]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

صراع مع النفس

بواسطة: Mohammed Abukwaik Shkukani  |  بتاريخ: 2012-12-25 ، الوقت: 15:36:51
  • تقييم المقالة:
في هزيع الليل الأخير، وبعد أن خيم الظلام الحالك على أرجاء ذلك المخيم، إلا من ضوء شمعة في هذا البيت أو ذاك،  وبعد أن أخذ السكون يعاود أدراجه رويدا رويدا... صمتٌ وظلامٌ يجتمعان .. وإذا اجتمعا فإنهما يزرعان الخوف والرعب والهلع في صفوف الشيوخ والأطفال والنساء، لا لشيء إلا لأن مكان اجتماعهما في بقعة من الأرض كتب الله لها أن ترزح تحت وطأة الاحتلال اليهودي ، إنها فلسطين . وفلسطين لها قصة ليست كبقية القصص ، فكان يا ما كان ، في قديم الزمان ، بلدة تنعم بالأمن والأمان، وفي غفلة من السكان ، احتلها اليهود الجرذان ، فرزحت تحت الظلم و الطغيان .   نعود إلى الصمت والظلام .. في فلسطين .. فهما كما يُقال الهدوء الذي يسبق العاصفة، تبرق الدنيا وتُرعد وهنا تكمن خصوصية فلسطين عن غيرها من البلدان ، فالبرق والرعد يعقبهما المطر وعادة يكون في فصل الشتاء في أغلب البلدان، إلا في فلسطين فإنه على مدار العام .   البرق والرعد .. في غير فلسطين يستبشر به الصغار والكبار، النساء والرجال، الغني والفقير، العامل والفلاح ،لما يتبعه من غيث مدرار، فبه تجري الأنهار ، وتُروى الأشجار،ويلعب الصغار. أما في فلسطين فيستبشر به الناس شراً لما يتبعه من قصف ودمار، به يُقتل الأخيار،وتُهدم الديار، وتُقتلع الأشجار، وتموت الخراف والأبقار .   فيقطع الظلام الدامس برق انفجارات الصواريخ الهاطلة كالأمطار على بيوت الآمنين، ويتبعه الرعد الناجم عن انفجارات تلك الصواريخ، فيقطع الصمت والهدوء، و تُسقي الأرض العطشى من دم أبنائها المخلصين . هذه هي يوميات بلد أعياه وأضناه الاحتلال الصهيوني على مر العقود والأعوام، وفي ذلك البيت الصغير المتواضع، الواقع بين أزقة المخيم الذي يُجسد مأساة اللاجئين ويُعيد إلى الأذهان فاجعة الهجرة، هذا البيت ذو الغرفة والمطبخ وبيت الخلاء ، ذو الجدران الطينية والسقف الأسبستي، يقطن فيه ثائر وزوجته هدى وابنيهما مجد وصابر. وأمام البيت شجرة الزيتون واقفة شامخة صامدة كصمود الجبال الرواسي متشبثة بالأرض إن تخلى عنها الإنسان فإنها لا تتخلى عنها .   نام الصغار في أول الليل  بعد صراع شديد مع الأرق والتفكير في القدر المخبئ لهم ، بعد أن تحايل عليها أبويهما لكي يخلو لهما الجو. *****   يسترخي ثائر على السرير بجوار زوجته  واضعا يديه تحت رأسه رافعا بصره إلى السماء بعد أن قضى الليل هو وزوجته إلا أقله في لهو ولعب وغزل ومرح و...... بعيداً عن أجواء المخيم المرعبة . يخيم الصمت في أرجاء الغرفة بعد طول صخب وضحك ... تقطع هدى الصمت متجهة برأسها إلى ثائر بعد تعجبها واستغرابها من صمته المفاجئ . -         مالك يا ثائر هل من شيء؟ -         لا ، لا شيء. -         هل صدر مني ما يُزعجك ؟ -         كلا يا هدى . -         إذن ما الأمر يا ثائر كأني أقرأ في عينيك شيئاً ما ! -         لا شيء يا زوجتي العزيزة، كل ما في الأمر أن الأفكار تتصارع في ذهني . -         بم تفكر يا ثائر؟ -         أفكر بالماضي والحاضر والمستقبل، بالرغم من تلك السعادة التي خيمت علي قبل قليل ، إلا إنني في حقيقة الأمر مهموم محزون على واقعنا الذي نعيشه، تُرى يا هدى هل يوجد فرق بيني وبين الحيوانات ؟ -         ما هذا الذي تقوله يا ثائر ؟ماذا دهاك ؟ -         أنا أسألك هل يوجد فرق؟ -         بالتأكيد ..... وتابع ثائر كلامه مقاطعا زوجته. -         أن لا أريد منك أن تذكري فروقا فسيولوجية وغير ذلك ، في الحقيقة لا يوجد بيني وبين الحيوانات أية فروق ، فهي تأكل وتشرب وتجمح إلى شهواتها، وأنا كذلك ، إلا أن الحيوانات  إذا داهمها عدو أراد أن يفترس صغارها أو إناثها ، فإنها تدافع عنهما بكل ما أوتيت من قوة ، وبهذا فإنها قد تفضل عني  ، أما أنا فإنني لا أختلف عن الحيوانات ، كل همي هو الأكل والشرب وإشباع الرغبات والشهوات والخلود إلى النوم ، هل في كلامي خطأ؟ -         انظر يا ثائر إلى الجانب الإيجابي من نفسك لا تنظر إلى الجانب السلبي، هل نسيت أنك مواظب على الصلاة ؟ -         بصراحة كدت أضحك ، وصدق من قال شر البلية ما يضحك ، وما أحلا كلمة مواظب وهي تخرج من فمك ، هل تذكري لي آخر مرة صليت فيها الفجر ، وهل الصلوات التي أصليها هل هي مقبولة عند الله ؟ -         إن شاء الله . -         إن شاء الله تكون مقبولة وأرجو ذلك مع أنني غير راضي على صلاتي التي أؤديها منفردا كيفما كان ،ولا أعطيها حقها ولا أتقنها الإتقان الذي أمرني به ربي ، وكأن الصلاة عادة عندي، هذا بالنسبة للصلاة ، التي هي غذاء الروح أما بالنسبة للعقل الذي غذاؤه العلم فأين نحن منه ، كل مرة أقول لنفسي سأتغير سأصبح إنساناً ذا قيمة سأقرأ وأتعلم لأستفيد وأفيد وأبدأ بقراءة عشرة أو عشرون صفحة ثم تعود حليمة إلى عادتها القديمة، ما رأيك يا زوجتي ؟ -         في ماذا؟ -         كأنك نمت وأنا لمن أشكو حالي ؟ -         عذرا زوجي فقد غلبني النعاس؟ -         لا بأس ، ما رأيك أن نشجع أنفسنا على القراءة ولنترك القيل والقال ، فنختم كتابا كل ثلاثة أيام أو أسبوع حسب حجم الكتاب ؟ -          هل تحسب أني فاضية؟ وقتي مشغول بتربية الأولاد وتنظيف البيت وإعداد الطعام وغسل الملابس. -         سبحان الله ، تقضي الساعات في القيل والقال ، وغير مستعدة لأن تقضي نصف ساعة للقراءة مع زوجك ، يا زوجتي العزيزة ، هل بإمكانك أن تقضي حياتك بدون أكل أو شرب؟ -         لا ، سأموت طبعا. -         كما أن الأكل والشرب غذاء للجسم ، فكذلك فإن العلم غذاء للعقل ،فكما أن الجسم بلا شراب ولا طعام  يهزل ويضعف ثم يموت، فإن العقل كذلك فإنه يحتاج إلى غذاء وهو العلم والمعرفة ويحتاج إلى تمرينات من القراءة ، مثل عضلات الجسم تماما فإنها تقوى وتكبر بالتمرينات الرياضية ، حتى يستطيع أن يحمل الإنسان أوزانا ثقيلة على حسب التمرينات فإن العقل يمكنه أن يستوعب معلومات كثيرة على حسب تمرينات القراءة المتواصلة. -         صدقت زوجي العزيز. -         وأنا أقترح أن نضع لنا برنامجا نُسَيّر عليه حياتنا ونلتزم به ؟ -         موافقة. -         إذن دعينا نخلد إلى النوم  وفي الصباح نكمل المخطط. -         تصبح على خير يا حبيبي. -         وأنت من أهل الخير. وخلد الزوجان السعيدان إلى نوم عميق واستيقظا وقت الظهيرة وصليا الفجر والظهر جمع تأخير. وكأنك يا أبو زيد ما غزيت، وعادت حليمة إلى عادتها القديمة.   كتبها/محمد تيسير أبو كويك – شكوكاني 25/3/2011م
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق