلك ، لكنهم لم يضعوا منهجا أو مصطلحا، فقد كان العرب يراعون المتلقي في نظم القصائد والخطب ، ثم كان العنوان نظرية التلقي في التراث العربي وأظن من الأولى القول : جذور نظرية التلقي في التراث العربي ؛ إذ لم تكن نظرية خاضعة لمصطلح أو منهج . في المقدمة  : بدأت بالبسملة، والحمد لله، والثناء عليه متبوعة بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، و الإشارة إلى قيمة البحث وأهميته ، و شرحت الأسباب التي أدت إلى الاهتمام بهذا الموضوع . لم تذكر الباحثة بعض الدراسات والأعمال العلمية السابقة التي أسهمت في تطور الموضوع وخصائص كل دراسة؛ لتتبين المقارنة من خلال ذلك بينها وبين الإضافة الجديدة التي أضافها البحث ، وكان من الأولى فعل ذلك ، مع أن هناك بحثٌ قريب إلى حدٍ ما من عنوان بحثها وهو ( العدول في القرآن الكريم ، دراسة أسلوبية) لـ (د.عواطف مصطفى كنوش )([26])، وهي المشرفة على البحث .   عللت الباحثة سبب اختيار البحث بدأت بالفعل (رأيتُ أن اختار...) ([27])، ولو أنها قالت: ولأنّي طمحت أن أجمع في دراستي بين القرآن ... لكان أفضل ، فالاعتداد بالنفس - في البحث - غير مرغوب به . كذلك قالت : وكان من معضلات البحث ([28])، والمتعارف عليه ، استعمال كلمات مثل : صعوبات ، معوقات ، أما معضلات فهي تحمل صيغة مبالغة . كانت الباحثة موفقة إلى حدٍ ما في كتابة التمهيد فقد كان موضحاً لعنوان البحث ويهيئ  القارئ لما بعده من فصول ، حاولت أن توجز في الألفاظ ؛ مع ذلك كان هناك بعض الملاحظات منها : راعت الترتيب الزمني ، لكنها لم تذكر سني الوفاة للعلماء ، وعند مطالعتي لإحدى الأطاريح التي أشرفت عليها د. عواطف كنوش وجدت أن الأمر نفسه حدث فيها و هي : الرؤية الأسلوبية في الدراسات القرآنية الحديثة للباحث : ليث داود سلمان  وعند كتابة الهامش ، كان تستعمل خطا مائلا بدلا من الفارزة، والأمر نفسه حصل في رسالة الرؤية الأسلوبية ... ، فيبدو أن هذه  منهجية المشرفة. كانت الصفحات 34 ، 35 ، 36 , مربكة بعض الشيء ، إذ تحتاج كما أظن إلى إعادة تنظيم في كتابة الفقرات ، وربما إلى بعض الإضافات . لم تتحدث الباحثة بما فيه الكفاية عن دور العلماء القدامى في ظهور الدراسات الأسلوبية الحديثة فلم تتطرق لدور عبد القاهر الجرجاني مثلا ، فجاءت أسماؤهم عرضا دون توضيح0   كان الفصل الأول  في صفحاته الأولى جيدا (38 – 48) ، مع أن الباحثة ضربت أمثلة معروفة ولكن بصياغتها أزاحت عنها لباس التكرار. أما الصفحات التي تعقبها فقد ابتعدت في بعضها عن الموضوع([29])ـ بحس فهمي ـ وبعضها الآخر كانت موفقة ([30])، وفي كثير من صفحات الفصل الأول كانت الباحثة تأتي بأمثلة معروفة جدا ([31])، فضلا عن عدم الإحالة إلى المصدر- سهوا-  في بعض الأحيان ([32]). ذكرت الباحثة أن العدولبتحولات الصيغ الصرفية  يكون لمناسبة الإيقاع([33]):

" يعدل في الفاصلة عن صيغة الجمع إلى صيغة الإفراد ومثال ذلك قوله تعالى : (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) (القمر:45) فعدل عن صيغة الجمع –لفظة- (الأدبار) إلى - لفظة الإفراد- (الدبر) وفي مثال آخر قوله تعالى : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ) (القمر:54) جاء العدول في فاصلتها بإفراد ما حقه الجمع (أنهار) وذلك لمناسبة إيقاع الفواصل الصَّوتيَّة ومقاطعهاالسورة والتي انتظمتها أربعة إيقاعات في نهاية المقطع على النحو الآتي – في الجدول أدناه :

 

 

النماذج الَّتي ورد فيها (في سورة القمر)

عدد مرات وروده

الرَّمز "الفوناتيكي" للصَّوت الوارد في آخر المقطع

ت

مُسْتَقِرْ(مرتان) ازْدَجِرْ, مُسْتَمِرْ(مرتان) ُمنْهَمِْر, مُنْتَشِرْ, أَشِرْ, الأَشِرْ, عَسَرْ, انْتَصِرْ , مُنْتَصِرْ , كُفِرْ, اصْطَبِرْ, مُسْتَطِرْ, مُحْتَظِرْ, مُحْتَضِرْ, قُدِر, مُدَّكِرْ, (ستة مرات) مُنْعَقِرْ, مُقْتَدِر (مرتان).

27

صوت /ir/

1

النُّذُرْ, نُذُرْ(11 مرة) الزُّبُرْ(مرتان) الدُّبُرْ, نُكُرْ, دُسُرْ.

16

صوت /ur/

2

القَمَرْ, أَمَرْ, مُزْدَجَرْ, نَهَرْ, بِسَحَرْ, شَكَرْ, بالبَصَرْ, بقَِدَرْ, فَعَقَرْ, وسَقَرْ.

10

صوت/r  Ç/

3

سُعُرْ(مرتان)

2

صوت /or/

4

55 فاصلة (وهي عدد آيات السورة كلها)

55 آية

4 مقاطع

 

 

  أظن أن الإيقاع و تناسب الفاصلة والتجانس الصوتي كلها تأتي لتوضيح المعنى لتؤثر في السامع ، ليس العكس0

    ذكرت الباحثة عند تحليلها لسورة (عبس : 3) أن الآية " تتعلق بمجيء الأعمى إلى الرسول صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فأعرض عنه فعاتبه الله على ذلك "([34])دون أن تخرج ما قالته إلى مصدره وكان على الباحثة أن ترجعه على الأقل إلى ثلاثة مصادر ؛ لأن في الكلام مساس لأخلاق الرسول فضلا عن المساءلة العلمية . مع أن الباحثة بذلت جهدا في كتابة الفصل الأول لكنه قياسا بالفصول الأخرى لم يكن ـ في ظني وقد لا أكون على صواب  - بالمستوىنفسه وحذفه من الأطروحة لن يقلل من قيمتها 0   ذكرت الباحثة بعض التعليلات غير الشافية عند تحليلها حذف الكاف من قوله ( ما ودعك ربك وما قلى ) ، ثم ذكرت تحليلا لقوله ( ووجدك ضالا فهدى ) لكنها لم تحله إلى مصدره ([35]) ؛ علما أن ما ذكرته قريب مما ذكره السابقون ([36]) .  تدرُّج الأفكار وتطورها من مبحث إلى آخر، ومن نقطة إلى أخرى، بحيث تقود كلها مجتمعة إلى نتيجة البحث.اتسمت الفصول الثلاثة الباقية بالعمق والمعلومات الدقيقة في عموم الرسالة ، وإن أخفقت الباحثة في بعض السطور ، فهو لا يقلل من قيمة الرسالة ؛ إذ أن المعلومات القيمة التي ذكرتها الطالبة في صفحات الرسالة كانت الباحثة في جميع فصول الرسالة تفرد مبحثا أو فقرة تتكلم فيها على قضية الإعجاز العلمي في القرآن ، على وفق ما يقتضيه البحث ، ثم تدعمه بالرسوم العلمية التي من شأنها أن تثير القارئ ، وتحفزه على مواصلة القراءة  ، وقد مرَّ بعضٌ منه عند عرض مخلص للأطروحة ،ومن أمثلة الإعجاز العلمي ما ورد في الفصل الثاني ؛ إذ ذكرت الباحثة : هنالك علاقة بين الظّلام والعمى – وبين النُّور والحرور والظّلمات والظِّل ففي الرُّؤية تتدخَّل خيوط الضَّوء ما بين الرَّائي والمرئي، وتنعدم هذه لدى الأعمى ونلحظ ارتباط الظّل بالشمس –مصدر الضَّياء والنور– فهو يتبع الشَّمس فإذا حال حائل بين الجسم والشمس وقع الظّل فالظل بوجود الشَّمس، والظّلام بعدمها. لذلك نجد انعدام الرُّؤية في مستويات عمق معيَّن في المحيطات (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرََاهاوَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (النور:40). وأثبت علم البحار حديثاً أنّهنالك في أعماق البحار طبقات من الظّلمة تتدرج حتَّى تصل إلى ظلمة تنعدم معها الرُّؤية وفي هذه القيعان توجد مخلوقات بلا أعين إذ لافائدة من العيون لديها وهي في تلك الأصقاع الَّتي لا تتأتَّى فيها رؤية  وقد وجد الارصاديون أن بعمق البحار والمحيطات ظلمة ينعدم فيها الضوء توجد في مدى مائتي متر عمقاً.  ومما يزيد حسن السَّرد والتَّناسق هو أن تكون هذه الآية في سورة النُّور.. فأي تماسك هذا وأي  تلاحم وترابط في كتاب الله عزَّ وجلَّ والتَّقديم والتَّأخير من أهمَّ الأساليب التَّعبيريَّة ولانجد لفظاً تقدّم أو تأخَّر دون فائدة ومقصد . وذلك لأنَّ لألفاظ القرآن مواقعها الملائمة بها حتَّى أنَّالإنسان إذا بدَّل في موقعيَّتها اختل النَّظم والمعنى .وقد ثبتت الباحثة الرسوم  التي توضح ما ذهب إليه علماء البحار([37]).والجدير بالذكر أن الرسوم التوضيحية كانت ملازمة للبحث ، وخصوصا عند تطرق الباحثة لقضية الإعجاز العلمي . ذكرت الباحثة نتائج عديدة ، لكنها لم تذكر النتائج جميعا ، فضلا عن ذكرها لبعض النتائج التي سبقها الباحثون في التوصل إليها .  مصادر الرسالة كثيرة متنوعة ، فهي 295 فيها المصادر القديمة ، والمراجع الحديثة ، فضلا عن المجلات العلمية المحكمة و الكتب الإلكترونية و الكتب  و البحوث الأجنبية0 عند الإحالة إلى المصادر ، تخلط الباحثة أحيانا فتقول ينظر والنص مقتبس([38]). وعند الاقتباس من المصادر الثانوية (مرجع أَخذاً مِن مرجع)، يجب على الباحث الرجوع إلى المصادر الأساسية، وعدم الرجوع إلى المصادر الثانوية إلا عند تعذّر الرجوع إلى المصدر الأصل . كانت دائما تقتبس النص كما هو، و بعض الأحيان تقتطع نصا طويلا وخصوصا من تفسير الكشاف ، وربما يكون للباحثة رأي في ذلك ([39]). وقد لفت انتباهي اقتطاع الباحثة ثلاثة نصوص طويلة من تفسيره في صفحتين فقط  ([40])     مع أن مصادر الرسالة كثيرة جدا ؛ لكن الباحثة أهملت العديد من الدراسات عند العلماء الشيعة ، كتفسير الطباطبائي وهو من كتب التفسير التي فيها - كما أظن -  شيء من جذور نظرية التلقي  . بعض المصادر خلت من الطبعة وسنة الطبع ودار النشر ([41])كما أنها ساوت بين العلماء القدامى والمحدثين فتذكر اللقب ، ثم تكتب اسمه كاملا ، فمثلا تقول : الأضداد : الأنباري : أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري ، وتذكر ، التعبير القرآني : السامرائي : فاضل صالح السامرائي .

        خلاصة القول : إن الأطروحة كانت جيدة لحدٍ كبير والذي ورد فيها من الأخطاء لم يقلل من قيمتها العلمية ، قد أكون غفلت عن كثير من الملاحظات ، واستخرجت أخرى لكن لم أتأكد من صحتها ؛ لذا لم أثبتها ، حتى أتثبت من صحتها فما جانب الصواب منها أخذته ، ما خالف ذلك عدلت عنها . وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين . 

 

 

 

 

 

 

مكتبة البحث

 

          القرن الكريم

    أسس البحث العلمي لإعداد الرسائل الجامعية ، مروان عبد المجيد إبراهيم ، مؤسسة الوراق ، ط1، 2000 أصل كتابة الحث العلميو تحقيق المخططات ، يوسف المرعشلي أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم، د.محمد حسين الصغير، دار المؤرخ العربي، بيروت،1420هـ ـ 1999م . الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق، د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، دار المعارف، مصر، 1971م. ، موسوعة البحث العلمي التفسير البياني للقرآن الكريم، د.عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، دار المعارف، مصر، ط2، 1966م . تفسير التبيان، لشيخ الطائفة الطوسي(ت460هـ)، تحقيق وتصحيح: أحمد حبيب قصير العاملي، مطبعة النعمان، النجف الأشرف،1383هـ ـ1963م . دليل الرسائل العلمية في جامعة طيبة ، المملكة العربية السعودية في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، بيروت، ط10، 1401هـ ـ1981م . مجمع البيان في تفسير القرآن، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (548هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1379هـ . مناهج البحث العلمي ، دليل الطال في كتابة الأبحاث و الرسائل العلمية : عبد الله محمد الشريف ، كلية التربية جامعة الفاتح ، الجماهيرية 1996 مناهج الحث الأدبي ، علي جواد الطاهر، بغداد  ، العاني ، ط3 ، 1970 نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للإمام برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي(ت885هـ)، خرَّج آياته وأحاديثه ووضع حواشيه: عبد الرزاق غالب المهدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1424هـ ـ2003م . الروية الأسلوبية في الدراسات القرآنية الحديثة ، ليث داود سلمان ، رسالة دكتوراه جامعة البصرة ،  

([1])- ظ :  9.

([2])- ظ : 9 -10 .

([3])- ظ : التمهيد ،11.

([4])ظ : 46.

 

[5]))101- 102 .

([6])119.

[7]))ظ : 123 – 124 .

([8]) ظ : 144-145.

([9])  ظ : 168-169  .

 

([10])ظ : 168.

 

([11])ظ : 178.

([12]) 183 – 184.

[13]))186 -187.

([14])209 .

([15] ) ظ : 0235

([16])ظ : 0250

([17])ظ : 0254

([18])ظ : 270-271 0

([19]) 275 0

([20])  295 .

[21]- ظ : 325.

[22]- ظ :على سبيل المثال لا الحصر: 8 ، و10 ، و 16 ، و 18 ، و 38 ، 81 ، 86 ، 97 ، 120، وغيرها .

[23]-  ظ : 98.

[24] - ظ : الأطروحة بشكل عام .

[25]-  ظ : الشكر و المقدمة ، والخاتمة  98.

[26])) ظ : 347.

[27]- ظ : المقدمة ، أ .

[28]- ظ : المقدمة ، ب .

[29]- ظ :  48 ، 49 ، 50

[30]- ظ : 55 ، 61.

[31]- ظ : 48 52.

[32]- ظ : 67 -68

[33]-  ظ: 101-102 0

[34]- 60.

[35]- ظ : 89 - 90 .

[36]- ظ : نظم الدرر، البقاعي ، 8/ 458 - 460 . و في ظلال القرآن ، سيد قطب ، 6 / 3929 ، و التفسير البياني ، بنت الشاطئ ، 2/ 51 ، و أصول البيان العربي ، الصغير : 61 .

[37]- ظ : 166-167.

[38]- ظ مثلاً : 42 ، إذ يجب أن تقول الباحثة : الرازي ،التفسير الكبير ، 1/30، وظ : العين للخليل1/ 65 ..

[39]-  ظ على سبيل المثال لا الحصر : 124 – 129 ، و 140 ، و 142 ، و153 ، و157- 158 ، و161 - 162، و183 – 184.

[40]- 114 - 115 .

[41]- ظ : 329 المصدر16 . 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق